أغفر لكِ الذنوب كلّها | سمير العوادي | المغرب.

لم تكن تلك أول مرة أراه . كان يأتي من حين لآخر بانتظام .
أحياناً يأخُذ كتاباً ما، يتفحصه بطريقة غريبة قليلا ثم يدفع ثمنه دون أن يساوم، و يغادر في هدوء كما دخل .
في ذلك اليوم دخل كما كان يفعل دوماً، هادئاً، يمشي على مهلٍ دون أن يتحدث أو ان يلفت إنتباه . يرتدي معطفاً قديماً، لكنه نظيف و تنبعثُ منه رائحة جميلة. ينتعل حذاءً بنّياً من الجلد الصلب . و يتكِئ على عكازٍ عتيق، منقوشة عليه بعض الرموز، كتلك التي تزيّن بوابة بابل . أنا لا أعرف بابل هذه إلا من خلال الأغلفة . أقصد أني أعرفها على نحو سطحي فقط . ‘بابل’ مُفرد يُكتب عادة مصحوباً بصورة أو صورتين لأدوات و بنايات و رموز قديمة . كان شخصاً مجهولاً بدون يد . أعني بيدٍ واحدة . و كان يعاني من تشوّهٍ في إحدى قدميه و خدوش طفيفة على وجهه . أتساءل احياناً عن نوع اللذة التي يجدها في تلك الأوراق . لابدّ انه قطع في الزمان و المكان مسافة لا تُقاس . فلِما تراه يحتاج القراءة مرة أخرى ؟ فلو اني مكانه لذهبتُ إلى الشاطئ او الغابة، او اني بقيتُ في بيتي مستلقيّاً بجسدي على كرسيٍّ مريح، و اشاهد الأفلام او المباريات الحصرية أو أيٍّ كان و أقضم التفاح و اتلذذ حتى ينطفئ عود الند .
أراه يميل إلى تلك الكتب التي لا تتثير انتباه أحد . لم يسبق ان رأيته يتصفّح ما نعرضه على الواجهة، حتى تلك العناوين التي فازت بجوائز عالمية كما يقولون . تلك التي يتهاتف عليها القرّاء عادةً، لا يعيرها انتباه . أذكر أني بعته بعض العناوين بثمن أعلى من قيمتها، و حدث ذلك أكثر من مرة، و مع ذلك لا يُساوم . لقد جعلني اخجل أمام نفسي بحق . فهو ليس من ذلك النوع الثرثار أو المتحذلق الذي يفهم في الطبعات، و جودة الأوراق، و دور النشر، و الترجمات و هل الكتاب محقق أم لا ! قليلون هم القرّاء الذين يعرفون ما يريدون، و يحفظون الرفوف دون مزايدات . و هذا العجوز المُعاق و القبيح الخِلقة من هذا الصنف العارف بالكتب . إنه غامض و محيّر حقّاً .

آااه، نسيتُ ان أقول لكم من أنا، بالرغم من كوني سأبقى غير معروف حتى عندما أخبركم . فأنا لا احد أصلا هه.

من جبل الهوماز، اتيت المدينة هارباً قبل ستّ سنوات . إسمي هوميروس! . لا، امزح فقط . هذا إسم شاعر عرفته كما عرفت بابل (من العناوين) هه . هلّ يهمّكم.معرفة اسمي؟ عادة ما ينادونني في العمل بالأخ أو الصديق . أنا أخو الجميع و صديق الزبائن كلهم . و مع ذلك فأنا لا احد في الواقع . أبي مات قبل أن اولد بأيام قليلة . و هذا ما جعلهم يختارون لي خليفة . (جدّي يكرهني ويراني مصدر الحظ العثر و يحمّلني في لحظات غضبه مسؤولية موت أبي . أنا صغير البوم و الساحر و المشعوذ في القصص الأسطورية التي ورِثها )، يبدو انهم سيموتون قريباً أيضاً ههه . أما أمي فقد تركتها تحت وصايته، أزورها في الأعياد و اقبّل رأسها طويلاً . لم تلد بعدي احداً . يا له من حبّ تكنّه لأبي! لابدّ انه كان رجلاً غير كلّ الرجال . و يا لسعادة أولئك الأشقاء الذين لم يولدوا .
أتيت باحثاً عن عمل. و مع الوقت أصبح بإمكاني ان اعمل أي شيء . عدا الأمور التي تتطلّبُ جهداً عقليّاً بطبيعة الحال، فهي تؤرقني، و تضعني محلّ سخرية، و لا أفلح فيها . أملكُ في جعبتي بعض التجارب التي أفادتني كثيراً في التعامل مع الآخرين . أنا لم ألِج المدارس الحكومية يوماً، و لا أعرف من الحروف إلا ما تعلّمته أيامَ تِمزكٌْيدا .
كنتُ أبيع الجرائد، قبل أن أعمل في كشك العشّابي هذا . أنا مرتاح، و اتدبّر أمري .

أمس كان العجوز هُنا . هادئاً، تتبّعته منذ دخوله . رأيتُه قد بحثَ طويلاً بين الرفوف . كان التوقيت عصراً . كنتُ أقف و أنا كلي إستعداد لألبي طلب أحدهم، لم يكن أحد سواه، لكنّ عليّ ان أبقى متأهّباً . سألني بإيجاز

أين تضعون مؤلفات دانتي ؟
اجبتُ بنبرة وقارٍ و تبجيل شديدَين بما يفيد أني سأسل العشّابي و اعود حالاً . فلمّا ذهبت إلي ركن الدفع حيث يجلس العشابي بجسده المكتنِز قال أنه سيتكلّف بخدمة السيد العجوز، و أمرني أن أذهب و أُحضر الشاي . غادرتُ و تركتهما معاً و ذهبتُ و تعمّدت أن أسلك طريق الساحة كما كنت افعل دوماً . لأرى أسراب الحمام التي تستوطن هناك . تذكّرتُ حبلاً و انا اسير . حبلٌ من النوع الخشن يتأبطه العجوز . فأتمت الطريق أشق صفوف الحمَام أدندن .

” مرحباً مرّة أخرى . أنا كما تركتِني للذاريات تذرّني؛ حادّ الطباع .
على حافة الزمن أراقب الأيام و الليالي تعدو . أُمنّي النفس قدر الإمكان . أستيقظ جباناً . أُراقب يدي تغسل نفسها و تلوح تحت الصنبور كالبلهاء . أنظر إلى وجهي في المرآه، أرى شخصاً آخر غيري، لا أذكر حتى كيف صار هذا الوجه لي! . كمهرّجٍ متقاعد أسير مشوّه الخد نحو المقهى متّكِئاً على عكّازي . في الركن الغائر هناك أسمح للذي يسكنني أن يتحدث عوضاً عنّي . يردّ التحية و يشكر النادل و يبدأ بسرد حكاياته القديمة و المبتذلة عن الحب و عن الحرب و عن أشياء اخرى .
بيدٍ واحدة أقلِب من صفحةٍ إلى أخرى . أتتبع تلك الكائنات تفضح بعضها بعضاً، و أخبر الذي يسكنني عن جُبني و عن عدم قدرتي على الإنصراف . أعيد قراءة تلك الجمل القبيحة مرة . مرّتين . ليسمعني و يبدي رأيه فيها . غالباً ما يعلّق ساخراً : هممم يا لها من فكرة أيها العجوز! يا له من كائن هذا الذي نصادفه في اوراقك بوجه مختلف كلّ يوم .
أعجز أن أصف لك هذا الذي يسكنني . لقد إستقرّ في أحشائي منذ تلك الليلة . أسألكِ صادقاً، باكيّا، جاثيّاً و متألماً، لماذا لم تتحمّلي ؟ لماذا اخترتي حبلاً خشناً وليس رطباً يحنّ على رقبتك الصافية تلك؟
أما كانت قُبلاتي حلّا ؟ لما صدّقتي أن الحرب اخذتني و أني دُفنتُ في الرمال . لما سمحت للآخرين ان يصدّقوا استحالة عودتي ؟ لماذا رحلتي إلى مكانٍ أنا لستُ فيه بعد ؟ ألم أخبرك ذات مرّة أن ابن عمّك ذاك له من الصفات طباع الذئب ؟ لما فتحتِ الباب تلك الليلة ؟ انا لازلتُ هنا بين الوحوش . سآتي لكن لما استعجلتِ الأمر ؟

اعتذر أني لم ازر قبركِ البارحة . كان الجو مقيتا و لم أغادر . الخارج يعجّ بالجتث و بالوحوش . لازلتُ أبحث عنك بين الوجوه لأجد الأجوبة . أتسامحيني كما سامحتك ؟
لازلتُ كل يومٍ اكتب لكِ، و أرمِ بالورق لألسنة اللهب . هل تستلمين خطاباتي ؟ أنا أعرف انك في مكان ما قريباً من النار . لابدّ انك في وطنٍ جديد جدرانه من لهبٍ و شموع . من يحرّر روحه بنفسه يكون بيته من نار، او هكذا تعلّمت . يا لها من سخافة . انا أغفر لك الذنوب كلّها، لكن هل يغفر لك هذا الذي يسكنني ؟ عيناكِ الخجولتنا دوماً، وجهك و شفتاك . قامتك الممشوقة . أنا أحضّر لك مفاجئة . ستكتشفينها الليلة . إلى اللقاء ” .

أنا اغفر لكِ الذنوب كلّها | سمير العوادي | المغرب

One Reply to “أغفر لكِ الذنوب كلّها | سمير العوادي | المغرب.”

  1. إنتظرت حتى الفجر ولم أكتشف شيئا غير الذنوب التي غفرت لي ، كنت على استعداد لتلقي ما تبقي من أسرارك بما فيها من مآسي لكن أنا اليوم لست ما أريد أو ما تريد ، أنا ليس شخصا آخر غير الذي تركته حتى قرأت ما كتبت توهمت أن لي نصيب من غفرانك حتى إستحضرت أن لك من الصفات ما لا صلة بي ، أعلم أن ليس لك من الثراء ما يكفيك لذا لم تكن غير راوٍ جعلت من عنصر ” الاحتيال ” ختام النص أقصد ‘ المفاجأة ‘ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*