باولا و الريف…قصّة قصيرة بقلم الكاتب دوتركة محمد من المغرب.

كان صباحا ممطرا حين رن هاتفي، المتصل كان والدي، امرني بأن اسافر إلى البيت الريفي لأن جماعة من قطاع الطرق يسطون على بيوت الريف، يا للعنة! السفر مرة أخرى إلى ألاسكا التشيلي. حيث البرد والغربان، والدي لا يمكنه ان يأتي، ذهب في إجازة إلى المغرب هو وأمي وإخوتي الأربعة، ذهبوا إلى مراكش،المدينة التي ولدت فيها، حيث اليأس والحزن، نحن أتينا من المغرب إلى تشيلي، وقد قضيت طفولتي كلها هنا، وهنا درست إلى ان اصبحت ما أنا عليه الٱن.
حزمت حقيبة ثيابي ووضعت كتبي في صناديق ومعها أقراص موسيقية لشوبان وكول بورتر وموزارت وفيروز وفريد الأطرش وأم كلثوم وأسمهان… دائما ما كان لي ميل وانجذاب لهؤلاء العرب والفضل في ذلك يعود لوالدي، فرغم طول المدة التي قضيناها بتشيلي إلا انه لم يفقد لغته الأصل وظل محتفظا بها، وقد علمني إياها وفتح لي باب للإطلاع على إرث العرب في الأدب والشعر والفلسفة، كان تلقينه لي بمثابة مفتاح لمساري الأكاديمي، المسار الذي سأخصصه للبحث في إلإرث العربي الإسلامي، لقد جذبتني الثقافة العربية أكثر من الثقافة التشيلية، رغم ان بالتشيلي شعراء وأدباء وفلاسفة كبار، إلا أن قدماي علقت عند العرب، ربما ذلك راجع لجيناتي أو ان الأمر هو مسألة ذوق او لا اعلم، كل ما اعرفه هو أنني كبرت وحب الثقافة العربية متأصل لدي. انهيت حزمها وطلبت سيارة أجرة لكي تقلني إلى محطة القطار المتوجه إلى الريف.
سنتياغو لم تستيقظ بعد، مازالت نوافذ البنايات مغلقة ولا وجود إلا لبعض كلاب الشارع، وصلت إلى المحطة وأخذت تذكرتي وجلست أنتظر إنطلاق القطار، وكعادتي في كل سفر، السفر الطويل بالأخص، أقرأ شيئا لكي لا أشعر بالضجر..أخذت ديوان الفرح ليس مهنتي للشاعر السوري محمد الماغوط، هذا الديوان الذي اشعر به انه قريب لي اكثر من أي شيء ٱخر، ربما ذلك راجع لعظمة قصائده، وربما لكونه الديوان الوحيد الذي قراته أيام الثانوية، وربما لأن ملامح البؤس والكٱبة التي تختزنها سطوره هي من جذبتني إليه..فكما يعلم الكثيرون أنا من أنصار السوداوية، وربما لكون الشعر العربي هو اول قراءتي في مرحلة الطفولة المبكرة، فدائما ما حثني والدي على أن أقرأ لشعراء العرب.
إستغرقت في القراءة ولم أشعر بطول الطريق، رفعت رأسي ولمحت القبة التي يقع عليها بيتنا العتيق. وصل القطار للمحطة وأخذت أغراضي وتابعت الصعود إلى التلة، إنعدام الطريق يجبرني على ان أكمل المسير برجلي.
بقرب بيتنا كان هناك بيت ٱخر، وهو بيت لصديق والدي السيد أليكس، ولما صعدت إلى أعلى التلة لمحت ضوءا مشتعلا في البيت، لا بد انه سمع هو الٱخر بجماعة “ديبوا” وأتى لكي يدافع عن ما هو ملك له، دلفت إلى داخل البيت ورائحة خشب “العرعار” تزكي المكان، وتوجهت إلى غرفة السطح هناك وضعت ثيابي في الخزانة ورتبت كتبي في المكتبة، المكتبة الفارغة منذ عقد من الزمن، انهيت عملي وجلست لأستريح، وفي غفلة مني غلبني النعاس ولم يوقظني سوى دقات الباب..كان السيد أليكس جاء يطمئن على حالي وحال والدي، وأمرني بأن أمر عنده للعشاء، فهو وابنته فقط من أتى.
يا إلهي! إنها باولا، باولا التي عشقتها في مرحلتي الثانوية ولا زلت إلى الٱن، باولا ذات العيون الزرقاء والشعر الذهبي، باولا كانت ساحرتي وأكثر ما كان يبقيني في هذا الريف، ترى كيف أصبحت الٱن؟
رددت عليه بإيماءة تفيد أنني موافق على طلبه وسأمر.
إنصرف السيد أليكس وصعدت إلى السطح لأشرب كوب قهوة مسائية وأستمع للسمفونية التاسعة لبتهوفن وأتأمل الغيوم الهاربة من سوط الله.
بسط الظلام سلطانه وأخذت معطفي ثم اغلقت باب البيت وتوجهت إلى السيد أليكس..طرقت الباب وإذا بباولا بفستان حريري وشعر متهدل وعينين تبرقان أملا ونهدين ينوحان عطشا وثغرا أشعر به يقول” تعال، إن وحشتي لك لا تضاهى”
باولا صارت مختلفة عن الصورة التي تركتها بها، فقد غادرت إلى فرنسا هي ووالدها فور إنتهاء مرحلتها الثانوية، مرحلة عشقنا، العشق الذي كان يؤشر على الإمتداد لا الأفول، ولبثوا عشر سنوات، اصبحت أكثر جمالا وإفتتانا.. دخلت إلى المنزل وجلسنا إلى المائدة وشاهدنا أخبار المساء واوضاع العالم المزرية جراء وباء “السارس”.. كثيرون فقدوا حياتهم بسببه، ابعده الله عن باولا وليمت من يمت. أخذنا نتناول العشاء وتفكيري منصرف كليا إلى باولا، أريد كثيرا ان أحضنها بين ذراعاي، وأن أقبل فمها العسلي أريد وأريد والوجود يفعل ما يريد.
تناولنا العشاء وإستأذنت بالإنصراف لشدة تعبي من السفر، ورافقتني باولا إلى الباب، دار بيننا حديث طفيف عن الدراسة والحياة والعمل… ودعتها وسرت إلى البيت، لما وصلت إلى الغرفة التي أضع بها كتبي تذكرت رائحة عطر باولا، عطر شبيه بخمرة معتقة، لن تفيق من ثمالتها، هذا المشهد جعلني اتذكر رواية قراتها في غابر الزمن لبتريك زوسكند، إسمها العطر، هذه الرواية كان بها شخص يدعى جان پابتيست غرنوي، ذاك الودود الشرير، الذي إخترت له لقب الكائن الذي يبصر الوجود بأنفه، هذا الغرينوي كان اقصى غايته أن تكون له رائحة، لذلك اخذ يقتل الفتيات التي لهن رائحة جميلة ٱخاذة ويصنع منها عطرا له، ما جعلني اتذكر هذا المشهد هو رغبتي في باولا كما كانت رغبة غرينوي في العطر، باولا حكايتي البئيسة فهل تصبح يوما سعيدة؟

حل الصباح والباب يدق مرة أخرى، السيد اليكس نفسه لكن هذه المرة يحمل حقيبة سفر، أخبرني انه طرأ له عمل مفاجئ بفرنسا ولا بد له من الذهاب، امرني بان أهتم بابنته ريثما يعود، طمأنته وودعته، وصعدت إلى السطح لأستمتع بالجو الصباحي..
أشرقت الشمس ونزلت إلى الطبق السفلي لأعد فطور الصباح، ولأمر بعد ذلك لباولا لأسألها إن كانت تريد ان تتناول الفطور معي، طرقت الباب وأطلت بجسدها البارز وجهها النوراني،حييتها و طلبت منها الحضور إلى مائدتي الصباحية..ووافقت على الطلب بإيماءة وإبتسامة.
تناولنا الفطور وتبادلنا الحديث عن الدراسة مرة أخرى، وأخبرتها بأنني اعمل أستاذا مساعدا بجامعة بسنتياغو قسم الفلسفة، وسألتني عن أطروحتي وأخبرتها بانها كانت عن ” ابن عربي ” وابتسمت، وهنأتني على هذا الموضوع البديع جدا، لطالما كانت باولا شغوفة بمواضيع التصوف والفلسفة الإسلامية، وذلك راجع لنشأتها لان والدها كان قارئا كبيرا للإرث الفلسفي الإسلامي، هذا الإطلاع قاده لأن يسلم هو وعائلته. وسألتها أيضا عن دراستها وكيف أمضت فترتها في فرنسا..وردت بإبتسامة بها نوع من الحسرة لأنها لم تتمكن من ان تنهي دراستها لظروف صحية وإكتفت بالإشتغال في مؤسسة بنكية.. ظل مجمعنا طويلا، إستحضرنا فيه اعلام الفلسفة والأدب وتحدثنا عن الرواية والشعر، إلى أن شعرت ان الوقت تأخر فإستأذنت للذهاب لترتيب بعض الأمور البيتية وتحضر شيئا نأكله للغذاء، لما ذهبت صعدت إلى المكتبة وهذه المرة أخذت رواية ” النبطي” ليوسف زيدان المصري، أقرا مقاطع منها ريثما تناديني باولا، قرأت ثلاث مئة صفحة، كان سفرا بديعا، سفرا مركز حديثه مارية القبطية وحيواتها الثلاث…
سمير
سمير
سمير
أنصت انصت أنصت، إنها باولا تناديني، جلست طويلا أسمع إسمي وهي تردده، يا لجمالية هذا الصوت!

نزلت وتحلقنا حول السفرة وأكلنا وكل منا يراقب الٱخر بنظرات ملأها الشوق،انهينا أكلنا ثم جلسنا نشرب القهوة، وعدنا بالذاكرة إلى الوراء مستحضرين ايام الثانوية المجيدة وعن الحب الذي كان يجمعنا، نطقت باولا وبحسرة “كانت اياما رائعة وخالدة”، ظللت متحسرا وحنين يشدني إلى باولا، ولأنني دائما شخص لا يستطيع أن يكتم ما يعتلج قلبه، صارحتها، صارحتها بمدى إشتياقي لها وتحرقي للقاءاها مرة أخرى، وأنني اريد أن أقضي ما بقي من رصيدي الوجودي بصحبتها، إبتسمت وأجابت بحسرة ودمعة منسابة على خذها الجميل..
أنا ايضا إشتقت لك سمير ، إشتقت لك كثيرا وإشتقت لأيامنا، ودائما أطلب الله أن نلتقي، لكن فات ٱوان كل هذا…
وغرقت في بكاء مرير، ولم أتمالك نفسي فحضنتها إلى صدري وظلت تنحب كثيرا، أخبريني باولا لما فات الأوان!

لا جواب مرة أخرى سوى البكاء، ولما ألححت عليها, قالت أنها مريضة بالسرطان في مراحله الأخيرة، وأن أيامها معدودة..
يا إلهي ما سخرية القدر هذه، اظلم علي المكان فجأة، قلت أخيرا أنني وجدتك وها أنت الٱن تذهبين مرة أخرى، اي ذنب إقترفت في حقك ايتها السماء حتى يكون مصير من أحب هكذا، باولا عزيزة قلبي، كيف يمكن لي أن أتقبل إنها سترحل عني، ستذهب للاعودة، تلك اللاعدالة الإلهية التي شغلت بالي أيام الجامعة، ولطالما خضنا نقاشا كبيرا حولها أنا ورفاقي بدات معالمها تظهر لي الٱن، كيف لك يا الله ان تسمح لهذا اللعين أن يستوطن جسد باولا؟ إنفطر قلبي وبدأت الغرفة تدور بي..تملكني يأس وكٱبة ساحقين، كيف يعقل هذا! قلت أخيرا أنني وجدتك وها أنت الٱن تذهبين مرة أخرى،
رفعت وجهها بعد ان فركت عينيها وبنظرة بها الكثير من الحب والحنان، قالت: هذا ما خطه القدر لنا ولكن دعنا نقضي ما بقي لي من أيام معا هنا، بهذا الريف حيث الغربان والسنونو الصباحي، حيث كل شيء يدعو للحب.
قاومت دموعي إلى أن خارت قواي وسمحت لها بالإنسياب، وحضنتها وظللت أقبلها..بقينا على تلك حال مدة طويلة جدا.
بدأ ظلام المساء يهبط ولا أقدر على أن اترك باولا وحدها هنا، لذلك طلبت منها ان تنتقل لتعيش بالبيت الٱخر، بيتنا، ولنبقى معا إلى أن نشيخ، وطبعا بعد ان أخذنا موافقة السيد أليكس، فهو سيطول سفره، وشدد على ان لا اتركها وخصوصا لما علمت وضعها، وكيف أتركها وهي ما يربطني بهذا الوجود، اخذتها بين ذراعاي، كانت كملاك صغير بريء، باولا الوديعة التي اقترف القدر خطأ بان جعل السرطان ملاك موتها.
اعددت لها مكانا بالقرب من سريري، ونامت من فورها.
في الصباح نهضت وأعددت ما نأكل وذهبت لأوقظها فوجدتها تقرأ رواية “باولا” للتشيلية إزابيل الليندي، ولما لمحتني قالت:ربما ان كل فتاة إسمها باولا مصيرها دائما يكون قاسيا، فباولا الموجودة في الرواية ماتت هي الأخرى متأثرة بمرض البورفيرية، توجهت لها وحضنتها وحاولت أن أشحنها ببعض الإيجابية، حاولت ان اطبق مما تعلمته من سنواتي الجامعية بقسم الفلسفة، إن لم تنفعني هذه الحكمة الٱن فما جدواها؟
هكذا دامت أيامنا، في الصباح نخرج للجبل لنتأمل أسراب الطيور المهاجرة والسحاب الرابض فوق قمم التلال، والليل نتركه للقراءة، قرأت لها كثير، قرأت لها دواوين الماغوط وانسي الحاج ورياض الصالح ومحمود درويش ونزار قباني وسركون بولص ونيرودا والكثير من الشعراء، قرأت لها الكثير من الروايات ذات النهايات السعيدة، كنت أريد ان أجعلها تتناسى مرضها وتقبل وتقضي ما تبقى لها من أيام بسعادة، أن يرى قلبها قليل من الفرح والحب قبل سفر اللاعودة، وقرأت لها أيضا بعض القصص القصيرة..طالعتها على الكثير من الأجناس الأدبية، وكأني بقراءاتي الكثيرة هاته أريد ان أحفظ باولا داخل كل ما قرأت، وحين اعود لهذه النصوص يوما ما سأجد ملاك باولا..هكذا خيل لي.

ذات مساء علت الصفرة وجهها وبدات تتلعثم في الكلام، اعضاءها بدأت بالفشل، صارت تنوء من شدة الألم وأنا ككلب مسعور أراقبها وليس باليد حيلة، ونهضت قرب الباب أراقبها لأنني لم اعد قادرا على المكوث قربها،
نظراتها تشي بٱلم حاد يعتصرها، أرقبها بحزن ولا شيء لدي أستطيع به إنقاذها، أتأملها وألمها إنتقل إلي وأخذ يدب في جسدي ويهوي بكياني..أتحسر كثيرا، لما أنا دائما؟لما لم توزع الأوراق جيدا أيها القدر ؟ شهقت ورأيت عينيها تنغلقان ببطء شديد، الروح تنسحب شيئا فشيئا من جسدها وتحلق إلى أعمق نقطة في السماء.هرعت إليها أقبل يديها راجيا منها أن لا تذهب، دموعي تنهمر ولم أعد أستطيع وقفها..
‏باولا ارجوك لا تتركيني هكذا، لا تتركيني لهاته الوحدة، ارجوك باولا.
‏تحسست قلبها ووجدته توقف وجسمها بدا يبرد
‏…
‏…
‏لا شيء سوى الدموع
‏ …
باولا رحلت ورحلت أنا أيضا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*