من عُسْر المخاض يولد النّصّ..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

إنّ المتَصَفّح للنّصوص المَكْتُوبة إمّا صُدفة وَجَدها بين يديه وأمام ناظِرَيْه أو تمّ اختيارها عن دِرَاية ورَغْبة، سواء وفّر لها من الوقت والاهتمام أو تركها حَالَمَا مَسَكها، قد لا تكون له معرفة بما يَتَخَفَّى من حالات ومعاناة ومَخَاض وعُسْر ولادة قبل وخلال ولحظة وضع النّص على الوَرَق! فما النّص وكيف يَثْقُل محتواه في بَطْن فكر النّاص وهو في أوْج التَّكَوّن والتَّشَكّل؟ ما نوعيّة العلاقة الثُلَاثيّة بين النّاص والنّص والقارئ؟
1-في دلالة النّص:
قد يتصوّر البعض أن النّص المكتُوب ليس إلاّ مجرّد مجموعة مُتَرَاصّة من الكلمات والعبارات والجُمَل المُتَتَالية المطروحة على الورق والتي إن لم تُرْهِق القارئ فهي تَهْدِر له من الوقت وتُضَيّع له الفُرَصَ المتَاحَة لقضاء مصلحة ما! أو يضُنُّ بعضهم أيضا أن الكتاب الورقيّ لم تعد له قيمة تُذكر في هذا العصر الّذي انغمس في الالكترونيّ والرَّقميّ بحيث أصبح تَصَفُّح صفحات كتاب ما من مظاهر التّخلّف… ولا نُجانب الصّواب حين نذهب مع هؤلاء مسافة قصيرة ونعتبر معهم أن النّص في التّعريف المبدئيّ والمعْجَمِيّ مُستمد من فعل “نصّص” وتعني كل شيء ظاهر وواضح، فهو إذن ظاهرة لغويّة أو جسم فيزيائيّ ملموس يحمل بين طيّاته مجموعة من الأوراق تتكوّن هي أيضا من صفحات يزيد عدَدُها أو يَنْقص حسب حجم الكتاب ومقاساته كما يحتوي أيضا على مجموعة من الأفكار والقضايا التي تكون الدّافع الأساسيّ لكتابة النّص. وقد لا يجلب الانتباه لمن يمرّ بجانبه أو ُيُلقي نظرة على غلافه وعنوانه، إلاّ ما قلّ من المهتمّين والمولعين بالكتب وبالمطَالعة.

وفي الواقع إن هذا الشّكل الظّاهريّ للنّص وللكتاب عموما وإن كان يُضفى على المنتوج درجة من الاهتمام والانجذاب وأيضا درجة من التّسْويق فهو لا يمثّل إلاّ الجانب الماديّ له أو الشّكل الفيزيائيّ الذي تزيد قيمتُه أو تنقص حسب ما يُخفيه من محتوى ومضمون ولا يمكن للشّكل أن يُغَيِّب القيمة الفكريّة والمعرفيّة والعلميّة للمحتوى. لذا نعتبر أن كلّ نصّ يتحدّد بما هو بِنْية متكاملة بين الشّكل ” أي العبارات والكلمات والجمل وكل ما يُسَاهم في تركيب النّصّ”، و”المضمون ” أي المفاهيم والمعاني والقضايا والرّسائل التي يريد الكاتب إيصالها للقارئ والتّبليغ عنها.
2 – عُسْرُ ولادة النّصّ:
إن كان الشّكل وتصميم الغلاف وصفحات الكتاب الدّاخليّة من صُنْع التّقنيّين ومُجَهِّزي النُّصُوص… فإنّ ما يتضمّنه النّصّ يعود مباشرة إلى المؤَلِّف في مرحلة الإنشاء والتّكوِّن كما يعود إلى ماضٍ مُرْهق وجهدٍ فكريٍّ مُضْنٍ ومعاناة قد تُلازم الكاتب زمنا طويلا…فليس من السّهل أن نفكّر ونُبدع ونكتب! فتجربة الكتابة ومعاناة التّفكير تمُاثل التّجربة الصّوفيّة التي لا يعرف كُنْهها وعمقها إلا من مرّ بها وعاشها. إنَّنا نعتقد ونحن على بَيِّنة أن الكتابة أو بالأحرى اختلاجات التّفكير الباطنيّ لها من العُسْر والمعاناة فترة تراقص الأفكار وتزاحُمِها وتضاربها وتقاربها وتباعدها وفوضاها وغموضها ووضوحها ممّا يُحدث في نفسيّة الكاتب المفكّر ضروبا من القلق والأرق والتَّوتّر وحالات من الكآبة والحزن وكثيرا من الهواجس التي تسكن المفكِّر الكاتب قبل أن يبدأ في الكتابة، وإلاّ ما الّذي دعا بالمفكّر التّونسي محمود المسعدي إلى القول: “الأدب مأساة أو لا يكون”!؟ فالكتابة مهما كان موضوعها وجنسها تبدأ قبل أن تُولَد الكلمة، تَبْدأ فكرة أو صورة أو إشكال لها مُثِيراتها ولها مصادرها، لكنّها في الذّهن هي صورة مجرّدة أو فكرة قبليّة نظريّة تندمج مع اختلاجات الإنسان المفكّر أو “الكاتب بالقوّة” حسب عبارة أرسطو، وهذه الفكرة المحوريّة التي جَلَبَتْ ذهنَ المفكّر واثارت اهتمامه تأخذ طبيعة الخليّة في تقسيماتها وتفريعاتها وتكاثُرها وتزاحمها فكما أن الخليّة الحيّة يتكثّف انقسامها المضَاعَف، كذا الفكرة في الذّهن تتوالد من بعضها وتتفرّع وينمو بعضُها ويتلاشى الآخر وإنّ هذا السّيْل من الأفكار الذي ما يزال في رحم الفكر يبحث لنفسه عن بنية متماسكة ومنظّمة تُشبه تماما حالة صراع الخلايا الاختزاليّة وهي تسعى لتستقرّ في رَحِمِ الأمّ ساعة بدأ تكوين الجنين، وقد تُحدِث “الأفكار الاختزاليّة” التي تتراقص في رَحِم المفكِّر نفس الأعراض التي تَحْدُث للأمِّ في بداية حملها! قلق متواصل لفترة ما، توتّر شبه دائم، عُسْر في هضم الرُّؤى والصُّور والأفكار وفوضى تواجدها وصعوبة ترتيبها لمدى تشابُكِهَا وتشعّبها ومعاناة بلورتها وتأليفها. تلك هي حالة الفكر وهو في طور الاستعداد لبناء النّصّ وتلك هي حالة المفكّر وهو يستعدّ للحظات المخاض، إنها حالة مأساويّة بامتياز لكنّها تحتوي على لذّة لا تُضَاهَى، لذّة الإحساس والتَّيقّن بأنَّ الفكر يعمل وينشط أي يحكم ويُقِرّ ويقبل ويرفض وينفي ويُؤكّد ويتصوّر ويُصوّر وهو في كلّ ذلك يتحرّر من قيود الملَل والكَسَل. إن هذه اللّحظات من التَّأمّل والتّفكير تهُدي للمفكرّ بطاقة التّمَوضع في الوجود وتمعينه للعالم كما تمنحه فرصة العبور عبر الزّمن إلى عوالم أخرى يَصْعُب عادة ارتيادها! فكما أن الولادة لدى الأم هي امتداد لوجودها ودليل تمَوْضعها كذا ولادة النّص بالنّسبة لصاحبه امتداد له وتعبير عنه وتجسيد لإبداعه. وكما لا تُقاس فرحة الأم إلاّ بتجاوز لحظات عُسْر معاناة الانتظار وتعدّي آلام المخاض وتخلّص الجني من رحم الأم ومعانقته للحياة، كما هو الحال حين تَنْفلت الأفكار من سجن بطن الفكر وتُطرح على الورق متسارعة ومتجسّدة في كلمات وعبارات وجُمل منظّمة التَّركيب ومتناسقة المعاني فتأخذ أجناسا متنوّعة من النّصوص الشّعريّة والنّثريّة وغيرها وتحمل في بطنها ما تحمل من الأفكار والقضايا والاشكالات والهواجس والاختلاجات …إلخ
لكن بعد الخلاص من ازدحام الأفكار في رحم الذّهن وسقوطها على الورق واحتواء الكتاب لها وضمّها بين دفّتيه، أيُّ مصير ينتظر هذا المولود الجديد؟ وأيُّ موقع يتّخذه النّص في علاقته بالنّاص والقارئ؟
3- في علاقة النّص بالنّاص والقارئ:
إن هذا الإنتاج أو المولود الجديد حالما يسجّل حضوره على السّاحة الفكريّة، يُفْطَم للتَوِّ وينفصل عن صاحبه، مُبدعُه ومنشؤُه. صحيح أنّ محتوى النّص والأفكار التي يطرحها والمواقف التي يؤكّدها أو ينفيها والمواضيع التي يتناولها والاشكالات التي يثيرها هي في الأصل مِلْكه وتعود إليه، فالنّصّ يعكس النّاص بالطّبيعة ويعبّر عن فكره ووجدانه وأحاسيسه وانفعالاته، لقد تغذّت من رَحِمِ فكره وترعرعت داخله ونمت في خياله، لكنّ يتفقّر النّصّ ويضعف ويتلاشى إن بقي بين أحضان صاحبه أو على رفوف المكتبات، لذلك لا قيمة للكتاب ولا أهميّة للنّص مهما كان جنسه إن لم ينفصل عن صاحبه ولو ظرفيّا ليجد مرتعا له بين أحضان قُرّائه حيث يتغذّى من جديد وينمو وتُسجّل له ولادات جديدة داخل عمليّات تلاقح وتفاعل، في هذه العمليّة بالذّات يتحوّل الكتاب من مجرّد كائن ماديّ يحتوي على مجموعة من الأوراق إلى ذات حقيقيّة تربطه علاقات اندماجيّة وتفاعليّة وفكريّة أيضا مع ذوات أخرى من القرّاء، فالنّصّ ذاتٌ مُفعمة بالأفكار والرُّؤى والقضايا… التي تبحث لها عن مُجادل داخل مِسَاحات من التَّفاعل الفكريّ والوجدانيّ حسب طبيعة النّصّ وجنسه، وفي كلّ الحالات يتوقّف نجاح النّص وتتحدّد قيمة الكتاب بمدى قدرة الكاتب بأسلوبه الخاصّ على أن يَرُجّ ذهنَ القارئ أو يجذبه له أو يؤثّر فيه أو يُثير له مجموعة من الأسئلة و يبعث فيه من الحيرة ما يدفعه إلى مضاعفة اهتمامه بمحتوى النّصّ وإثرائه وبالتّالي إعطائه تأشيرة حياة متجدّدة على الدّوام. وهو ما يُؤكّد قول محمود المسعدي: “إن كلّ قراءة جديدة للنّص هي خلق جديد له”.

3 Replies to “من عُسْر المخاض يولد النّصّ..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

  1. جيد جدا استاذنا ما قدمته لنا من معلومات و مفاهيم و نظريات حول ولادة النص و القصيد و الرواية وخاصة نه احاطتك بمعاناة الكاتب الشبيه بالمتصوف والباحث المهوس بالاكتشاف المتواصل لما خفي عن الانظار و ما غاب عن الذهن إلى جانب شوقه إلى رؤية نصه يخترق الصمت و يشد اهتمام قارىء واحد على الاقل كي يبعث من جديد حسب ما قاله الأديب محمود النسعدي
    شكرا لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*