سَفِينَةُ نُوح… بقلم الشاعر صالح سعيد من تونس.

كان يا ما كان،
يا بوْحَ العَشيّة..
لَغَطَ النّاسُ وهاجُوا و تَاهُوا في الزِّحَامِ،
فانتَحيْنا في شِعَابِ الرَّبِّ دَربًا،
أشهى كأطْياف المَنَام
وتَدَاولْنا القَضِيَّة.
كان في الأُنْسِ عبورٌ للقصِيدة،
للمَدَارَاتِ البَعِيدة،
للسُّؤالِ،
للمتَاهَاتِ الشَّرِيدة،
بِمِدَادِ الأبجديَّة.
كنتُ في الأَعْراف، كنتُ بيْن بيْن
بَيْن حينيْن وحين
سَكَرَ النَّاس بِلَغْوٍ.
فَسَكرْنا بالرَّنِين.
وعَبَرْنا الضّفّتَيْن.
في شِعَاب الرَّبِّ نخْلةٌ شارِدَة
رَضَعَتْ أُنْسًا شَهِيًّا
فَتَثَنَّتْ ثَمَّ لاَنَتْ
ثُمَّ باحَتْ شَاهِدَة..
مدَّتْ الأعْطافَ مِنْها للحُنُوِّ
فَسَقيْناهَا الهَوَى. فاسْتَمَالتْ راقِصَة..
شَاقَها بوْحٌ نَدِيٌّ فتَغَنَّتْ نَائِحَة،
فَطَوَيْنَاهَا بِلَفْحٍ
مِنْ أَجِيجِ النَّارِ
وَمِنْ كَأْسٍ دِهاق نَاعَمَة..
فَارْتَخَتْ أَعْطَافُهَا،
واسْتَمَرَّتْ حَالِمَة….
فِي شِعَابِ الرَّبِّ، أَكْوَانٌ وَأَكْوَانٌ تَمِيد،
وَسَماءٌ صَافِيَة
وَدُخَانٌ
وبِحارٌ مِنْ مداراتِ المُنَى،
وأشواق تزيد..
في شِعَابِ الرَّبِّ، هَذا الدَّربُ دَرْبي،
وهَذَا المَوْجُ مَوْجِي،
وَهَذا البَحْرُ لي،
والهَوَاءُ،
والأَثَافِيُّ، وكَأْسُ الشَّاي،
والرِّفَاقُ، والمَسَاءَاتَ الجَمِيلة،
وَالطَّسْتُ الأصْفَرُ،
وَطَاوِلَةُ الحَدِيد.
هَذَا كُلُّ مَا أمْلِكُ..
لَا شَيْءَ أُريد..
لَيْسَ لي غيْرُ هَذَا مِنْ مَزِيد..
فِي شِعَابِ الرَّبِّ، خَيَّمَ صَمْتٌ طَويلٌ وعَمِيق.
كَسَرَ عُنْفَ الطَّرِيق.
رَصَدَ رَجْعَ العَبيدِ والرَّقِيق..
تَاهَ فِي رَمَادِ المَوْتِ يدعُو لِطُوفَانٍ..
حَضَرَ نُوحُ العَنيد
بِالسَّكينة والسَّفينة..
فَأخذْنَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَين. وَتَواعَدْنَا مَعَ رَبٍّ جَدِيد..
قَالَ نُوح في الطَّريق:
أيُّها الرَّبُّ الجديد، مَزِّق الأَكْوَانَ
واجعلْنَا لِهَابِيل الضَّحيَّة
بِدَايةَ الخَلْقِ الجَدِيد
إنَّ قابيلَ طَغَى وتَمادى في العِناد،
واسْتبَدَّ بالعبِيد.
صالح سعيد / تونس الخضراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*