قراءة في: (شذرة ومضة كقبس نور في قبضة يد) لريتا الحكيم من سوريا بقلم الكاتبة سهيلة بن حسين حرم حماد من تونس.

لمحتُ صوتكَ يتنزَّهُ في قاربِ عمريَ المَنسِيِّ.. لكنَّني لم أسمعْهُ.

#ريتا_الحكيم

===============
القراءة : ومضة
من ثقب الذّاكرة استرجعت ذات مكلومة، شريط ذكرياتها، مفعّلة تقنية تراسل حواسّها، في إطار ربط الواقع بالتّخييل، وقدِّ حروف متناغمة متّسقة المعنى منسجمة مع الصّور، مع الحذر، من تشويه الفكرة الحاملة للرّؤية والغاية من الرّسالة، رافعة راية الألوان والتّضارب بين ماض وحاضر على خطى قرقعة أفعال متحرّكة، تسمع وترى وتتدافع لإضفاء الرّوح على الكلمات، معلنة ثورة هائجة مائجة، على أثر زوبعة وزلزال مخلخلة الحسّ والحواسّ كما المشاعر، تداخل فيها الواقع بالتّخييل، أفقد (الأنا) المتكدّرة معناها، مزعزعة بذلك المتلقّي، بجذبه بمغناطيسيّة جمال الغزل والنّسج وتطريز الحروف، في حضور لذّة جمال النصّ في بهجة إبراز بلاغة اللّغة، لنسج صورة تضاهي ريشة الرسّام وتتفوّق على لمسات المثّال في حراكها وفي بانورميّة الأبعاد، أنساه مرارة المعنى غيّبه عن واقعه، فاتّحدت الذّات بالذّات في الإحساس بمرار خوائها وفراغها العاطفي كتوحّد الصّوفي مع ذات (أنا) في المطلق استشعرت صوت غائب مخاطب (الآخر) على شكل ضمير متّصل (كاف)، تروي حكاية فقدٍ، قُدّت من حطام دُبر أطلال سنين أشرقت في ومضة تقص قصّة ك(قبس نور في قبضة يد) على رأي شيخ النقاد الأستاذ الجليل Ahmed Tantawy بعد إيهامنا بواقعيّة الحدث سرعان ما أدبر هاربا، تاركا وراءه غبار خيال كان حاضرا في غيابه، قُدّ من قُبل التّهيؤ، فغدا واقعا مدبرا بذاته لذاته. حكاية قد عاشها الكثيرون، كتبوا وعبّروا بطرق مختلفة أختزلتها ريتا بما قلّ ودلّ من الكلام في سحر بلاغة الإبداع في زحام سخام سنين عمر مضى وانقضى… ولمّا أرادت أن تمسك به وتقبض عليه، لتتحقّق من أنّ ما أطبقت عليه عيناها ولمحته كان بالفعل واقعا وحقيقة، فإذا بما لمحته يرتدّ سراب وهمِ تخييل ومنام، بعد أن انتبهت وتأكّدت من أنّ ما سمعته كان مجرّد بقايا ظلّ صدى دوي به تروي ما تبقّى من عمرها الذي بفقده باتت ذاتها مشروخة متشظّية متبعثرة، كنقاط التشظّي التي رسمتها في نصّها، لتتبدّى روحها روحا منسيّة كقارب فقد ربّانه في عباب بحر دامس فغدا على مرفإ النسيان تأكله أمواج ذبذبات الصّدى بطول المدى، ينتظر حتفه وانزياحه الكامل في صمت، وسط صخب الذّاكرة المهترئة المنعزلة عن الواقع محدثة بذلك الصّدمة والشّهقة شهقة البداية والنهاية شهقة الحياة والموت والصّمت الرّهيب المهيب وغوغاء الصّخب الثّائر الجامح الرّاكض… كلمات نسجت من شحّ العبارة والتّقابل والتّضاد واتّساع المعنى فأسّست مشهديّة متدفّقة الصّور متصافعة متلاطمة، كتلاطم الأمواج على شاطئ سفح أسفل جبل يسمع لها صوتا ثم تتبدّد بعد أن خلخلته ورسمت عليه خطوطا بالطّول والعرض، تُوصل في تَواصلٍ مُتواصل مع خطوط النّحت الماضية توسع هوّة تُكمل حفر مغارة النّسيان، مشكّلة كينونة الفعل وصيرورة الزّمان المحتوم ، ثمّ تتولّى راجعة محطّمة شظايا زبد رغاء البحر في صمت متناثرة منسحبة إلى الوراء، كمثّال يشاهد تمثاله الذي شكّله من الرّمال ينهار على أثر زوبعة أو على أثر اصطدامه بموجة قويّة الدّفع دكّته بالكامل فأبادته بضربة قاضية، من دون أن تبيد حبّات الرّمل المادّة الخام الأصلية، أو كإضاءة تحيط بنجم على الرّكح تختفي بمجرّد انتهاء العرض على ركح مسرح…
شذرة خاطرة مشذّبة مدروسة بعناية صانعة ألعاب ذات فراسة ودراية متمكّنة في اختيار أجناس تناسب وتتناسب مع موضوع أفكارها، أتت كومضة مدهشة في حضور تضارب الصّورة الشّاعريّة القادحة كشرار متطاير أحدث صعقة، تلهب المشاعر، وتحرّك السّاكن، أصابت أهدافا ممتدّة لذوات مهزومة متأزّمة، عابرة أزمنتَها وأزمنةَ غيرها مستشرفة أزمنة قادمة لارتباطها بحتمية جدلية الوصال والفراق والحياة والموت، جاءت على غاية من أناقة التّعبير حروف من الأحجار الكريمة النّادرة شديدة الإضاءة في العتمة من يتابع كتابات الأستاذة ريتا الحكيم Rita Alhakim يلاحظ أنّها مبدعة تفاجئك في كلّ مرّة برقصة لحروفها على نغمة تحوّلت لعلامة مميّزة منيرة في سماء الأدب المعاصر العربي متلألئة كقلادة في جِيد حسناء تفاخر وتماهي النّجوم بضيائها، في الشّعر بأنماطه القديمة أو المستحدثة وفي السّرد بأنواعه عمقا وبعدا وفلسفة بناء وتأثيثا وتقمّصا مدّا وجزرا في كلّ تفصيلة وتوصيلة، أصيلة متأصّلة في إبداع عربي جيّد مجيد حديث مواكب للتطوّر…
سهيلة بن حسين حرم حماد
سوسة تونس في 4/10/2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*