كتابة الأنا وسؤال الصّورة: مقدمة وجيزة “لمحنتي مع الكائنات” للكاتبة مريم حوامدة من فلسطين بقلم الكاتبة فتحية دبش من تونس.

تصدير:
إن الكتابة بحد ذاتها فعل متمرد …

يمكننا في مستهلّ هذا النّصّ وبعد قراءة محنتي مع الكائنات لمريم حوامدة أن نتساءل عن فعل الكتابة بوصفه فعل تمرّد يعلن انقلابا على ثقافة الصّمت التي غّلِّفت بها كينونات النّساء في ثقافات أبويّة تطلّ على عوالم المرأة من خلف حجاب. فالكتابة هنا وبقلم المرأة تتجاوز مفهوم الفعل إلى مفهوم الوجود، والخروج من منطقة النّفي إلى منطقة الإثبات. الآن، وبعد الانفلات من التّقنّع بقناع الرّواية أو القصّة القصيرة حيث تبعثر الذّات الكاتبة ذاتها بين السّطور وفي بورتريهات الشّخوص دون أدنى اعتراف صریح، تلج الذّات عوالم الكتابة السّيريّة فتتمثّل في النّصوص السّيرية التّخيلية لا على استحياء، ثمّ تراود تخوم السّيرة الذّاتيّة بكلّ ما في السّيرة الذّاتيُة من مخاطرة كتابة الأنا وسؤال الصّورة، بحيث تجعلها كامنة بين أدب الاعتراف وفعل المحاكمة حيث الذّات موضوع مساءلة وموضوع دفاع في الآن نفسه على حدّ تعبير جيزيل ماتيو- كاستيلاني.
لئن أعتاد الأدب العربيّ على حضور الأنا في النّصوص الشّعريّة منذ المعلّقات فإنّه يتعثّر في التّعوّد على حضورها سافرة في النّص النّثري. وهذا التّعثّر مأتاه تعثّر الكاتب نفسه في التّعامل مع هذا النّوع من الكتابة التي تقتضي الصّدق والحريّة والمسؤوليّة. وهي نقاط ثلاثة قد لا تتوفّر للكاتب العربيّ فما بالك بالكاتبة العربيّة الواقعة تحت رهاب الذّات وتوقها للتّحرر منه ورهاب الأخر ومحاولتها كسره. الكاتب/ة العربية مقيد/ة بقانون العشيرة الضُيّقة والموسّعة في نفس الوقت من جهة، ومن جهة أخرى هو/هي نفسها واقع/ة في منطقة رجراجة بين انصاف نفسه/ا وانصاف عشيرته/ا . ومن هنا يطرح موضوع الحريّة التي تقتضيها الكتابة السّير ذاتيّة. وهي حرية مزدوجة تبدأ من تحرّر الذّات من كلّ ميكانيزمات القمع الذّاتي التي طوّرتها الذّات الشّرقيّة عند الأنثى خاصّة على اعتبار أن الآخر/ المجتمع جلاّد وحاكم، ثمّ تحرّر الذّات من ذاتها التي غالبا ما تكون قد اختزنت الميكانيزمات ذاتها حتى إذا غاب قمع المجتمع واعيا حضر قمع الذّات لا واع. ومن ثمّ تصبح الكتابة السّيرية لا كتابة تسجيليّة وإنّما فعل تحدّ للذّات أوّلا ثمّ للآخر.
محنتي مع الكائنات تمنحنا مساحة لهذه التّساؤلات الكثيرة إضافة إلى سؤال “عقد القراءة” الذي ينتهي إليه فيليب لوجون في كتابه العقد السّيري الصّادر في سنة 1975 ، ويلخصه في التّطابق بين الكاتب والسّارد والبطل.
يتعثّرقاریء محنتي مع الكائنات في كثير من النّصوص بمريم كاتبة ساردة و بطلة كما في نصّ دموع البرتقالة حيث تقول: ” تمرّ ساعات وساعات ولم أنم لحظة حتى لا أسمح للحلم أن يتسرّب ويستولي على أمّي البرتقالة ويسحبني او يستلّها من بين يدي، أبوح لها بكلّ ما أريد حتّى أشعر بأنّها سوف تنفجر بين أناملي وتبكي معي، ولطالما أخطأت وناديتها باسمي: مریم … مریم … هل تسمعين؟ “
مريم تحتلّ مساحات شاسعة في النّصوص ليس فقط لأنّها تكتب نصّا سيريّا ولكنّها أيضا تكتب سيرة الماضي والنّاس والقرية. فتتموقع في موقع من أمام فتسائله وأحيانا من وراء فتسرد الحكاية دون أن يكون لها هدف بيّن غير السّرد وتقديم شهادة عن زمن مضى وعلقت أحداثه بالذّاكرة. فهي تتحوّل في بعض النّصوص من كاتبة ساردة بطلة إلى كاتبة ساردة شاهدة على حكاية شخوص أخرى.
فالحكي في السّيرة قائم على فعل التّذكر من ناحية و على فعل الاسترجاع الزّمني من ناحية أخرى، وهو ما يجعلها تستخدم كثيرا فعل “كان” وصيغ الماضي وتعود إلى تحديد الحدث زمنيّا وتؤطره كثيراً داخل زمن الطّفولة. هذا النّزوع نحو التّذكّر هو عصب العمليّة السّيريُة حيث يخضع الماضي لعين الحاضر ولكنّه لا يحاكمه. في محنتي مع الكائنات نلاحظ أنّ مريم كتبت سيرة ذاتيّة لحقبة تاريخيّة تمتد بين عامها الأوّل رضيعة إلى حدود سنّ المراهقة مع تطعيم سيرتها بسيرة الغير في بعض النصوص. وفي المجمل يلاحظ القارئ حرص مريم حوامدة على محاولة الحفاظ على روح الطّفلة التي عاشت الحدث بل ندرك أن مريم الطّفلة التي عاشت الأحداث هي نفسها مريم الطّفلة التي تكتب وتروي.
تراوح مريم حوامدة بين السّرد والحوار وبين السّرد والتّعليق و بين الماضي والحاضر لتجعل للسّيرة بعدا تعليميّا نقديّا غايته تقديم موقف من الأنا والآخر، وهو ما تحدّده جيزيل في كتابها المشهد القضائي في السّيرة الذّاتيّة الصّادر سنة 1996. وتستخدم الكاتبة لغة سهلة متدفّقة مشحونة بالوجدانيّة حينا وبالعقلانيّة حينا آخر.
محنتي مع الكائنات ليست فقط سيرة ذاتيّة لمريم حوامدة وإنما هي ايضاً سيرة المجتمع وتقاليده في المدينة و في القرية (قرية من قرى فلسطين) حيث أن مريم عاشت في المدينة والقرية وتأثّرت بتغيّر البيئة من جميع نواحيها وخاصة منها الدّينيّة حيث يتجاور مجتمع مسلم بعاداته وتقاليده وآخر مسيحي بكلّ أطيافه.
محنتي مع الكائنات هي سيرة النّساء اللّواتي يمضين الحياة في معاناة صامتة جرّاء التّقاليد التي تقرّ بزواج الفتيات في سنّ مبكّر جدّا ( نصّ قمر نموذجا ) وتسمح بتطليق المرأة لأنّها لا تنجب ثم لأنّها تنجب ( نصّ سجی ) وغيره من النّصوص التي تؤكّد على خشونة الحياة في بيئة خشنة تقودها التّقاليد والأعراف قبل العقل. ولعلّ مريم كانت فيها لا نموذجيّة منذ الصّغر حيث كانت ” أوّل فتاة تقود درّاجة في وسط المدينة في السّبعينيّات وأوائل الثمانينيّات” (نص حنان وأحمد) وتمارس الألعاب الرّياضيّة بالأزياء الخاصّة بها. تقدم مريم صورة لمريم المدنيّة و مريم القرويّة فترصد التّحدّيات التي فرضت عليها بوصفها أنثى في مجتمع ذكوري حيث نلاحظ النّزاع في داخل مريم لمواجهة تحديّات الوقت والظّرف.
تلج مريم حوامدة بهذه المحنة مع الكائنات عالم القول والقطع مع الصّمت المتواطئ فلا تكتب فقط سيرتها بل تكتب سير النّساء جميعهن…
وهي بذلك تلتحق بالنّساء الكاتبات اللّواتي تمرّدن بالكتابة ورفعن الأنا عاليا دون المكوث عند وهم الصّورة الذي تنبني عليه ثقافتنا الشّرقيّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*