فرح مؤجّل بقلمالكاتبة إبتسام الخميري من تونس.

ركضت نحوه كمن هدّه الإعياء، و جرى نحو صدر يضمّه…ركضت نحوه بلا موعد آفل.
محمّلة بأحلام لا متناهية… اكتنزت فرحا و غمرتها النّضارة: ستلقاه بلسما يمسح مدامعها و لن يدميها،
” يكفيها جراحا” وشوشت ” فرح” و هي تقل سيّارة الأجرة متوجّهة إلى مدينة بالسّاحل التّونسيّ.
اقتطعت التّذكرة و دسّتها بين جنباتها، إنّها تحمل تاريخ أوّل لقاءها به، نظرت للسّماء و غمغمت:

قد تمطر أخيرا!
سارت السيّارة في الطّريق و ” فرح” تغوص في بحر الشّوق لرؤيته… لقد التقته منذ زمن بلا موعد. التقته و صور رائعة قد ارتسمت بمخيّلتها دون أن تراه:

أنت مميّزة جدا، أريد رؤيتك.

قطعا ممكن، سأحضر.
ما كانت تعير للزّمن قيمة. ما كانت لتترك القوانين و الضّوابط تكبّلها. كانت تركض. تركض و تستكين عنده: البحر. وحده تدسّه أوجاعها و لا يغضب. وحده يهدّئها و يطمر الخوف الرّابض فيها و يمدّها بالعظمة و يصرخ: ” اعتلي أمواجي و امضي”.
مضت ” فرح” لتتعرّف صاحب الصّوت الأجش، لقد وعدها أن يمسح أدمعها و لن يتركها تنزف على الورق، إنّه يحبّ البحر و نزار قبّاني و السّماء الزّرقاء. تماما مثلها، إنّه يحبّ السّفر و السّمك و سواحل تونس ربّما مثلها، إنّه لا يحبّ الشّعر، لا. ليس مثلها. ” و ليكن؟؟ قد يحبّ شِعرها و من خلالها سيعشق الشِّعرَ…
لقد وشوش لها:

إنّك رائعة، أنت دائما معي في كلّ لحظاتي، كأنّني عرفتك منذ زمان.
هو مسكّنها الآن، و ربّما سيظلّ؟ سيروّض الكبر الرّابض وراء نظرتها الحزينة.. قد تنبئ الأمطار بالارتواء! كانت السّماء بلا سحب و الشّمس عروس تدفئ الكون و تدفّئ ثلج مشاعرها… تمطّت عقارب السّاعة فطال الأمد.. قالت في أعماقها:

كم مرّ من الوقت و أنا أنتظر، ألن أنتظر هذه المرّة حتّى أصل؟؟
فجأة ولج فكرها سؤال سرق منها لهفة لقائه: ماذا لو لم يعجبني؟؟ ماذا لو لم أعجبه؟؟
تاه السّؤال بين شفاهها و بين فؤادها… اختصم بداخلها الأمل و اليأس. الحلم و الواقع بقبحه و جماله.. منذ مدّة وجيزة التقت بزميل لها في العمل لم تره منذ سنوات. كان أثر الزّمن على قسمات وجهه واضحا مليّا، تأمّلته فبادرها:

الزّمن يغيّر الأشياء، لقد أصبحت مسؤولا عن طفلين و أمّهما، و أنت؟؟
صمتت. فواصل حديثه بسرعة:

حسبتك قد تزوّجت. حسنا سأساعدك، إلى اللّقاء. آه، لا تنسي خذي رقم هاتف آخر و اتّصلي بي، لا تنسي.
كعادته. دائما على عجل. تلتقيه في لحظات ثمّ يمضي. تبسّمت من طلبه و واصلت.
بعد فترة وجيزة طلب منها رقم الهاتف المؤقّت ثمّ تمنّى لها حظا سعيدا…
آه ” فرح” هكذا تعجزين عن ملء الفراغ و تكوين أسرة؟؟ آلمها كثيرا الإحساس بعجزها. هي تعجز تماما عن رسم ملامح مستقبلها. تعجز عن انتقاء صدر يضمّها ساعة الهجير. المهمّ، ها هي تركض نحو صوت جاءها معلنا رغبته في تكوين أسرة معها.. وحده من اختارت صوته من جملة من هاتفوها. وحده أنست بصوته… ربّما لتريح فكرها… هو في الحقيقة أوّل من طلبها بالهاتف.. و آخرهم.
جدّ متعبة هي. جدّ متعب هو. جدّ حالمة هي. جدّ حالم هو. و مغامران هما.
ما تزال السيّارة في الطّريق و ما تزال ” فرح” تصارع شيئين لا ثالث لهما: الرّغبة و الخوف.

لقد أحببتك ” فرح” صدّقيني، إنّك صريحة جدّا، مثلي تماما. أحسستك دافئة المشاعر، إنّ صوتك يرافقني في كلّ ترحا لي.

أرجو ألاّ تصدر حكما مسبقا. إنّني أعلم جيّدا أنّ سكّان السّواحل يرفضون الزّيجات من غيرهم.

كفّي أرجوك. ذاك زمن ولّى و انتهى, الأهمّ أريدك لي وحدي..
و…تصمت. تترك للزّمن كلمته الفصل. هو وحده يملك الإجابة.
تسرّبت رائحة البحر إلى خياشيمها. انتشى كامل جسدها… لم تبق من المسافة سوى بعض الكيلومترات، هناك، يقف ” سامي ” ينتظرها بلهفة. لقد قرّر أن يضمّها و كفى.
سوف تضع رأسها المثقل بالهموم على صدره و تنام. عفوا، سينام كلاهما. هو أيضا جدّ متعبا كان، أضنته رحلة البحث و التّرحال، لقد سافر كثيرا و حلم كثيرا.. ظلّ يجوب شوارع المدن و العواصم التّي زارها في نطاق عمله.. أعجبه النّظام و المعمار و الحضارة… أعجبه الاحترام و الكدّ في العمل فانغمس فيه، و لم يعجبه الصّمت اللاّ متناهي.. لم تعجبه الغربة و لا الوحدة، لم يعجبه الرّكض وراء المادّة
و الرّأسمالية و لم تعجبه الحرية اللاّ متناهية…

أنا رجل شرقي. أغار كثيرا، أغضب كثيرا، لكنّني أحمل قلبا رءوفا.
وشوش لها عبر الهاتف.. و بكلّ ثقة أعلنت: ” هي امرأة و كفى، و ما من امرأة على وجه الأرض تعجز عن فهم الرّجل، هي قادرة على إسعاده، فقط هي تركض نحوه لتراه و يراها..”
من جديد تخمّر الفؤاد عشقا. من قال بأنّ الأذن تعشق قبل العين أحيانا؟؟ إنّه أحق النّاس بالتّكريم
و التّقدير.
” فرح” و “سامي” صوتان التقيا بلا موعد، و نسجا على أنامل القدر مودّة بلا حدود و رغبة لا متناهية في كسر النّواميس و القواعد.. جرى نحوها و صوت أمّه يعلو:

لا نريد زوجة من الشّمال، انظر عدد الفتيات في عرشنا، إنّهنّ جميلات و في مستوى عائلتنا..
يصمت ” سامي”. يركض نحو صوت التقاه منذ آلاف السّنين، وشوش: ” ما من واحدة تفهمني غيرها، سنجلس هذا المساء سويّا قرب البحر، سنركض حفاة فوق رماله.. سنشرب سويّا حفنة ماء و سنقسم أنّنا سنظلّ سويّا لن يفرّقنا سوى الموت، سأدسّ أوجاعي فوق صدرها و نعلو عن فواجع الزّمن و نطفو فوق رجفة المصير..”
قطع شرودها سائق السيّارة معلنا:

ها قد وصلنا.
نزلت ” فرح”. كان الصّمت يطوّقها و الخوف يربكها حدّ الدّمار. أغمضت عينيها فتسارعت دقّات قلبها
و انتفض… إنّها ستسمع صوته لأوّل مرّة مباشرة… ستراه و يراها… ثمّ ؟؟
هي جدّ قويّة و الآن تتبخّر قواها و تخور.. هو جدّ قويّا و صلبا و الآن يذوب عشقا..

ترى من سيتعرّف الآخر؟؟

دع مشاعرنا تجمعنا. سنعرف بعضنا دون وصف، فقط المشاعر ستقودنا.
رفعت رأسها لتراه واقفا يتأمّلها من بعيد. كان يقف في الضّفة الأخرى من الطّريق و كانت نبضات قلبها تصله ” أن تعال.” صرخ الوجدان بذات الوقت:
” الهي، إنّه هناك فارسي.”
” الهي إنّها هي عروسي.”
و بذات اللّحظة ركض الفؤاد ليتدفّأ من جليد الوحدة و الوحشة. بذات اللّحظة ركضت أقدامها باتّجاه واحد أوحد، ” عسانا نرتاح؟؟” طمرت العادات و التّقاليد، طمرت الأحزان الماضية، و قد علا صوت منبّه الشّاحنة القادمة من بعيد بسرعة هائلة. لكنّ نبض وجدانهما كان أعلى.. لم يسمعا سواه:

“فرح” أنت فرحتي الدّائمة.
-” سامي” أنت هدأتي بعد التّعب.
الأهمّ، لقد سافرا معا سفرة طويلة. طويلة جدّا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*