جزء من رواية “الوشم” تأليف الكاتب محمد الصالح من تونس.

لما رأى مجنون المنطقة زرقاء العينين كـفّ عن البكاء فجأة، وتخلى عـن عادته القديمة في الوقت المقدس الذي لا تخطئه حواسه، وبدأ يقهقه بصوت عال. سبحان الذي أنطق الحجر عـلى يديها، إنها لمن آياتها العظمى أن تغيرعادة المجنون، فينقلب
بكاؤه ضحكا، حتى ازداد اعتقاد دراويش الصوفية فيه وفيها، وهـيّجت مشاعـرهـم، وأسالت الكثير من مدادهـم، وفـتّـقـت قرائحهم عـلى قصائد في مدح “عالية الجاه زرقاء العـينين ” كما سموها فيما كتبوا. وكان إنطاق “مجـنون المنطقة” أبلغ آية يستدلون بها عـلى بركتها وبركة اسمها، ويقولون للمشككين» لقد أنطقت الحجـر “، وهذه الحجة بالغة لكل من يعـرفه ويعـرف درجة جنونه.
لقد فارت المنطقة، وصارت مسرحا لمتغيرات يومية لا يمكن التنبؤ بها، ولا تخطر على بال أحد. أصبح الناس غير الناس والطبيعة غير الطبيعة، إنها الطفرة العظمى، إنها التحولات الكبرى، إنها القيامة الصغرى. لقد استحال التغيير بالأسباب العادية للتغيير الاجتماعي كالثورة والحرب مثلا فجاء الخلاص من حيث لم يحتسب أحد. فُرض التغيير عـلى الجميع، وتعـدّل العالم عـلى وقعه، وتغيرت العلاقات الدولية وموازين القوى، ولانت الأنفس، وساد الوئام، واعتذر الظلمة للمظلومين، ووصل الأمر بأحد رؤساء الدول العـظمى إلى الموت بكاء عـلى مظلوميه في الأيام الخوالي من الشعوب المقهورة التي اغـتصبت أراضيها، ونهبت ثرواتها فـظـل ينتحب وشريط ذكريات ظـلمه يمر بمخيلته إلى أن قـضى نحبه بكاء والشريط لازال طويلا. بكى الهنود الحمر وزنوج إفريقيا وموتى هروشيما وناكازاكي والفلسطينيين، وأرهـقته ذكرى من أسْـرُوا ومن فتحوا، وأغاظه أشد ما أغاظه أن أرض الجبارين التي باركها الله يسكنها الممسوخون بمساندته بعد أن رفضوا حتى دخولها في السابق خوفا منهم. استحضر آلامهم وعذاباتهم فـلم تكفه دموعه وجفّت مآقيه ونزّت عـيناه دما ومات من الكمد. وشاعـت في تلك الأيام ظاهـرة الموت كمدا، فقضى بها العـديد من رؤساء الدول والعـديد من السياسيين لما اقترفوا من جرائم، وسرت هذه الظاهرة لتحصد أرواحا ظلمت وأفسدت. حسبت منظمات الصحة العالمية أن هذا وباء فيروسي ظهر فجأة، إلا أنها تبينت بعـد فحص الجثث أنه لا وجود لفيروس، إنما كان سبب الوفاة الحزن الشديد والبكاء حتى الموت، وكتبت تقريرها وعـنونته ” من الحزن ما قتل “، وتركته سريا رغم انكشاف كل شئ بعد الطفرة، فلا مجال لحجب الحقائق، ولكن ما بالطبع لا يتغير بسهولة.
زرقاء العـينين رائدة هذا التغـيير، ألهمت الجميع الخوض في سيرتها وفي كل تفاصيل حياتها. خاضوا في جمالها وأصلها وفصلها، وذهب بعــــــض المتحمسين من عــــلماء الحديـث إلى نسبة حديث للرسول يقول فـــــيــه: »النساء أربع مريم العــــــذراء وفاطـــــمة الزهـــــراء والزرقاويتان « ، وقالـــــوا إن البخاري هــــــــمّ بكتابته في صحيحه، ولكــــنه عـــــدل لحكمة يعــلمها الله. وقـالـوا بجواز رواية الحديث بالنـــــية وهو مذهب جمهور من أهل العــــلم على الأرجح، وقسّموا الحديث إلى صحيح وهـــــــو ما كانت نيته طيبة، وضعـيف وهـو ما كانت نيّـته مضطربة، ومرسل وهــو ما كانت نيته خبيثة.
وقال أهـــــــل العــــــلم إن المقصود بالزرقاويتين هما زرقاء اليمامة وزرقاء العـينيــــــن الألــمانية أو زرقاء العـينين دون تعـريف.
أصبحت زرقاء العينين مضرب الأمثال وحديث الأدب والحكايات الشعبية فلا سمر يبدأ إلا بالحديث عنها، ولا ينتهي إلا بها وهـــذه سُـنّة اعـــتادها الناس، فهي من آداب الحديث، وصارت حكايتها تعرف بحكاية » : جاءت من وراء البحر فاكتشــــــفت الأثر « .
عندما يقال» زرقاء مشعـــــشع نورها مخَبْلة في شعـــورها « فالجواب معـــــلوم بالضرورة وهــي زرقــــــــاء العــينين. وقال أحــــد المؤرخين إن حكاية «ألف ليلة وليلة « كانت تسمى حكاية »ألف ليلة وليلتان « والليلة المسقطة هي حكاية « جاءت من وراء البحر، فاكتشفت الأثر «، وقال إن بعــض المستشرقين أسقـطوا عمدا هذه الحكاية لطمس تاريــــــــخ المنطقة. وذهبت بعـــــض الدراسات الأخرى إنها أُسقطت بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد بعد انقسام ألمانيا إلى شرقية وغربية، وبما أن زرقاء العينين من ألمانيا الشرقية أُسقطـــت حكايتـها نـكاية في وطنها وانتصارا لله، إشارة إلى شيوعية ألمانيا الشرقية.
وفي مناظرة تلفزيونية بين عــــالمين أحــــــدهما مناصر للزرقاء الألمانية وآخر مناصر للزرقاء العربية ودون معاداة للزرقاء الألمانية التي كانت محل إجماع من الجميع. قـــــال الأول إن الزرقاء العــــربية ميزتها مشاهدة حتــــــف قومها قادما من بعـــــيد، فأنـذرتهم، ولكــــنها سُفّـــــهت، فــــكان نذيـرها كـــــصرخة في واد سحيـــق، مما يدل عـــــلى استخفاف قومها بها أو بالنصح عـــــموما أو إنهم لا يستمعون إلا لنـــــصح عـلْـيـة القوم مما يدل عـــلى التفكير الطبقي وعــــلى الترتيب التفاضلي للمجتمع العـربي. وأضاف إن الزرقاء الألمانية شاهدت خلاص قوم غــــــير قومـــــــــهـا بـــــمجرد نظرة، فملاحظة غيّرت مجرى تاريخ المنطقة. فرد عــــــليه المناصر للزرقاء العربية أن “السواد” العربي قيمة جمالية فريـدة لطـالما ألهمت الشعــــــراء والمغـنيــــــن، فــــلا نجـد مـن تغـــــنى بغـــــيرها كـزرقة العـــينين مثلا.
انبـثق اتجاهان للنقــــد الأدبي،” الاتجـــــــاه الأزرق العـلمي الغـربي” والاتجاه “الوجداني العــربي”، فأما الاتجاه الأول فهو مذهب المفضّلـين للزرقاء الألمانية، ويبحث في الاتجاهات العــلمية في الشعـر وفي الأدب عــــموما من خــلال الدراسات البنيوية ودراسة الرموز وإيحاءاتها العــــلمية، فمثلا عــــــندما يرد ذكـــر رمز العـــين فإن تحليلها لا بد أن ينطـــلق من معـــطــيات ” بيوفزيائية” و ” زمكانية “، فالرؤية في الليل غـــيرها فــــــي النهار، والعـــين المصابة ببعـد النظـر غـــيرها المصابة بقـــرب النظــر مما يؤثر مباشرة في التقــــييم الجمالي من فرد إلى آخــر. ويقولون إن المشاعـــر والأحاسيس والذوق انعـكاس رقـــــمي للطبيعة لدى المتـقبل من خلال علاقة التأثـر والتأثيـر وجـــدل الإنسان والطبيعة، أما الاتجاه الوجداني العـــربي فهــو اتجاه “إستيتيقي” يبحـث في جدلية الجـمال والقبـح والأحاسيس المتولدة عنهما، مركــزا عــلى الزخرف اللغوي معـطـيا للمعـنى قيمة ثانوية معـلـلا ذلــك بأن المعـــنى يتحــدد مـــــن خلال المتقبّل ومـــــدى ثقافـته وزاوية نظره.
وعلى خلفــية هـــذا النقاش انبثــق اتجاه تيولوجي ميتافـــيزيقي يكـذّب كـل الاتجاهات العــقـلية الكـافـرة – حسب زعمه -، ويبحث في دلالات الرموز باعـتبارها إشارات نستقـرأ منها الغـيب، فهي بمثابة القبس في الظلمة تهدينا السبيل القويم، وتُوجّه أفكارنا، ومـن ثــمّ دفّـة العـالم لمراد الله, ورسائل الغيب هـذه لا يمكـن فـك شفرتها إلا مـــن العـارفين الذيـــن بلغـوا أشواطا متقـــدمة في الترقي في معــارج الرحمان، فهي بمثابة الكشف الإلهي وأنوار تضيء لـنا الـدرب مـــن خــــلال هؤلاء العـارفين المصطفيـن من الله المميزين بالكمال العـقــلي والعــصمة في السلوك بما أودع الله فيهم من أسرار العـــلوم، فخــوّلهم إلى استكـناه مراده من إشاراته ومن شرعه وما عـلى العامة -وهـم باقي الخـــلق- سوى التسليم والإذعـان دون نـقاش لأن الناقـــص لا يمكن له محاكمة الكامل أوالاعـتراض على حــكمه وإن بـــدا غـــريبا لأن نقـــصه لا يُخوّل له المعرفة الكاملة بغايـة الكامل مــن أحكامه، ولا تُكــلّـف نفس إلا وسعها .
ذهـب بعــض العارفين إلى أن هــذه الظاهــرة برمـتها أي الجلـد واكتشافــه ومكتشفته هي آية من آيات الله العـظمى ترشدنا إلى قــرب يوم الدينونة وكيفية النهاية. فـسروا زرقة العـينين على أنها رمز الماء الذي سيغـمر الكون لينهـيه غـــرقا ويعــيــده إلى بدايته الأولى كما بدأ أول مرة، حـيث كان عــرش الرحمان عــلى الماء. وانبثاق الماء سيكون من ألمانيا من جهة بحـر الشمال أو بحر البلطيق، وقالوا إن طوفان نوح فاض من هناك أيـضا، ودعـّموا حججهم باعــتبار الحرب العالمية الأولى والثانية إشارة من الإشارات التي لا يمكـن تغافـــلها، فألمانيا هي المتسبب فيها وهـي دلالة عـلى دورها الأساسي في الآيات الكونية العــظـمى، كما تسببت فــي الحربين الكونيتين. وأما الدم الحار الذي يسري في الجلد فدلالته إمكانية البعــث بعــد الموت، فاحتواء قطعة الجلـد دما حـارا يجري داخلها هو إشارة الحياة، والخلاصة أن يوم الدينونة قـد أزف، فهـو قاب قوسين أو أدنى.
وانبـرى العديد من المهتمين بالغـيب وإشاراته إلـى الحساب العــددي لتحديد تاريخ الساعة من خـلال تجميع معـطياتها والبحـث عـن الروابط بــيـنها للتدليل عـلى حكـمتها وبالتالي صحة نتائجهم، فاحتسبوا حروف اسم زرقاء العـــــينيـن وأمها صوفي من خلال قيمه العددية. وجمعوا القيم العـددية لكـل حــرف مـــن الأسماء الرئييسية المتسببة في الأحداث الكبرى، وسجـلوا تاريخ ميلادهم وطولهم، كما ســــجلوا تاريخ طـوفان نوح وتاريخ الحـربين العالميتين الأولى والثانية وتاريخ ذي القرنين وإحداثيات ألمانيا الجغرافية وكــثافـة الماء وطــول خـطوط الجـلــد والمسافة التي تـفـصل بـينها وطول موجة كل لون. و بحـثوا في تاريخ الأديان عـن نبوءات تخدم تصوراتهم، فـدرسوا الكتب السـماوية وسير الصالحين، فخرجت نتائج مختلفة بلْبلت الناس المؤمـنين أصلا بقيام الساعة، فـلا فـارق في قـربها أو في بعــدها بما أنها حتمية والموت متربـص بالجميع بحلولها أو بعـدمه
محمد الصالح/الوشم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*