اللّحظة الأبديّة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

          من منّا لم يُؤْرِقه الزّمن ولم يُزعج فكره ولم يبثّ في ذهنه حيرة المفاجِئ بسُرعة مروره وعدم التفطّن إلى تبخّر عشرات السّنين من حياته دون أن يَنْتَبِه لبرقيّة اندثارها، ومن منّا لم يَنْدَهش من تَعَاقُب القرون وتَتَالي تاريخ البشريّة بحيث، لم نتمكّن، نظرا لكثافة أحداثه التي وقعت في الزّمن، إلى حدّ الآن من استيعاب جميع مراحله والوقوف عند كلّ محطّاته، لذلك لم يَفُتْ المفكّرين من أدباء وفلاسفة أن  يجتهدوا في معايشة لُغز الزّمن لا كظاهرة فيزيائيّة أو ميكانيكيّة فحسب، بل أرادوا طرحه أيضا كإشكال مثير للجدل في علاقته بالإنسان والوجود والعدم، ولا يخفى أن البحث في ماهية الزّمن قد أرهق الفلاسفة والمفكرّين نظرا لعدم إمكانيّة ملامسته وارتباطه دوما بالمعضلات التي قد تتحدّى العقول وتتجاوز مستوى فهم الإنسان ولقد عبّر “برغسون” الفيلسوف الفرنسي عن هذه الصّعوبة في إيجاد مفهوم واضح للزّمن فقال: “إن الزّمن هو المعضلة الأساسيّة في الميتافيزيقا وعندما تستطيع الإنسانيّة أن تقدّم إجابة واضحة عن سؤال الزّمن فإنهّا تستطيع تجاوز كل الإشكاليّات والمعضلات الوجوديّة التي تواجه حياة الإنسان والبشريّة جمعاء”. هذا في المجال الميتافيزيقي وكذلك الأمر في علم الفيزياء فليس من السّهولة بمكان تحديد مفهوم الزّمن علميّا وإن كنّا قد تمكنّا من ربطه بالحركة وبالمكان وتمكنّا أيضا من قياسه بمقاسات رياضيّة، ولنا في ذلك العالم الأمريكي Richard Phillips Feynman” ريتشار فينمان” المتحصّل على جائزة نوبل والمختصّ في “علم الفيزياء الكوانتيّة” الذي أقرّ صراحة بصعوبة تحديد ماهية الزّمن بقوله:” نتعامل نحن علماء الفيزياء مع الزّمن يوميّا ولكن لا تسألني عن ماهيته، إنّه أصعب ممّا نستطيع إدراكه”. وقد اعترضت هذه الصّعوبة العلماء المسلمين أيضا فنجد مثلا فخر الدّين الرّازي في “المباحث المشرقيّة” يُقرّ بعجزه عن التّوصّل إلى حقيقة ماهية الزّمن فيقول:” اعلم أنّي إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحقّ في الزّمن ” وهذا أبو حيّان التوحيدي في كتابه “الهوامل والشّوامل” يقول وهو يتحدّث عن الزّمن: “إنّه فنّ ينشف الرّيق ويضرع الخدّ ويجيش النّفس، ويقيء المبطان، ويفضح المدّعي، ويبعث على الاعتراف بالتّقصير والعجز.”

وحين نُعفي العلوم عن الخوض في هذه المسألة الماهويّة، نُلحقها مباشرة بالمباحث الفلسفيّة إذ وحدها تُوكَل لها مهمّة البحث في الماهيّات، وفعلا لقد تساءل جلّ الفلاسفة منذ القدم عن ماهية الزّمن وعن أبعاده الاشكاليّة واختلفوا فيما إذا كان مفهومه مجرّدا أم واقعيّا وإذا ما كان دائريّا منغلقا أم خطيّا مستقيما؟ وهل هو نسبيّ أم مطلق؟ وهل هو جوهر مستقلّ بذاته أم مرتبط بغيره؟ وفيما تبدو علاقته بالمكان والوجود؟ إلخ من الأسئلة التي، وإن استهلكت معالجتها كثيرا من الحبر، فإنها لم تحصل على حلول شافية لهذه المعضلة عبر تاريخ الفكر والعلوم. إنها مازالت إلى اليوم تثير لدى الأذهان كثيرا من الحيرة والدّهشة والارباك، بل يمكن القول إن الزّمن مازال يَسْحر العقول ويَسْخر منها في آن واحد.
ونظرا لأهميّة الزّمان في واقع الإنسان وفي مساحة أعماله وأفعاله تمكّن من ضبطه موضوعيّا بأن حدّد تعاقب السّنين بتتالي الفصول الطّبيعيّة وبالنّظر إلى حركة الأرض حول الشّمس ثمّ تمكّن من تحديد السّنة بعدد من الأشهر واستعمل الأشهر القمريّة والأشهر الشّمسيّة وحدّد الشّهر بعدد الأسابيع والأسبوع بعدد الأيام ثمّ حدّد اليوم بعدد السّاعات والسّاعة بعدد الدّقائق والدّقيقة بعدد الثّواني وبلغ بذلك دقّة فائقة في ضبط عمره وحركاته وأعماله وإنجازاته ومواعيده بفضل اختراع السّاعة الميكانيكيّة ثم الالكترونيّة، فاحتلّ الوقت أهميّة قصوى في المجتمعات الصّناعيّة إذ حُدّدت قيمة العمل بعدد السّاعات المستغرقة في إنتاجه. فأصبح الزّمن قيمة اقتصاديّة وانتاجيّة بامتياز.
لكنّ ما يهمّنا في هذا المجال ليس الزّمن كموضوع اهتمام العلماء والاقتصاديّين، ولا كمقياس به يعدّل النّاس نشاطهم واهتماماتهم ويضبطون به أحداثهم، فهذا يبقى من مشمولات من ينظر إلى الزّمن من خارج ويستعمله كأداة آليّة يتعرّف من خلالها على التّوقيت المناسب لكلّ أعماله وجميع أفعاله وكذلك إدراك الأحداث المتنوّعة عبر مسار زمنيّ يتلازم دائما مع المكان بحيث تصبح حركاته ضابطة لتوقيت مقسّم ومجزِّئ طالما أن الزّمان الموضوعيّ لا يمكن أن يُفهم إلاّ داخل إطار مكانيّ محدّد. إن ما يجلب انتباهنا هو العالم الدّاخلي للإنسان أو إن أردنا المجال النّفسيّ والوجدانيّ الذي وإن كانت له علاقة أكيدة بالأحداث الخارجيّة فإنه لا يُبقي منها إلاّ ما استجابت له الحالة الانفعاليّة للذّات الإنسانيّة في تلك اللّحظة بعينها، فهناك إذن زمن داخليّ نفسيّ يتمتّع بظهور حدْسيّ دائم يُثري شعورنا ويُنمّي إحساسنا ويرسم محطّات شبه ثابتة وومضات مطلقة تملأ عالمنا الدّاخليّ وترسم مسار حياتنا فيتحدّى الإنسان بها نسبيّة الزّمن الواقعي ويتعالى عن سيرورته ويتجاوز اندثاره وارتمائه في عالم النّسيان، إن هذه اللّحظة الأبديّة التي تنبجس من أغوار الذّاكرة مُعلنة عن بقائها ودوامها كمُكَوِّن أساسيّ من مكوّنات الإنسان هي التي تتغلّب على الزّمن الخطّي والدّائريّ معا لأنهّا ليست لحظة هندسيّة بل هي لحظة وجدانيّة بامتياز تندمج في الذّات وتتفاعل مع الفكر وتخرج عن المكان وتتحرّر من الامتداد فتعانق السّرمديّة وتُجسّد الخلود فمن منّا لم تمرّ بحياته لحظةٌ صَدَمَتْ كيانه في فقدان عزيز أو لحظة لقاء حبيب لأوّل مرة أو لحظة سماع إعلان نتيجة نجاح في امتحان هام… وغيرها كثير من اللّحظات التي مرّت بنا في حياتنا منذ زمن الطّفولة فأثّرت فينا أيّما تأثير وانطبعت في وجداننا وبقيت هناك في أعماق شعورنا تَبْرُز كلّما سنحت الفرصة وكأنّها تَحْدُثُ في الهنا والآن دون أن تتقيّد بهما، إن هذه الحالة اللاّ زمنيّة بمعنى اللاّمحدودة في المكان والمطلقة والسّرمديّة، هي التي يمكن تسميتها باللّحظة الأبديّة طالما أنهّا لم تندثر مع اندثار الزّمن بل قد يحدث لها أن تُنسى لكنّها لن تَفْنَى إذ يكفيها وَمْضَة تَذَكُّرٍ حتى تبرُز للوجدان من جديد وتُجَسِّد ديمومتها ضمن علاقة الذّات بالذّات وداخل مناخ حوار الفكر مع ذاته وفي عُمق تأمّلاته. لذلك يمكن أن تكتسي هذه “اللّحظة العجيبة” صفة العبور إلى الخلود حين نتحدّث عن إشراقة الإبداع الفنيّ والفكري والأدبي التي تظهر في لمح البصر دون سابق تخطيط أو تنبيه…، تَبْرُزُ هكذا في ذهن الفنّان أو المفكّر أو الأديب فتكون الشّرارة الأولى التي تُوقِظُ الفكر لإنتاج ما يُنتِج من أعمال ابداعيّة بها يُحقّق ضربا من الخلود، فتكون هذه اللّحظة لَمْحِيَّة البُروز وأبديّة الخُلود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*