هاو هاو …الكلاب قصة قصيرة بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

هاو، هاو هاو…
نباح كثير يمزق سكون الليل، وسكان الحي السفلي مغلوبون على أمرهم ـ لاحول ولا قوة لهم – يستعينون بشتى الوسائل كي يطردوا أصوات الكلاب المزعجة ليستريحوا بعد الكد وتعب النهار ويناموا في هدوء؛ يغلقون الأبواب والنوافذ ويرفعون من صوت المذياع و يتركون مصابيح بيوتهم مشعلة و يتناولون أقراص النوم… عسى أن يزور عيونهم طير الليل فيجنح بهم إلى البلاد السعيدة والأحلام اللذيذة.
حاول سكان الحي مرارا مع المسؤولين الكبار ليلتفتوا إلى حيهم المكلبن ويضعوا حدا لواقعهم السوريالي! لكن، لا أذن لمن تنادي، بل انهم يصدمون بكيفية معالجة مشكلتهم؛ كم من كلب صودر فتدخل المقدم وفلان وأطلق سراحه ! كلب الحاج العربي نفسه !، لما عض ولد الحاج احمد الشاوش وألقي عليه القبض، أخلي سبيله بدعوى أنه كلب غير مسعور وأنه انساق وراء الكلاب تلك الليلة فقط بعد أن انفلت من حبل عقله…! جرم الليل يمحوه كرم النهار.
هاو،هاو هاو،هاو…
المسلك الشرقي إلى الحي محفوف بالخطر؛ الكلاب تتكاثر ولا أحد يجرؤ على الاختراق والمحاذاة. المرور ممنوع ! يجب تغيير الطريق، والويل لمن عضه كلب مسعور في ليل مهجور.
احمد ولد الحاج الشاوش ضاق ذرعا من مقامه في الحي الجحيم، يلعن ذلك اليوم الذي حل فيه .. صار كالمرابط في قلعة، دائم التوجس، لا يبرح مكانه ولا يستطيع السفر أو السهر خارج بيته خوفا على أولاده من الكلاب الضالة.. والجيران ! لكل حكايته الألفليلية مع هذه الحيوانات الضارة.
في كل ليلة غارة ونباح ؛ ” فالسي بوعزة، قد دخلت إلى حوش داره ونهبت دجاجه وأرانبه ” ، و”السي حميد، الموظف الصغير، أغارت على بيته فشتتت أشياءه واستولت حتى على محتويات ثلاجته ” ، و”الجارة فضمة ، أتلفت غسيل حبلها في ليلة وحملت كبش عيدها إلى المقبرة المجاورة حيث تقاسمته ولم تبق منه الا القرنين”…
هاو هاو هاو،هاو هاو…
سكان الحي مع موعدهم التراجدي المعتاد ،الكلاب تتقاطر على مرساها وتتجمهر تحت شجرة الصفصاف الوارفة جنب المقبرة تتكاثر، تعوي ودائرة النباح تتسع…
احمد ولد الحاج الشاوش في حالة استنفار، أولاده ناموا، فيما ظل هو يصارع الضجيج الذي ينزل في أذنيه وقع الصواعق، يتكمش ويتقلب في الفراش، يدفن رأسه في الوسادة الناعمة ويغرس فيها أظافره فتتدحرج بين يديه… ذبذبات النباح الحاد تمتد إليه أكثر فأكثر، يحس الكلاب معه في البيت.
هاو، هاو هاو، هاو هاو هاو
لقد نفذ صبره … لما فتح عينيه لاحظ أن مصباح البيت الذي يتعمد تركه مشعلا قد انطفأ، ضغط على الزر ليشعله ثانية ولكنه ظل منطفئا، سمع حركة غير عادية عند باب مسكنه، هرع في الظلمة نحو الدولاب يتلمس الجدران، حمل بندقية أبيه وصعد إلى السطح ، صوب الفوهة في عتمة الأرض وضغط على الزند مرة واحدة ” بوم ” وانقطعت أصوات الكلاب وافرنقعت تجرجر أذنابها في تيه الليل البهيم.
لما أصبح اليوم، استيقظ أحمد ولد الحاج الشاوش على صوت امرأته تخبره أن رجال الدرك أمام باب المنزل يريدونه فورا، وفي الحال ركب سيارة الجيب نحو المخفر حيث حرر له محضر ” ليجيتيم ديفانس “( الدفاع الشرعي على النفس وقانونية حيازة السلاح)…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*