في البدء كانت الصّورة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

نسمع كثيرا في هذه الأيّام عبارات “إّننا نعيش في عالم الصّورة” أو “لقد طغت على إنسان العصر التّعامل مع الصّور والأشكال…” ممّا يجعلنا نعتقد خطأً أن التّعامل مع الصّورة L`image أو الالتجاء إلى الشّكل La forme هو تعامل لاحق لوجود الإنسان ويعكس حاضره في حين أنّ الصّورة في الواقع ومن خلال النّظرة الأنثروبولوجيّة لازمتْ الإنسان منذ أن وضع أولى بصماته الحضاريّة، فمنذ البدء سجّل حضورَه ورسم تاريخَه وبعث لنا رسائله عبر ومن خلال الخطاب البصريّ.

فما دلالات هذا النّوع البصري من الخطاب وما وظائفه وأبعاده؟ وما هي الآليات التي مكّنت الصّورة في هذا العصر من اقتحام العالم وسيادة كلّ مناخات التّواصل الإنساني وإبداعاته؟
1-في البدء كانت الصورة:
يقول محمد الكردي في دراسته بعنوان: ” مع ريجيس دوبري في كتابه حياة الصّورة وموتها “:” تنبثق الصّورة زهاء ثلاثين ألف عام قبل الميلاد وسط قَحْط العصر الحجري القديم الموحِش، في نقطة تلاق بين الهلع وبداية التّقنية، وطالما كان الفزع أقوى من وسائل التّقنية وأدواتها، كانت الغَلَبَة للسّحر وإسقاطاته المرئيّة التي تبرز عبر الوثن. وحين تتغلّب التّقنية تدريجيّا على أحاسيس الرُّعْب، وتتأكّد قدرة الإنسان على تخفيف شقائه وتشكيل مواد هذا العالم والسّيطرة على طرائق التّعبير التّصويري بحيث تستطيع قلّة حيلته الحيوانيّة موازنة الكون، فإنّنا نَعْبُرُ حينئذ من عالم الصّور الدِّينيّة للمعبود إلى صورته الفنيّة أي إلى هذا العالم الوسيط والمتوازن للمحدوديّة البشريّة”. فالإنسان إذن منذ بدايات تواجده على الأرض حَرِص على التّعبير عن أفكاره وأحاسيسه وتخوّفاته وهواجسه بشتّى الوسائل فكانت أبرزها الصّورة، ولعلّ خير دليل على هذا الحرص وعلى هذا النّمط التّعبيريّ ما خلّفه لنا من نقش للصّور و للرّسوم على الصّخور وعلى جدران الكهوف والمغارات، وقد لعبت الصّورة دورا هامّا ومركزيّا ووسيطا تعبيريّا جوهريّا بين الإنسان البدائيّ ومحيطه الطّبيعيّ فكانت علاقته بالطّبيعة علاقة خوف دائم من جبروتها وتهديدها لحياته في كل لحظة وشعوره بالضّعف الطّبيعي تُجاه تقلّباتها، وكان همّه في خضمّ هذا الصّراع أن يحقّق لنفسه غايتين: البقاء والخلود، فاضطرّ إلى فهم ما يُحيط به لعلّه بهذا الفهم يكسب شيئا من القدرة على السّيطرة على القوى الطّبيعيّة فوجد له متنفَّسا في رسم الصُّوَر التي ملأ بها محيطه وعبّر بها على أحاسيسه ورغباته ومخاوفه وأيضا أعطته الصّورة الشّعور بقدرته السّحريّة على مواجهة هذه التّهديدات اليوميّة والتّخفيف من شدّتها ووطأتها عليه. فمثّلت الصّورة في العصر البدائيّ أهمّ وسيلة تعبير ثقافيّ، وكانت الصّوَر المرسومة رسائل بصريّة حقيقيّة تخدم أغراضه الحياتيّة والدِّينيّة والسّحريّة وتكشف عن محاولاته في السّيطرة على محيطه بفهمه وإمكانيّة تغييره لصالحه. فالإنسان البدائيّ كان يذهب إلى الغاب ويصطاد الأُسُود التي يراها، لكنّه يصوّر الأسد الذي لا يراه ويخافه ويقوم بعبادته، كما كان يرسم صور أعدائه من البشر الذين ليسوا في حوزته على أواني فخاريّة ويُقيم بعد ذلك حفلا راقصا مهيبا وفي الأثناء يكسّر تلك الأواني ضنّا منه أنّه في تكسير الأواني إلحاق ضرر حقيقيّ بهؤلاء الأعداء. وحتّى يُخلِّد ما يعزّ عليه من الموتى يقوم بتصويرهم… وهذا كلّه دليل على أن الإنسان سجّل حضوره التّاريخي عبر الرَّسم منذ حوالي 35000سنة قبل الميلاد أي في نهاية العصر الحجري الأخير فكانت الصّورة بمثابة بطاقة ميلاد الإنسان. وقد احتلّ الرَّسمُ التصويريُّ في بدايات تعامل الإنسان معه جدرانَ الكهوف والمغارات كما أسلفنا لكنّه سرعان ما تطوَّر باستعمال الإنسان لعناصرَ أخرى تحصّل عليها من عمليّات الصّيد والقتل للحيوانات وكذلك من جثث البشر مثل العظام والقرون والجلد إلخ وهي كلّها أدوات تعبير تُبَلّع قصدا ما أراد الإنسان تبليغه، وقد خلّفت لنا الوجه الحضاري لهذا الإنسان وهي تعكس في مجملها رغبة الإنسان في تحقيق غريزة البقاء أولاً وما توفِّره له الصُّورة من شروط هذا البقاء في خضمّ صراعه مع الطّبيعة وقواها التي لا تَرْحم. ثمّ لعبت الصّورة أيضا دورا هامًّا في تحقيق الرّغبة في الخلود أو تخليد ما نحبّ من الذين أخذهم الموت وفي ذلك تقول “سعاد عالمي” في كتابها “مفهوم الصّورة عند ريجيس دوبروي”:” ففي الأوّل استخدم الإنسان جثّة الميّت لصنع صورة، واستخدمها بمثابة المادّة الخام والمادّة الأولى لصناعة الصّنم كتجسيد لشخصيّة الميّت، هذه الجثّة جعلت من الإنسان الحرّ عبدا لفكرة التّخلّص من رائحتها بتحنيطها أولا، ثم استخدام القرون والجلد لصناعة شيء جميل وفاتن، بدون وعي هذا الإنسان بأنّه منهمك في صناعة فنّ معيّن، فالصّورة البدائيّة لها علاقة بالعظام، بالقرون وبالجلد وكلّ الأدوات التي تُؤخذ من الموتى.” وتقول أيضا:” إن للميّت حضورا غائبا يتطلّب منا خلق صورة أو زوج مماثل له لضمان بقائه…”
إن الصّورة تُعدّ إذن أولى أشكال التّعابير الإنسانيّة وأقدمها وهي الوسيلة الأولى لتواصل الإنسان مع الإنسان ومع محيطه الطّبيعي لذلك هي سابقة في وجودها عن الكتابة، يقول “ريجيس دوبري” في كتابه “حياة الصّورة وموتها”:” فالإنسان سليل العلامة، بيد أن العلامة تنحدر من الرّسم والتّخطيطات، مرورا بالبكتوغرام “الكتابة المرسومة”، والكتابة الهيروغليفيّة…فإنّ الفعل التّصويريّ أقدم من الحرف المخطوط بعشرات آلاف السّنين”. لذلك اعتُبرت الصّورة أقدم وجودا من الكتابة، وأكثر تجذّرا في اللاّوعي الإنسانيّ، مما جعل منها معطى انفعاليّا فيكفي لشخص ما في حضارة معينة ألاّ يشاهد المرآة في مأتم جنائزيّ لكي يُنْقَذَ من الموت السّريع، كما أنه يكفي رسم عين أو يد لمحاربة العين الشرّيرة، إنّها عادات وتقاليد اتخذها الإنسان منذ القدم لمحاربة الموت. ولعلّ هذا القول لريجيس دوبري يلخّص كل ما أكَّدْناه منذ بداية التّحليل هو يقول:” إن الصّورة المدهشة تسري في دمنا أسرع من المفهوم، فبما أن الصّورة اوّل ساكن للمكان فإنها ليس ضيفا علينا وإنما هي صاحبة المحلّ”.
2-سيادة الصّورة كلّ مجالات الإنسان المعاصر:
صحيح أن التّعبير البصريّ والخطاب الصّوري لازم الإنسان منذ البدء لكن هذا الحضور للصّورة في بداية تاريخ الإنسان لم يكن مجرّد مرحلة عابرة ستتبخّر حالما يصنع لنفسه التّعبير اللّغوي، فصحيح أنّه حين ظهرت الكتابة حوالي 5000قم في بلاد الرّافدين التي خدمت بشكل واسع التّواصل النّفعي خفّت أعباء الصّورة واهتمت أكثر بالقيام بالوظائف التّعبيريّة والتّمثيليّة وسجّلت حضورها في جميع الحضارات الأخرى اللاّحقة وبقوّة مُتَصَاعدة لما للصّورة المستعملة من أبعاد رمزيّة ودلاليّة ومن ثراء حضاريّ وثقافيّ وكذلك من تعبير حسّيّ وبصريّ لا يمكن للإنسان الاستغناء عنه بل هو في حاجة ماسّة لها سواء في أنماط تواصله أو أشكال خطابه أو أجناس إبداعاته. وقد لقيت الصّورة حضورها الكامل تقريبا في القرنين التّاسع عشر والقرن العشرين وبلغت أوْجَهَا في الرُّبع الأوّل من القرن الواحد والعشرين مع ما حدث من مستجدّات في مجالات التّقنية وآلات الطّباعة وبروز فنون جديدة أو أشكال جديدة من الفّنون التَّصويريّة والتّشكيليّة التي استغلّت سُلطة الألوان وقدّمت لها التّكنولوجيات المعاصرة ما تستحقّ من أجهزة سمعيّة بصريّة وأجهزة الكترونيّة متطوّرة جدّا في مستوى تقنيّاتها وبرمجيّاتها مما مكّن الصّورة من سيادة العالم وفرض سلطتها عليه بحيث أصبح إنسانُ العصر مُوَجَّها ومنقادا بالصّورة وبالأشكال الرُسوميّة حيثما ولّى وأينما اتّجه مما جعل من “رولان بارط” يقول: “إنّنا نعيش بالفعل ثقافة الصّورة ، فالصّورة تُحاصرنا من كلّ جانب، في الشّارع، في البيت وفي المدارس، بل قد تكون أكسيجين العصر…”.
لكن إن هذه السّيادة الكلّية لعالم الصّورة اليوم واستهوائه لإنسان العصر وانشداده إلى فضاءات الألوان السّاحرة والجذّابة المعروضة على اللاّفتات والشّاشات واللّوحات الاشهاريّة، لا يُخفي عنّا خوفا ضمنيّا بدأ يحتدّ اليوم يتمثّل في مدى خطورة أشكال اغتراب الإنسان المعاصر عن عالمه ورفضه لواقعه حين تعلّق بعالم آخر وَجَدَ فيه ملاذَهُ بعد أن يَئِس من عالمه الفعلي، إنّ هذا الواقع الجديد هو العالم الافتراضي الذي تأسّس كلّية على صُورٍ رقميّة “خياليّة بل وهميّة!” لها من السّحر والجماليّة والحركيّة والدّقّة والنّظام والتّناسق… ما يجعل من الإنسان يعتقد في واقعيّتها، ويقتنع جازمًا أنه يعيش فعلا ًداخل “واقع افتراضيّ” أفضل من “الواقع الواقعيّ”.

2 Replies to “في البدء كانت الصّورة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

  1. دراسة متجذرة في التاريخ الانساني و الانتربلوجيا التي أكدت ان الصورة هي اول تعبير فكري و وجداني للانسان و هي أم اللغات و الرموز و الأشكال و الارقام و الابجدية
    دمت فيلسوفا مبهرا و باحثا دؤوبا عن جذور الحظارة الانسانية

    • شكرا صديقي الأستاذ الرسام الشاعر الأديب عبد الستار العبروقي على هذه الإضافة والتفاعل الثريّ مودي ومحبتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*