مداخلة الكاتب فتحي جوعو في احدى قاعات اتحاد الكتاب التونسيين ضمن فعاليات أيّام الشعر العربي والتونسي.

عنوان المداخلة: الشاعر التونسي جلال المخ بين الواقع والأسطورة

قصيد: “سفينة هوميروس” نموذجا.

قصيد “سفينة هوميروس” هو واحد من الأعمال الشّعريّة الكثيرة والمتعدّدة التي أنتجها الشّاعر جلال المخ عبر ترحاله الإبداعي، فقد أنتج إلى الآن باللّغة العربيّة إثني عشرة مجموعة شعريّة قُمنا بتحليل وجَمَع خمسة منها في كتاب بعنوان “انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة”، وينتمي القصيد النّموذج الذي سنقف عنده إلى مجموعته الرّابعة بعنوان “حين يضرب القصيدُ بقوّة”.
واسمحوا لي منذ البدء أن أُعلن قناعة تخالف ما هو معروف عن الشّعر، فكثيرا ما يُعتَقَدُ أن الشّعر يتوجه إلى ما هو وجداني وينحصر في التّعبير عن الأحاسيس والعواطف المحضة في حين أن الشّعر هو هذه الحقيقة التي تنفتح على المعارف الإنسانيّة ككلّ وهو البوّابة التي فعلا نُطلُّ منها على الوجدانيّات الإنسانية المتنوّعة لكنَّه أيضا يُعدُّ البوَّابة التي منها نّنْفَتحُ على كلّ الحضارات باختلاف أجناسها وتنوع أشكالها وذلك لما للإنسان من بعد شامل كلّي لا يتجزأ، فالحضارة إنسانيّة بالأساس والإنسان حضاريّ بالضرورة، وقد صدق أدونيس حين قال: الشّعرُ مفتوح على المعرفة ككل” وفي نفس الاتجاه تقول الشّاعرة أمال موسى: ” في المخيال العربي طالما نَحْصِرُ الشّعرَ في البُعد الوجداني فقط في حين أن الشّعر هو كل شيء يُطِلُّ على جميع المعارف”. وهذا ما نلاحظه حقيقة في قصائد جلال المخ فهي بالإضافة إلى أنّها تَسْتَمِدُّ مواضيعَها وإشكالاتهَا من ُعمق الإنسان على اعتبار أن الشّاعرَ حين يَكتُبُ لا يَلْتَفِتُ إلى همومه وأوجاعه وحالاته الوجدانيّة الفرديّة الشَّخصيّة فحسب بل يطرح من خلال أشعاره القضايا القُصْوى والعُلْيا على بساط الإنسانية جمعاء، ويجعلُ من أناه تُعانقُ أنا الإنسان الكوني فيتجاوزُ بذلك حدودَ الفرد والمكانَ والزّمانَ ليُعبّر عن اختلاجات الذّات الإنسانية في كلّ أطوارها وحالاتها، لذلك كانت أشعارُهُ مزيجا بين ما يتطلّبه الشّعر من جماليّة الوزن ورقّة النّغم وعُمْق الكلمة وبين ما يفرضه الفكرُ من إثارةٍ فلسفيّةٍ وحيرةٍ وارتباكٍ. إلى جانب هذا البعد الأسلوبي البارز في قصائد جلال المخ يتميّز أيضا شعرُه بهذا الثَّرَاء الخلاّق وهذا الكَمُّ الهائلُ من المخزون الأدبي والفكري والحضاري والفنّي والدّيني، فما نلمَسُهُ في كتابات الشّاعر أنَّه لم يكتف بمجرّدِ تدوين الشّعر الانطباعي الوجداني المعروف عند جُلِّ الشّعراء بأساليبَ مختلفة، بل جعل من شعره، بوعي منه، بوَّابة الحضارات القديمة منها والحديثة، ومرتعا للشّخوص الأسطوريّة، إغريقية كانت أو مصريّة أو رومانيّة أو فينيقيّة، فوظّف الدّياناتَ المختلفةَ في أشعاره وكذلك كبار الفلاسفة والمفكّرين والموسيقيين والفنّانين من كل صوب وحدب، فكانت قصائدُه زاخرةً بكلّ هؤلاء يُطوّعهم لمواضيع قصائده فيحتلّون مكانا في ذهنه وشعره كأنهّم للشّعر وجدوا وفي الشّعر كان بعثهم من جديد. لذلك تميّز شعر جلال المخ بدعوة القارئ وإحالته إلى مرجعيّات التّاريخ الإنساني والفكري والحضاري، فبدت صِيًاغاتُهُ الشّعرية بمثابة أنغامٍ موسيقيةٍ يشارك فيها حضورٌ مكثّفٌ لكبار الشّخصيات التَّاريخية والفنّانين والشّخوص الأسطوريّة ومشاهير الفلاسفة، وكأن الكاتب ضرب تعاقدا معهم ليُعْطِي لشعره هذا البعد المزدوج الذي يجمع بين رقَّة الحسّ الفنّي الشّعري والإبداعي والثَّراء المعرفي والحضاري. ولنا في ذلك مثال قصيد ” سفينة هوميروس”.
في مقاربة جدّ رائعة وذكيّة يُشيّد الشّاعرُ “سفينةً لهوميروس” تمُاثل “سفينةَ نوح عليه السّلام” لكن إذا كان “النبيّ نوح عليه السّلام ” أراد له الله أن ينجو بالإنسانيّة وبكلِّ حيٍّ يدُبُّ على الأرض من الطُوفان، فإن “هُوميروس” أراد له الكاتب ساعة الطُّوفان أن يحمل في فُلكه كل منتجات الشّعر من كُتُبٍ ودَوَاوِين ومعلّقات ولزوميّات …إلخ يقول في قصيده:

…” في هذا الخِضَمِّ المُزْبِدْ
أعَدَّ هُوميروس فُلكًا عَظِيمًا
صَنَعَهُ بأَعْيُنِ الخَلْقِ ووحْيِ الِابْتِكَار.
“بُورِكْتَ يا هُوميروس وتَخَلَّدَتْ مآثِرُكَ
فَمَنْ للشِّعْرِ غَيرُ أَبِيه
يوم يَفِرُّ النَّصُّ من مُنَظِّرِيه ومؤَطَرِيه”
لكن ما الغرض من هذا الحَمْلِ المتدفّق لِزَادِ التَّاريخ وزُوّاده من شعر وشعراء بمختلف إبداعاتهم؟
إذا كان النّبيّ نوح سلامُ الله عليه قد وضع في فُلْكه من كلّ زوجين اثنين وقليلا من القوم الصَّالحين فإن فُلْكَ هوميروس، يقول الشّعرُ:
“طَفِقَ يُحَمِّلُ الفُلْكَ بأُمَّهَاتِ الكُتُبِ،
بدَوَاوِينِ القَصَائِدِ العَصْمَاءِ
بِمَلاَحِمِ النَّارِ والمُعَلَّقَاتِ
ومَجَامِيعِ القَوَافِي واللُّزُومِيَاتِ
وأغْراضِ الشِّعْرِ وبُحُورِهِ
وصُوَرِهِ المُسْتَحْدَثَةِ التي تَضْرِبُ لمَعاتُها
في أعْماقِ القِدَمِ…
كانَ يَحْمِلُ من كلِّ النَّمَاذِجِ
ومن شَتّىَ التَّطَلُّعَاتِ والمَنَازِعِ “
وإذا كان الغرض من سفينة نوح إعادة نَشْأة الكون من جديد بأصْلَحِ العباد وأسلم المخلوقات فإنَّ هُوميروس حاول إنقاذ الابداع…
” قبل فَوَاتِ الأَوَانِ
وتَسَلُّطِ الطُّوفَانِ
تَغْمُرُ مِيَاهُهُ الأَفْكَارَ والمَشَاعِرَ
بأَمْوَاجِ العُمُومِ الهَائِجَة
وزَبَدِ المادَّةِ العَمْيَاء
وطَحَالِبِ الاسْتِهْلاَكِ والتَّكَاثُرِ”
نفهم من هذه الغاية التي رسمها الشّاعر لسفينة هُوميروس مدى الهبوط السّافل للشّعر في هذا العصر ومدى تلوُّثه بألوان الزِّينة الزّائفة والبُهرُج المغشوش ممُا جعل الشّعراء:
… يُهَرْوِلُونَ نحو الفُلْكِ
مُحَمَّلينَ بِسُودِ الصُّحُفِ يَتَقَاطُرُ مِنْهَا المِدَادُ
ويَسْتَأْمِنُونَ شَيْخَ الشِّعْرِ على حِفْظِهَا
من وَبَاءِ الذَّوَبَانِ
في غَيَاهِبِ النِّسْيَانِ…
كلُّنا يعلم أنَّ ابنَ النبيّ نوح عليه السّلام رفض الصُّعود على الفُلك واندثر في الطّوفان، في حين أن ابن هُوميروس رغب بشدّة ومعاناة أن يَلْحَقَ بالفُلك ويَحْفَظ إبداعَه يقول جلال المخّ:
“وانْدَلَعْتُ رَاكِضًا من أقَاصِي الِامْتِدَادْ
أَشُقُّ بِحَارَ الشُّعَرَاءِ المائِجَة
وأَنْدَلِعُ بين المَوَاكِبِ
تَتَدَافَعُ فيها المَنَاكِب،
وبعدَ لَأْيٍ ومُعَانَاةٍ تَشُدُّ أزْرَهَا المُكَاشَفَة
وبعدَ جُهْدٍ تُثَبِّتُ جَلَدَهُ المُكَابَدَة
اقْتَرَبْتُ من شَوَاطِئِ النَّجَاة
حيثُ الفُلْكُ يتَهَادَى فوْقَ المِيَاهِ الهَادِرَة
وتَتَأَهَّبُ هَيْئَتُهُ لخَوْضِ الغِمَارْ…
صَرَخَتْ مُهْجَتِي بأقْصَى ما تَحْوِيهِ من إيقَاعٍ
يا أَبَتَاهْ، يا أبَتَاْه
وا يَا مُعَلِّمَاهْ
” أَنقِذْ من الغَرَقِ قَصِيدِي
اِحْفَظْ من التَّلَفِ نَشِيدِي
جِدْ لَهُ مَوْقِعًا
في هذا الأَتُّونِ المُتَحَشْرِجِ”
وفي هذه اللّحظة كانت المفاجأة إذ قدّم الشّاعر في آخر المطاف لهوميروس “ورقة بيضاء”
” لا مِدَادَ فيها ولا سَوَادَ
ومَلأَ فيها الخَوَاءُ الفَرَاغَ،
نَظَرَ إليها (هُوميروس) بِبَصِيرَتِهِ
وقَطَّبَ الجَبِين
بين أكْوَامِ الدَّوَاوِين
ثمّ أَلْقى بها من مَتْنِ سَفِينَتِهِ”
ورقة بيضاء مستعدة للرسومات الإبداعية، قابلة للتّعبير عن أصْدَقِ المشاعر وأبلغ الأفكار والمواقف، أفضل من السّواد المهتزّ الذي يملأ كثيرا من الكتب والدّواوين.
مرّة أخرى يرسم الشّاعر، في هذه الورقة البيضاء، موقفا ممّا يسود في عصرنا من العزوف عن الابداع من أجل الإبداع والرّكض وراء حسيس الكسب وبذيء المصالح، فالشّعر في الحقيقة وكذا الأدبُ والفنُّ عموما ليس بضاعةً تُبَاع وتُشْتَرى في سوق المناسبات وباحات المديح والعُكاظيّات. بل إنّ الشّعر، إمّا أن يكون مُخلصا لذاته أو لا يكون، إمّا أن يكون نابعا من عمق الإحساس بالآخر فيُسجِّل حضورَهُ في كلّ الأزمان أو سيتبخّر حالَما يولد. لِكلّ ذلك جعل هذه الورقة البيضاء تتألّق وتتعالى في الفضاءات الابداعية حيث يمكن أن يُرْسَم عليها كل ما من شأنه أن يُحقّق الخلود ويحظى بجواز سفر به يعبر كلّ العصور على حدّ عبارة نزار قباني وهو يصف شعر المتنبي. يقول جلال المخ في آخر القصيد:
” لكنّها طَفِقَتْ تَطِير
بأَجْنِحَةٍ من هَوَاء
في الفَضَاِء السَّرْمَدِيَ
وسَطَ جَعْجَعَةِ حُشُودِ الشُّعَرَاء
وغَمْغَمَةِ المَنَاقِبِ والمفَاخِر
وغَوْغَاءِ الأَسَالِيبِ وضَوْضَاِء الدَّفَاتِر…
لكن لسائل أن يسأل، هل نفهم من هذا الموقف ومن عدم الصُّعود إلى سفينة الشُّعراء أن الشّاعرَ سيزيد تقوقعا على ذاته ويبقى سابحا في سماء الخيالات ينظر إلى العالم من عَلٍ غير مكترث بمهمّته المقدّسة وهي العَوْدُ إلى الأرض حيث مشاغل الإنسان وهمومه؟ أليس حُلم كلّ مفكّر حرّ الالتزام بقضايا الإنسان تفكيرا ونقدا ومعالجة وتغييرا إن لَزُمَ الأمر؟ ما فائدة شاعر لا يُشعرك أنّ ” أناه ” هو “أنت” أن همومَهُ هي همومُكَ و مآسيه هي مآسي الآخر؟
نلمح في الواقع، تفاعلا إيجابيّا مع الآخر وإحساسا راق بهمومه وأحواله المتقلّبة في كلّ أشعار جلال المخ وأيضا فيما تبقّى من قصائد هذه المجموعة الشّعرية “خذ القصيد بقوّة” خاصّة في قصيد ” يقظة في حلم” ” وقصيد ” أهل الكهف” و”رسالة من عاشق مازوشيّ”. إلخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*