جداريات العزلة… بقلم الكاتبة فتحية دبش من تونس.

الرّسائل التي أكتبها إليك لن تصلك. ليس لأنّك بعيدة فأنت مني قاب حرفين أو أدنى. لكنّي أعزف على التّوجّه إليك مباشرة بالقول إلّا عبر الكتابة ولست أنتظر ولا أطمح إلى وصولها إليك. فالمعنى عندي لا يتعلّق بك ولا بقراءتك هذه الرّسائل، إنّها رسائلي وإنّها حرّيتي في القول وفي الصّمت وفي صفع الغياب الآن وهنا باستحضارك واستردادك من اليومي من حياتهم التي اختاروها لك واخترتها معهم ومن حياتي التي اخترتها لي ولم يختاروها لي معي.
شيء لا يمكن تفسيره بالكلام ولا بالنّظريّات ولا بالتّحليلات السّخيفة والمقولات الكثيرة كأن يقال عنّي مجنونة مثلا، أو أن يقال امرأة جريئة.
الكتابة إليك لا تعنيك بل تعنيني حين أكتب الآن إلى نفسي، فأتحدّث إليها سرّا لا جهرا وأثرثر:
أنت تعودين إلى الماضي تستفسرينه عن خياناته وعن خذلانه وحتّى عن نجاحاته الموعودة والحاصلة، تسائلينه أيضا عن كيف كنت وكيف صرت بين بلدين وثقافتين وهجرتين وتحوّلين ومتاهتين. ما الذي جعلك تنثرين رمال تلك الزّجاجة التي يوما ملأتها بيديك هاتين وحملتها معك تعويذة؟ وما الذي يجعلك اليوم تخشين الموت وتخشين الحياة ولا تعتنقين غير فكرة واحدة هي أنّ الحياة درس كبير لا يحدّه حدّ ولا تتّسع له التّواريخ ولا الجغرافيّات؟
لعلّه شيء من الارتداد إلى الذّات والجلوس إليها كثيرا فتبدين خارج الزّمان والمكان أحيانا دون أن تعودي إلى مكان بعينه فتصبح الأمكنة في حدّ ذاتها سجونك الكثيرة. أصبح الماضي متنقّلا بين صور التّراب وروائح الصّباح البعيد في عمر لم نكن فيه قادرين على الاختيار ولا على القرار ولا حتّى الرّفض. حالة من التّفرّغ للحياة دون أن تعنينا كثيرا إلّا من حيث تعاقب المواسم.
أنت الآن هنا أو هناك، تراوحين بين الفضاءات وتشعرين بقرب الرّحيل أو على الأقلّ تعين إنّه الآن أقرب إليك وإلى الجميع من أيّ وقت مضى وأنّ الفضاءات كلّها وبكلّ ما فيها من هدوء تفتقد إلى ضجيج لا يشقشق إلّا في ذاتك، فتبدين غير قادرة على الاستمتاع بلذائذ الدّنيا ولا مطمئنة إليها.
تنتصب أمام عينيك أسئلة أخرى من قبيل الأسئلة التي لا جدال فيها. وكان لا بدّ لك من الكتابة وكان لا بدّ لك من القراءة أيضا فتغادرين عالمهم وتنزوين في عالمك وتختلين بك: عالمك الشّاسع البسيط المفتوح على الاحتمالات غير المعقولة وغير المحدودة تماما كالحلم أو المدينة الفاضلة.
تلومين نفسك أحيانا تشكرينها أحيانا أخرى، تدركين أنّ الحياة مخاطرة لإنّهم يخافون الحرّيّة والحقيقة. خوف زرعوه فيكم صغارا واستسغتموه كبارا وصارت معاصمكم أكبر من قيودكم، وسلاسلها والمفاتيح التي حرصتم على الاحتفاظ بها في مكان يري لوقت الحاجة ضيّعتموها.
ضاعت بفعل اللّامبالاة والانتظار والتّواكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*