“فتاةُ ملجأِ مارتنيت ” قصة قصيرة بقلم الكاتبة ملاك جلال علي من فلسطين.

انا آنجلا ، ترعرت في ملجأ “مارتينيت” لرعاية الأيتام .
فقدت والديّ البيولوجييّن في حادث سيرٍ أليم أودى بحياتهما ..
وكنت قد بلغت من العمر ثلاثة سنوات ..
لجأت الى مارتينيت بعد رفضٍ قاطعٍ من أفراد عائلتي لرعايتي .. فتولى ملجأ مارتينيت رعايتي منذ نعومة اظافري ،
عشتُ بينَ ازقة هذا الملجأ ..
لطالما كانت جدران هذا الملجأ بمثابة أصدقاءً لي ..
كبرت بين العديد من الأطفال الذين كانوا يعانون ..
كل منهم كان البطل في قصة مختلفة نهايتها تراجيدية بامتياز أودت به الى هنا .. الى مارتينيت .
وفي عامي السابع قاموا بإرسالي الى مدرسة حكومية في باريس .. فقد كان المدير العام للملجأ هو المتكفل بمصاريف رعايتي ..
ومنذ أن باشرت في المداومة في تلك المدرسة لاحظت كلماتٍ لم تكن مألوفة ومستهلكة بالنسبة لي ..
“ماما” كلمةٌ شديدة الفخامة .. ذات معنى مقدس تحويه ..
قد كانت تلك الكلمة أكبر أمنياتي ، لطالما شعرت بالألم والنقص عند تلفظ أحد بها منادٍ أمه امام عيني ..
كنت انظر اليه بنظرة ملؤها الحزن وأحيانا ملؤها الحسد ..
لديه أم .. أما انا ف لا ..
كم كنت انا وإخوتي الذي جمعني بهم هذا الملجأ ، نتطلع لأن نملك عائلة ، كم كنا نبتهج فرحًا وكأنما العيد قد هلّ عند مشاهدتنا لعائلة مكونة من أب و أم آتية بإتجاه الملجأ للتبني ..
كنا نتسارع لارتداء أجمل ما نملك من ثياب رغم تواضعها
ونتسارع جميعنا لرؤيتهما عن كثب بشغف و بنظرة ملؤها الحب ..
كان الأكثر حظا منا هو من اختارته العائله لتتبناه ،
كم كنا نسعد له .. ونقيم له الحفل في آخر ليلة مبيت له في ملجأ مارتينيت ،
تمامًا كحفلات توديع العزوبيه ، ولكن كان لاحفلاتنا اسم أشد عمق..
” حفلات توديع اليُتم ” ..
عشتُ ليالٍ طويلة آملةً بإن أعيش كهذه اللحظة يومًا ما ..
و قد اتى هذا اليوم ، حين بلغت من العمر إثنى عشر عامًا
كنت جالسةً بالقرب من نافذة مكتبة الملجأ ، أقرأ كتابًا كعادتي .
لتنتابني الدهشة و أُصيب بالارتباك والتوتر ، بعد أن طرقت “نازلي” إحدى مربيات أطفال الملجأ باب المكتبة مخبرة إياي بإن السيد والسيده ديكنز قد حضرا إلى هنا ويودان رؤيتكِ وهما الآن في مكتب المدير العام للملجأ .
وضعت الكتاب على المنضدة بسرعةٍ شديدةٍ وخرجت مسرعةً إلى غرفتي ، ارتديت ثوبي المفضل مع شريطة الشعر ذات اللون الزهري اللطيف ، وغادرت بسرعة لا تقل عن سابقها الى مكتب المدير ..
طرقت الباب ليجيبني ، أدخلي آنجلا .
فسارعت بالدخول وقول التحية وجلست أقابل الكولونيل ديكنز وزوجه .
كانا يبدوان شديدي اللطف .. كانت السيدة ديكنز ذات خصلات شعر ذهبية اللون وذات ثوب كان يبدو جميلاً محاكاً بدقةٍ فنيةٍ .. بالطبع فهي زوجةٌ للكولونيل أي من الطبقة النبيلة في فرنسا .
كنت سأسعد جدًا إن أصبحا والداي ..
بعد بدأهم بالحديث معي وسؤالي عن بعض الأمور ك اسمي و عمري وعن وضعي الدراسي .. وبعد ان تحدثنا سويةً لمدة لا تزيد عن نصف الساعة طلب مني مدير مارتينيت بالمغادرة .
فخرجت من باب المكتب ، ووقفت خلفه أحاول سماع همس حديثهم الذي وبالكاد بإمكاني سماعه ..
سمعت السيده ديكنز تحاول جاهدةً اقناع مدير الملجأ بإن يتم اجراءات التبني ، وأن تأخذني معها .. ولكنه قد كان متعلقاً بي كثيرًا فهو الكفيل بكل مصاريفي المالية منذ ان قدمت الى مارتينيت ..
وبعد إلحاحٍ شديدٍ من السيد والسيده ديكنز الذين وعدا بالتبرع بمبلغٍ مالي كبيرٍ كفيلٍ بتحسين وضع أطفال الملجأ بشكلٍ كبير ، وافق المدير العام على طلب التبني .
كم كنت سعيدةً حينها ، فقد تحقق حلمٌ لطالما كنت قد حلمتُ به .. أن أملكَ أُمًا ! يا لهُ من شعورٍ شديد الجمال !
كم كُنت محظوظةً بإختيار السيد والسيده ديكنز لي .
وغادرت الميتم بروحٍ ملؤها السعادة والابتسامة في ذلك اليوم.. فقد تخلصت وأخيرًا من حياة اليُتم هذه .. وأصبحت أخبر زملائي في المدرسة بإن لي أمًا منتظرةً إياي في المنزل !
تأقلمت مع حياتي الجديدة التي عشتها لِعامٍ واحدٍ فقط !
فبعد عامٍ من تبنى السيد والسيدة ديكنز لي ، تعبت السيده تعبًا شديدًا
و ما إن حضُر الطبيب ليقوم بالفحوصات اللازمة ، إلى أن غمرت الضحكة وجنتاي السيد ديكنز بعد إخبار الطبيب له بإن زوجته حاملةٌ لطفله .
غمرتني فرحةٌ كبيرةٌ أنا ايضًا لقدوم طفلٍ جديد الى المنزل وسيكون لي أخٌ أُسأَلُ عنه .
ولكن .. يبدو أن العالم ليس مصنعاً لتحقيقِ الاحلام ..
يتيمةٌ كبُرت ويتيمةٌ عِشت ..
كنت كَـ بدل الفاقد .. وبحضور الفاقد أُستبدَل ..
وهذا ما حصل فبعد أن رُزقا بمولودهما الأول بعد عشرِ سنواتٍ من الانتظار ، قاما بإستبدالي بمجرد وصوله ..

خرجت مع السيد ديكنز لإزور إخوتي في الملجأ كعادتي التي داومت على فعلها مراراً …
إلى أن أُصدمَ بحقيقةِ التخلي بعد أن خرجت أبحث عن عربة السيد ديكنز للعودة معه إلى المنزل كالمعتاد ..
ليناديني صوتُ السيد فرانك مدير إدارة مارتينيت..
آنجلا .. عُدتِ يتيمةً من جديد ، اهلاً بكِ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*