قراءة في قصتين قصيرتين ( جين و الأسمر ) للكاتبة مريم حوامدة من فلسطين بقلم الكاتبة فتحية دبش من تونس.

من أصعب الكتابات التي تواجهها المرأة العربية الكاتبة هي كتابتها عن السيرة و كتابتها عن ذاتها؛ لكن مريم حوامدة تتسلل من بين شقوق الابداع و تكتب نصاً مذهلا ثيمته المرأة و الحب و النسب و صراع التيولوجيا بين أناس جمعها الحب و فرقتها الأديان.
مريم حوامدة تسبح في بحر السرد فيتقلب القارئ مع شخوصها و كأنه في جولة بحرية يعرف لذتها و البداية و لكنه ملهوف على النهاية من فرط لذة النص.
سرد مسترسل متين، لغة سلسة
إن الكتابة العظيمة ليست تلك المغرقة في الغرابة و الغرائبية و إنما هي تلك التي تصل إلى قلب القارئ قبل عقله فتغذيه و تجعله يقبل لحظة المكاشفة مع نفسه و تجعله يعيش النص و يتقمص شخوصه و يبحث عن ذاته فيها

السيرذاتي خطر الموت او موت الخطر… ( في قصة الأسمر )

مريم حوامدة بلغة ادبية بسيطة و بسرد يجعل من التذكر مطية تمنحنا نصا سيريا بامتياز.
إن كتابة السيرة الذاتية لا تقوم فقط على استعمال ضمير المتكلم المفرد كضمير سرد. و هو خطأ شائع يقع فيه المتلقي أحيانا فيكتفي ب(أنا) الساردة ليطلق حكما على النص أو له و على الكاتب أو له دون أن يبحث في جملة من القرائن الاخرى و التي هي في هذا النص مثلا متعددة: تفاصيل الأمكنة، اسم مريم و بقية أسماء الشخوص، افعال التذكر… و غيرها من القرائن التي تقربنا من وجدانية الكاتب من خلال وجدانية النص.
مريم تسرد على القارئ او لعلها تسرد لذاتها القارئة بعضا من حدث او شعور ساهم في بلورة تموقعها من ذاتها و من الآخر. مريم فتاة لعائلة لا تفصل الذكور عن الاناث و هو ما نجد صداه في نصوص سيرية اخرى لمريم تتعالق و هذا النص و هي نصوص و ان كنت لا أذكرها حرفيا فإنها حاضرة فكريا (نص مريم عن والدها مثلا)، مريم الانسان الذي يعاين العالم بعين تتوق الى اكتشاف الآخر [المختلف/المؤتلف: اللون، النوع، الوظيفة]، و اكتشاف الحياة و الموت.
لقد دار النص بين مدارين اثنين هما الحياة بما تحمله من مظاهر الفعل: اللعب، الحوار، الاستحمام، الحركة، الضحك، الحب و غيرها من الافعال التي عج النص بها. و أما المدار الثاني فهو الموت و هو عقدة النص مترجمة بقول مريم ” خطر الموت”… هذا الخطر يتجسم في كيفية تعاملنا مع الاخر المختلف المؤتلف، فكلنا آخر للآخر. غير ان مريم تقول للقارئ ان الخطر و الموت هو تنظر للاخر المختلف نظرة تنفيه و الخطر و الموت هو تنظر الى ذاتك نظرة تنفيك و هي في الحقيقة مسألة المسائل اليوم حيث يهيمن منطق ان لم تكن صنوي فأنت عدم.
لقد نجحت مريم في نصها القصير هذا ان تنقلنا الى مساربنا النفسية و الفلسفية عبر فعل السرد السيرذاتي و نجحت في فعل موت الخطر باقتحامها نصا سيرذاتيا لسيدة شرقية في ثقافة شرقية.
فتحية دبش / تونس – فرنسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*