قراءة مخملية عابرة من وحي ترجمة أثداء التواشيح والخصب في مجموعة ” أسراري الصغيرة ” : بحتا عن الموئل .. للشاعرة الجزائرية : تيغ رينية بن صالح بقلم أحمد ختاوي من الجزائر.

لعل من نافلة القول إنْ درجتُ ،بكل تواضع، في هذه القراءة المتواضعة لهذه اللوحة المشهدية للشاعرة الجزائرية : تيغ رينية بن صالح

” أسراري الصغيرة “

Mes petits secrets

من منحى كونها بوحاً في شكل صرخة وأنين ، في تداعياته ،ومكوناته الخطابية ،يتضح جلياً أن المبدعة تيغ رينية بن صالح في هذا البوح تستخدم صيغة المخاطب في بناء معمارها الهندسي التأملي من منطلق قناعاتها بأن الخصب لا يتأتى إلا من سٌهاد الخصب ذاته وقد وظفت أحلام شخوصها رمزا للنماء والتوق في منحنياتها الدلالية وفق سياق الخصب وتَبعاتِ خصوبته ونمائه في ذات الطرح .

ضمن هذه البوتقة، وبأسلوب سلس، دائري خال من التعقيد ، بعيدا عن الزخرفة اللفظية والتزويق، تمتشق المبدعة سيفها لتشق أمصارها السوداوية السرمدية ،القزحية ممتطية أنينها الخطابي الذاتي في لوعة وملائكية ،كقولها في هذه التجليات الملائكية :

آنستٌ كما القبس كناشة وديعة قديمة ..

ترفل على أديم وريقاتها وَجلة ، طيّعة ..

تأكيدها على (هاهنا ) الزمكانية ،تنوير ودفعُ الصرخة المتأججة لتخرج من شرنقتها إيذانا بكسر حاجز الصمت وإعلان البوح علانية في مسحة شفافة وهي تلمس في عذوبة لفظا ينذر باعتراف علني صريح ،ملكيتها لبذور هذه الأحلام كمفصلية محورية في أكثر من قصيدة ،

تجدر الإشارة،ها هنا، وقد عهدنا في مبدعتنا في نصوصها باللغة الفرنسية تعاطيها مع الرمز السلس الشفاف كأحد مقومات دواخلها الذاتية والدياليكتية ،الديكارتية ،تماما مثل بدر شاكر السياب ورمزه جيكور * قريته ورمزه الملازم لأغلب إبداعاته منها المومس العمياء على سبيل المثال ولا الحصر في صوره البيانية الرائعة :يقول بدر شاكر السياب في رائعته : المومس العمياء:

قصي عليها كيف مات وقد تضرّج بالدماء

هو والسنابل والمساء

إلى أن يقفز في لوحة مشهدية أخرى :

أغنية تصف السنابل والازاهر والصبايا

وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح

تقول بالمقابل المبدعة تيغ رينية بن صالح :لتلتقي عبر رافد مشترك مع الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب ،ليتقاسما نمط السمو والإيحاء ودلائل الرمزية ، يتقاسمان ألما ومواجع تغترف من نفس معين المعاناة ، تطابقا وليس محاكاة

تقول المبدعة تيغ رينية بن صالح في هذا التطابق :

من وعاء سهادها تغترف المبدعة بوحها العلني لتفرغه في وعاء أنينها ،

تقول في قصيدتها ” رسالة إلى أبي باللغة الفرنسية – هذا مقتطف وممر من ترجمة القصيدة إلى العربية :

” رغم العوز لا تدمع حسرة ولا مسغبة

لا تقايض الجلد والصبر بمتربة .

وأنت يا عزيزي – لم تك هنا بجانبهم

                                                                                صومعة و فراشا .. 

لكنني كنتُ أحس رغم غيابك

أنك كنت َ لهم عرين أسد ْ ..

هكذا في متنهم ومتني رسمتك عزيزا ..

وإن لم يحالفني حظي أن

أراك منتصبا أمامي صفصافة وعمامة .

لأثبت لك حبي حد الثمالة

للأسف فقدتك فقدا مبينا يقينا “


يا ليتك لا ترحل … إلى أن تضمد كابتها في لوعة جامحة وتسترشد من جديد منحنيات تأجج صيرورة اللوحة الوصفية عندها لتبوح وهي تتأمل سراديب الكون في أسى ،وهي أسيرة عهدها ، مٌبلورة في وعي استدراكها لذنب ربما تكون اقترفته في حق من رحل عن أجوائها

تقول في بوح مغاير في محاولة لتقصي مواجع هذا النأي :

أراك في غور عيون

ذاك الأب الذي يرافق صغاره للدراسة

على متن خطواتهم المفعمة

بفرح الطفولة والاطمئنان

والسكينة

على وقع سمفونية وخشخة كسوة العيد الجديدة

على مدار حفلاتهم وعطلهم المجيدة

وفي طوال ليالي الشتاء القاسية ، الباردة ..

يلفهم القر والصمت طريدة وذريعة

تساؤل ملفوف في تنامي الحسرة والرجاء والتساؤل ومحاولة تلقي إجابة دامغة لتشفي غليل بوحها في قولها

عنقود وفاء أو ترحل ،

تطرح سؤالا مشروطا بالرحيل ، بل مرتبطا بالإجابة ، :كتأكيدها “:أو ترحل.

ها هنا السببية تأخذ أبعادها ومنحدراتها لتؤكد للمرة الإلف أنها تسوق تأملاتها نحو انفراج إن تمت الإجابة ، حيث في فلاش بيك وغير بعيد من هذه الصورة تؤكد قولها

القبس هنا عند المبدعة تيغ رينية بن صالح ثدي من أثداء الأحلام والعناقيد ،القبس سناء في سراديب ما تفتأ تخنق لوعتها ،ومداراتها ،

لتطعّم الرحيل بعد يأس يغمرها ، في محاولة متجددة للخروج من هذا الأرق الوجداني إلى أفق لعله يكون أريح وأرحب وتتحرك فيه بأريحية ولتمدَّ دلالاتها ومناحيها التأملية بيد عون منتظر ومنشود ، حفرت أثلامه في رحم تجلياتها ، فتقول ضمن سياق تلتمس فيه فرجا لكربتها

تقول في قصيدتها

ذكريات طفولة : مترجمة من الفرنسية إلى العربية :

” لو خلا الارتداد للوراء

وما طفق ذلك سلفا

إلا للولاء : ظفرا ..

لقلنا انه كان ذلك أمرا

يطفح القول فيه دهرا ..

لكن

ذلك كان سلفا :

جدائل وجدارية أزمنة “

ألا سربلته ثوبا للعطاء أو ثوب العطاء، نفس المعيار الدلالي :

ألا سربتله في هذه الصورة كناية للباس في مكوناته الوجدانية ، في هذه الدلالة ترحل المبدعة إلى أفق رحب آخر يحدوها الأمل أن يسربل عنقودها ملكوت العطاء ويورق في السنابل والعنقود ظمأ الآهات والزفرات لتدحض به فواجعها وتبّرر سعيها وأملها في أن تمن الأحلام عليها بعطاء وخصب وفيرين ، وذلك ما يضج جليا في قولها

أخاديد الوصال في هذه الترانيم الوجدانية أيضا تأخذ منحى آخر في مستلزمات الأمر والتذمر وثورة الحسرة واليأس استهلالا تأمليا انطلاقا من هذا الشطر في العنوان

هاهنا أيضا ثورة كامنة ،وطلقة بركانية مدرّجة بوابل من منطلق تدافعي ،يتنامى والطلقة البركانية ذاتها وقد استنزفت صبرها في إعلان مسبق ينذر بتغيير نمط الخطاب في مسحة ذاتية لكن انطلاقا من رؤيا استشرافية ،وجودية ،فلسفية سارترية ،نسبة إلى جون بول سارتر ،لتنذر ما سواها بأن كل ما دون وجوده ضرب من العبث في كينونتها وذاتيها وولعها ، وهي تلوّح بسيفها ولم يخرج بعد من غمده ،في تدني المسعى نحو السلب ،

من هذا المنحى أيضا يتوافد سعيها ليلتقي مع الشاعر الكبير أبي فراس الحمداني

في رائعته :أراك عصي الدمع

يقول أبو فراس الحمداني :

معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ ،

إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!

حفظت ُ وضيعت المودة بينا

ها هي أوجه التلاقي الرؤيوي والاغتراف التصاعدي بين اللوحتين ،أو بالأحرى بين اللوعتين ،

من هنا نتجلي أن المبدعة تيغ رينية بن صالح وإن كانت تكتب أكثر باللغة العربية ولها مجموعتين بهذه اللغة ” مرآتي وأنا ” و” قلب من رماد ” فيما صدر لها باللغة الفرنسية ديوان ” أسراري الصغيرة ” | وقد قرأت عديد نصوصها بهذه اللغة ،فإن تعاطيها مع الحرف العربي والبوح به إبداعا يٌنم على أن المبدعة ، تمتلك ، إلى جانب إخلاصها وانحذارها من جذور هذا الموروث ،من بدر شاكر السياب ، وأبي فراس الحمداني ومن الثقافة العربية ومورثها العام بشكل خاص/ تتوفر على بوحٍ بلغة الضاد جدير بالتقدير ،مما يبشر بمستقبل واعد عند مبدعتنا الوافدة إلى الكتابة بحرف القران ، أقول هذا فضلا عن اللغة الأجنبية التي تمتلك ناصية القول والبوح بها بأريحية أوسع وقد لمست ذلك كقارئ لعديد أعمالها ،

ولا يسعني في هذه الورقة المتواضعة المقتضبة إلا أن أتمنى لها لها موفور السؤدد وهي تشق طريقا رويدا رويدا صوب امتلاك ناصية الحرف العربي ، ، فمن أثداء الأحلام ترتوين إن شاء الله حنينا وليس هجرا كما ذيّلتِ بذلك عملك هذا المقتضب ، العميق ، وإن كان ذلك منطلقا ديكارتيا ، كان ذلك جليا ،.،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*