من وحي ترجمة من العربية للفرنسية سطوة الإدهاش في مجموعة “في الجيد لهب ” القصصية .. واستيدام الدلالة وكثافة المتن في الممكن للأديبة الجزائرية : نسيمة بن عبد الله . بقلم أحمد حتاوي / الجزائر .

إشارة مهمة في البدء :

استيدام الدلالة ليس سهلا ولا مرقا ابيض خال من البهارات والتوابل وبفقه المصطلح من الإلمام بتقنيات الارتدادية في القص الومضي .

من هذه المفصلية في البداية أٌقرٌّ بأنني ما كنت ناقدا ولا لست كذلك ، ولا دارسا للقصة القصيرة جدا عندما أقدمت بكل تواضع على ترجمة مجموعة في الجيد لهب للكاتبة القديرة الجزائرية نسيمة بن عبد الله وعن قناعة مني لما لمسته في هذه المجموعة من تباريج الحكي والقص وفق مقتضيات منحيات استيدام دلالة الممكن في مربع القصة الومضة دون الخروج عن الرواق … هذه ” الأُضمومة ” أو الومضة كما ” يشتهي ” أن ينعتها البعض من الدارسين لها، أو لغيرها من الأجناس الأخرى، وتحديدا هذا الجنس الحديث النشأة، دعوني أسميه هذا الدخيل، شأنه شأن الهايكو، حيث – في تصوري – المتواضع يتقاطعان في جملة من ” التجليات ” والروافد . ويشكلان منحنى أحياناً يكون متوازياً وأحياناً ” تقاطعياً ” .

الإدهاش الذي يجيء ” حمولة ” من قاص لأخر .. في ذات الجنس يخونه غالبا ذاك الترابط أو التقاطع الهش .. فيفرز لدى- المتلقي الواعي – عدة استنتاجات .

هناك من ” يستأصل ” الإدهاش كمقوّم أساسي ومركزي، ومنهم من يترك ” نزيفه ” يستبرق المخيال والمتخيل فيه، على طاولة التشريح . وهناك من ” يشحذ ” كل هممه للاقتراب من ” طاولة التشريح / وأغلبية المتعاطين معه ” أضفوا عليه، بل أثثوه برداء ” الإستطيقيا ” كغطاء دلالي ل ” لعبة ” السرد فيه .. من منطلق كونه ” بناء معماريا ” الإدهاش إن لم يطوّق دائرة وذائقة المتلقى، في – تصوري – دوما، ولا ينعشها انتشاء ومعرفياً في ذات الوقت، فإنه سيظل تأثيثا لإستطيقيا دلالة قد تخلو هي الأخرى من معاييرها الدسمة ومن ” استيدام الدلالة ” وكثافة ” الممكن ” فيها، وقد تعكس تجاويفها جٌملا ” معلّبة في حكي لا يعانق ولا يؤازر المحكي / المتخيل في رؤاه وأطروحاته، وحتى في تجلياته السردية المبنية على الاقتصاد في اللغة وإيصال ” الصلة التواصلية ” بين ما هو محكي وما هو ” مٌشكل ” ترادفاً للأفعال والجمل دون حركية صاخبة، متأججة بين ثنايا القطعة المحكية .

في هذا الحال يظل ” الحكي ” شاردا بين بناء وبناء ، بناء مفعم بالتجاويف والمآلات، وبناء يتكئ على جملة من ” التهاويل ” اللفظية في شقيه : التخويفي والمبهجي ..

الشق الأول ” تهوال ” استعراضي غالباً ما يفقد دلالته، فيقع في منزلق، اللاتفاصيل، وهي أصلا مجرد مترادفات لجمل ومعان لا تستند إلى سند المحكي والمحكي عليه وفيه .. لكن ثمة بالمقابل أبنية معمارية، بقدر ما تستعرض مكوناتها اللفظية التتابعية، بقدر ما تدخل ” مربع الدلالة، وهذه الأخيرة، تنجو بفعل عامل ” المراس ” لدى البعض دون البعض الآخر وهذا ما لمسته تتابعا وارتدادا – بوعي اداركي ترابطي لدى الكاتبة المتمرسة نسيمة ببن عبد الله ليس فحسب في مجموعتها هذه ” في الجيد لهب ” التي ترجمتها إلى الفرنسية بل عبر سائر مجموعاتها السابقة ” حب في الكف ” أحيا ” وديوانها الشعري ” قطرة حب ” وغيرها من أعمالها المدركة لسياقات المد والجزر في التعاطي مع تقنيات السرد بوعي كامل وبإدراك حسي ، نابع من مراس للعملية المسردية لدى الكاتبة ، والقاصة : نسيمة بن عبد الله . .

الإدهاش الهُلامي تحمقه وتروضه بعنف ولطف في ذات الأوان إنطلاقا من وعيها الادراكي أن ثمة عوامل تقنية لا يجب الخروج عن سياقاتها وأنساقها ،حسب كل حالة شعورية حسية تقتضيها القطعة الحياتية المعالجة . وهذا لا يتأنى عند أي كان ، العارف لحيثيات ودواعي الممكن .

كل متمرس يتوفر على هذه الآليات السردية بكل مقوماتها يدخل – ضمنيا – ضمن أروقة المتمرسين في فن الحكي في منظومته المثاقفة اللغوية ، بعيدا عن ضجيج المرادفات والتهويل الاستطيقي .

الأديبة نسيمة بن عبد من ضمن هذه الفئة الواعية بضرورة توطين المبنى والهندسة المعمارية للنص واستدام الدلالة شرطا أساسيا لمباني وهيكل القصة الاضمومة بعيدا عن شوائب الهايكو الدخيلة .

، على صعيد آخر دورات التأطير والتقطير في المأمول وفي منعرجاته، يصل عند البعض إلى دون ” مدى ” الإدراك ” خاصة لدى حديثي التعاطي مع هذا الجنس الحديث والدخيل، فيقعون في الخلط بين فنيات وتقنيات وموازنات الهايكو كفلسفة وكرؤيا ومرايا للطبيعة كسند وتجنيس أو بعبارة أخرى كمقوّم أساسي وانفعالي، لمرثيات ” اللحظة الحاسمة ” بينما القصة القصيرة جدا، تعتلى آفاقا أخرى ومعارج للتوق تصعد مدرجات سلمه، بمعزل عن الهايكو ” الربيب ” الرفيق ” عند البعض بدون وعي .

الإستيطان بالمملكتين يستدعي إلماما بحفريات كل جنس على حدة، دون المساس بمقومات ومحيطات ومحميات الآخر، لكن بنفس الحدة والطرح والرؤيا والانفعال والبناء المعماري …

على كل طرف ألا يكون عالة على الطرف الآخر – هايكو- ق.ق.ج وإلا جنح المأمول كما السفينة جنوحا في المتخيل المعماري . فتطاله ” الهشاشة ” .

التشيؤ ليس معناه انبعاث المخيال من المتخيل بدعوى البدائل بقدر ما هو، أي التشيؤ صنف مبادلات إدراكية بين النمطين .. مبنى وسلوكاً وانفعالا لحظة الإبداع . أو على وجه التدقيق لحظة المخاض وهذا ما لمسته غائبا – أي أشتات الاستطيقيا كغطاء هندسي يفتقد إلى الأسمنت السردي -وأنا أبحر بين ثنايا ” في الجيد لهب ” مبنى سرديا متماسكا بكل مقومات “الفقهية ” في عالم التسريد ، هذا ما لمسته عبر 64 قصة قصيرة أقدمتُ على ترجمتها وأنا – بكل تواضع أقرأ – مترجما لهذا العمل الكبير مدلولات وأنماط وسلوكات التسريد في أغنى مقوماته البنائية لدى الكاتبة القديرة : ننسيمة بن عبد الله. .

هذه ” الإنطباع ، هي كما أشرتٌ في صدر هذه الوريقة المتواضعة، مجرد استنتاجات لنتاجات أعتلى أصحابها صهوة منصة النص، هي أيضاً شذرات لمد وجزر بين قاص وآخر على حلبة سلطة النص، وهذا ما لمسته كعابر لحقول التعاطي مع هذا الجنس، الذي تتفاوت فيه الأبنية الفنية من سارد لأخر، حيث يشتغل البعض على المعمار والمعيار والحمولة اللغوية كأداة بديلة للقص والحكي في شكله الباهت، وبعضهم خانته ..”الأصداف ” الملساء في عرض بحر السرد، فراح يحرك قاربه ومجاديفه فتفرقت به السّبل، وهناك من تحكم في مجدافه و ” وروّض ” سرعة الرياح وتمردها لصالحه وهو يحرك دوالب الجوار بين جملة ولأخرى وحالة حسية ونظيرتها حتى لا يقع في الإطناب ولو كان مقتضبا ..

وهناك من انساق وراء ” التزويق اللفظي التتابعي، فسحقته هوة المتتاليات الباهتة و إن كانت هي الأخرى مقتضبة ..

غير أن ما لمسته لدى الكاتبة القديرة نسيمة بن عبد الله مغاير تماما .

الأديبة نسيمة بن عبد الله تحتل موقعا لافتا وفاعلا في المشهد السردي العربي باعتراف وشهادة كبار النقاد والدارسين ، وهذا – للأمانة العلمية مني – ليس إطراء لها ولا مجاملة وإنما واقع حي لمسته كما لامسه وعاينه من هم أقدر مني في نتاجاتها في القصة الطويلة ذات النفس الطويل أوفي قصصها القصيرة والققج والاضمومة . بصوتها السري المتفرد ، الوازن استطاعت أن تسيطر على الإدهاش وطوقته أيما تطويق، كما طوقتنا كمتلقين، حيث تمكنت من ناصية القول : معماراً وبصيرة وإحالة المدلول إلى أروقته دون المساس بالتهافت على الاقتصاد اللغوي بدعوى معاشرة هذا الجنس . على حساب المأمول فيه كنمط سلوكي إبداعي عميق الدلالة .. ولم تحله على ” التعليب والتجويف “، ليفتت فُتاتا أو يضمحل باهتا لاهثا لا في المعنى ولا في الدلالة، لا يطفو لديها المدلول والموئل على سطح المعنى وعلى سطح المسالك والسبائك في تعاطيها مع منحنيات تضاريسها البنائية : سردا ورؤى ..

وما أفضيت به في هذه الوريقة المتواضعة مجرد مساءلة لسؤال التساؤل، من منطلق إيماني بأن الحجة يجب أن تقرع بالحجة وتتفرع عنها … لترهقنا ومن معنا من السامعين وتابعي التابعين من المتلقين والعاملين عليها : نُخبا وشرائح متعددة،.

. لمسات القاصة، الكاتبة الأستاذة نسيمة بن عبد الله تكمن في كونها زادا شفافا بعيدا عن الغموض وإخضاع الدلالة للتجريد السلبي ، تفتح القاصة شهية قارئها بانسيابية المعنى في ترايط عضوي أخاذ ، يقودك لتجريد إيجابي ، قرأت كل المجموعة بشغفي وبكل جوارحي : مترجما للعمل من العربية إلى الفرنسية ومبحرا – كقارئ – في عوالمها السردية : اطمئنانا أيضا .

يقد يكون التأويل نصا صرفا لذات المعتقد الاستهلالي بحكم أن الأديبة نسيمة بن عبد الله ما كان لتكون طريدة . كانت هي بالعكس معولا للتغيير في نمط السرد

أنجبت فعلا حريرا من زنابقها الوردية الحمراء التي تفتقت قولا وبيانا ودموعا وصدقا في المشاعر والأحاسيس لتصفد على صفيح ملائكي ، إنساني : الإصابة في عمق المنجز ” ” في الجيد لهب ” “

تكون قد أصابت الطريدة إن كانت كذلك والمنجز في ذات الأوان في احتفالية السرد لا في بهرجتها الغوغائية ,

احتفالية السرد عند الأديبة نسيمة بن عبد الله هي التي تصنع فرجة المدلول والمأمول من خلال اقتناصها لذات الدلالة سواء في ” في الجيد لهب “أو غيرها

إذن – قطعا – لم تكن الاديبة نسيمة بن عبد الله الطريدة ، بل كانت من يحمل للطريدة قوت وقوة البقاء في محاولة إنجاز جسر بينها وبين ما يعتلج بطلتها

ليس فقط في ” الجيد لهب ” بل في سائر منجزاتها السردية في مجموعتها

أحيا

أو حب في الكف ” أو وغيرها أو بين ثنايا : إصدارها الشعري الأخير : قطرة حب”

وقد أخرجت الدلالة بوعي قاصة تحكمت أيما تحكم في لولبة قوالبها الفنية المعمارية

وقد ارتج ويرتج فيها ومنها صوت الشرنقة لتعطي حريرا في البيان والقول والدلالة

من فوهات إرهاصاتها السردية على سبيل المثال ولا الحصر زفراتها هذه .

تقول من نصها الأصلي المترجم إلى الفرنسية :

من مجموعتها ” في الجيد لهب ” :

اللقلق


نسيمة بن عبد الله


راقصته حتى الانتشاء فرحا به..

وضعت قلبها في راحته..

نظرت في عينيه لتمسك بالفرح فيه..

لم يكن سوى طائر اللقلق يراقصها.

هنا تكتب بحبر المآقي وتلقي بحبر المآقي وتزفر بحبر الأماني وتتنفس

بحبر المآقي من خلال رئة هشة وتوهج هش أيضا لصيرورة ، ،وكذا الومضة الأخيرة في هولامية كونية إبداعية مذهلة ، ارتدادية بكل المقاييس والمعايير البنائية الارتدادية

من خلال وظيفة الدلالة ، حيث تستفحل الدلالة لتدحض مجاري مياه وسيول ما قبل الاكتشاف

والاستكشاف والإستقراء

الحديث في هذا الشأن يطول ويجرنا إلى منعطفات أخرى ، لكن ونحن نستشف من الأديبة – حضورا سرديا -أن القاصة نسيمة بن عبد الله لا تستبد ولا تقهر أو تقمع شخوصها ولم يحدث ذلك لا في ” الجيد لهب ” ولا في أعمال أخرى ،

قولها من ذات المجموعة كعينة

تقول :

العقرب


نسيمة بن عبد الله



تسللت الحفيدة إلى ثنايا قلبها..

نفثت السمَّ بين جوانحها

أوغرت صدرها على كل من حولها..

أنستها فلذات كبدها..

استكانت لها كأنها أمها قد عادت لتحتويها..

غابت عن دنيا الناس إلا الدنيا التي أوهمت بها..

عندما أفاقت وجدت ثروتها قد صارت في حجر كنتها.

والحفيدة واقفة على رؤوس أصابعها تقهقه والسم يتطاير

من بين شفتيها .

كان الحبر مآقي ثكلى فيما لمسانه

هو ذا الملموس في تجلياتنا من خلال هذه ” الزفرات “.

تمكنت فيها سردا من لمّ وجمع كل أصناف الرأفة في نسج محكم آخر ، تراجيدي

يحمل الوحدة العضوية والمبنى الهندسي المعماري فيها على محمل

الجد على الصعيدين : الإخلاص في التعاطي مع شخوصها والتعاطي بصدق

أيضا من منحنيات المسعى كمسعى دلالي

هي ذي نسيمة بن عبد الله ” بنت الريف ” أقتطفها زهرة من زهور أيقونة للسرد ، أقتطفها من مرابع ميلاف

ومن معابر القول فيها وعليها وهي التي أبهرتنا ، بمباني الإستيدام في اللفظ والملفوظ بعيدا عن الغوغاء قريبا من العجائبية في السر والتسريد وصدق المبنى

درايتها باللعبة السحرية تكمن في ترويضها للدلالة كمكمن من مكامن الدراية .

قد تفلت من قبضتها طوعا ، قسرا أوكرها ، ولكن تشدك بمددها الكوني الاستنباطي .

فتجد نفسك داخل هذه الأسوار وأنت لا تشعر . فتمتطيان معا صهوة البوح والمعارف والمدارك .

إن لم تكن مسلحا بوعي معرفي فإنك ستتعثر لا محالة أمام عتبات زخمها وثرائها اللغوي ، فهي المتمكنة من

إدارة ولولوبة لغتها ومناحيها ومتانتها أولا ، ثم أنها بهذا المبنى المعماري اللغوي

ترسم فصول وحدود ومعالم ومدارج وأدراج كل نسج قصصي تنسجه حسب كل حالة حسية وشعورية

تديرها

تشتغل الساردة ، نسيمة بن عبد الله على ” توريت ” التجني ، وتضمين التجليات كقاض عادل لصيرورة مآلاتها التي تنتهي بنهاية قزحية مفتوحة في أغلب الحالات ‘ وهذا مؤشر إيجابي في أنها تمتلك مقومات القص والتصوير وترويض الحرف ، وستكون – استشرافيا -مآلاتها سدا منيعا لبعض الأنفاس المخنوقة في بنائها الهندسي الذي يتشكل من نص لآخر بمنظور مغاير لأطيافها البيانية المختلفة والمتوازية

البيان لديها إيجابي ، وإن كان لا يتنفس كثيرا ولا يشكل ثورة تفجيرية لافتة أحيانا بفعل عوامل التآزر مع شخوصها –رأفة – أحيانا والتودد لدى ” المخاض ” من أجل ولادة إبداعية فاعلة ، تبطل مقاومة هذه الأنفاس الضيقة :

أطيافها أيضا تسرد إيمانها بأن القول ترويض للصورة وللفعل الإيحائي مع ترويض السياق

هذا ما يتضح جليا من خلال ترجمتي لمجموعتها القصصية ” في الجيد لهب ” من العربية إلى الفرنسية ” وبكل جوارحي

فإن منحت شهادتي فيها – وساما بجيدها ليس لرمي الزهور أمام عتبات عرشها أو بعبارة أخرى لتبرير الوسيلة كما يقول الساسة .

وإنما لتباشير وجحافل مداركها التي لا تؤذي أحدا وإنما تزرع المأمول في ذائقة المتلقي . والوعد عند الوعد ، الوعد للحرف العربي ولغة الضاد

وهي التي تحمل لواء الدفاع عن لغة الضاد : قناعة وتعاملا ، وهي أستاذة لغة عربية متقاعدة تخرجت على يدها أجيال وأجيال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*