العنف علامة يأس وانتحار لكل القيم الإنسانيّة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

        لم يَسْعَ الإنسانُ منذ بديات تاريخه إلى إيجاد مناخٍ ضابطٍ لسلوكه ضمن المجموعة، التي بدونها لا يقدر على توفير أدنى شروط الحياة، إلا من أجل أن يحُدَّ قدْرَ الإمكان من العُنْف الطّبيعي المسلّط على الأفراد ضدّ الأفراد وتجنّب حرب الكلّ ضد الكلّ من أجل البقاء والعيش الآمن ولم يتمكّن الإنسان من ذلك إلا بعد ما وفّر لنفسه نظاما اجتماعيًّا يقوم في البدء على بعض التّعاقدات والتّواضعات التي تتَّفِق عليها المجموعة ثمّ مع توسّع دائرة المجتمع البشري التجأ الإنسان إلى الأعراف والضّوابط التي نظّمت في بداية تاريخ البشريّة علاقاتهم ببعض فكانت الحاجة إلى الاحتكام إلى شيخ القبيلة ثمّ السيّد المالك للأرض والضابط لعلاقات المتواجدين عليها ثمّ الأمير ثمّ الملك والسّلطان… إلخ وهكذا كانت ضرورة قيام السّلطة المتمثّلة في الأشخاص الّذين شرَّعُوا لأنفسهم ممارستها بالاعتماد على أُسُسٍ ومصادرَ متنوِّعة كالقوّة والدّين والشّخص الزّعيم صاحب السّيادة والكاريزم، وكانت كلّها رغم اختلافها مُجْمِعَة على إطلاقيَّة الحكم والتّصرّف في الأملاك والعباد مقابل توفير الأمن الدّاخلي والسّلم الخارجي لأفراد المجتمع الواحد والتّقليص من العنف الطّبيعي المسلَّط عليهم. لكنّ لا أحد ينكر اليوم مساوئ هذا النّوع من السّلطة الدّكتاتوريّة الاستبداديّة وما قامت به وما تزال من ممارسات قمع وانتهاكات لأدنى حقوق الإنسان! لذلك ارتأت الشّعوب اليوم أن تنْقلب على هذه الأنظمة القمعيّة وتَبني بدلا منها نُظُما وان اختلفت في هياكلها فإنها تسعى لإرساء دعائم الحكم الدّيمقراطي مُرَاهنة بذلك على الحقوق الكونيّة للإنسان.

لكن هل تمكّنت هذه النّظم فعلا من تخليص المجتمع من العُنف المسلَّط على الأفراد سواء العُنف المؤسّسي أو الفردي؟ وفي أيَّة حالة يظهر العنف كعلامة يأس من الإنسانية وطعن لقيمها وانتهاك لحريّة البشر وكرامتهم ومتى يكون محافظا عليها؟ هل يتعارض العنف مع الحقّ في دولة الحقّ؟
أسئلة كهذه وغيرها كثير، تُثَار في الذّهن ويُعاد طرحها بإلحاح خاصّة في الأوضاع العالميّة الرَّاهنة وما أفرزته من مظاهر عنف غريبة على المجتمع الإنساني ونابعة من وحشيّة لا تعكس جوهر الإنسان ولا حتى طبيعة الحيوان. فلماذا تزايدت ممارسات العنف بمختلف أشكالها وبتنوّع وسائلها في المجتمعات العربيّة وكذلك في أنحاء عدّة من العالم!؟ ما الّذي حدث للإنسان حتّى يتنكّر لإنسانيّته ويطمس كرامته وينتحر حين يسْتَسْهل تعنيف وتقتيل الإنسان!؟ إلى أيّ مبادئ يمتثل وبأيّ قيم يعتقد؟ أسئلة محيّرة فعلا يُفرزها وضع عالميّ بركانيّ راغب في الحرب وما تذريه له من ثروات ضارب عرض جدار الصّمت أهم الحقوق الإنسانيّة وهي الحق في الحياة والحق في الكرامة.

1-في دلالة العنف ومصادره:
إن العنف La Violenceفي أصله اللّغوي هو الإفراط في استعمال القوّةLa puissance والعنف مرادف لكلمة الشّدّة والقسوة، والقوّة مقابلة للحقّ لأنها ليست حقّا وإنما هي وسيلة للدّفاع عن الحق أو أداة تُستعْمَل لمنع صاحب الحقّ من التمتّع بحقّه. وعندما نَنْزِل بظاهرة العنْف إلى مستوى الممارسة والسّلوك اليوميّ نجده يتجسّد في القمع المسلَّط على الأفراد سواء بحرمانهم من حقوقهم المدنيّة والسّياسيّة أو إنزال العقاب الجسديّ والمعنويّ على شخصهم. لذلك يتحدّد العنف ضمن نوعين هما عنف جسديّ وعنف معنويّ، والعنف الجسدي هو تسليط العقاب على أجساد النّاس ماديّا وتعذيبها وإيذائِها بأبشع الوسائل وسجنها وحرمانها من حقوقها الطّبيعيّة أمّا العنف المعنويّ فيتمثّل في حرمان الإنسان من حقوقه المدنيّة والسّياسيّة كما يتمثّل أيضا في كلّ ما يتعرّض إليه الشّخص من إهانات تحطّ من كيانه الإنسانيّ وتقمع فكره وتُزَعْزِع استقراره النّفسيّ والاجتماعيّ وكذلك ما يمكن أن يتعرّض إليه الإنسان من أنواع السّبّ والشّتم والنّعوت المذلّة لاحترام الإنسان لذاته ولا يَخْفَى أنَّ هذه الممارسات الشّنيعة امتلأت بها مراكز الاعتقال والسّجون في كثير من بلدان العالم وفي كل البلدان ذات النّظام القمعي الدّكتاتوريّ، وفي جميع الحالات نحن أمام طعن لإنسانيّة الإنسان وهَتْكٍ لكرامته. وقد تتفاقم ظاهرة العنف في المجتمعات وتحتدّ ممارستُهَا على الأفراد والمؤسّسات والنُّظم في حالة الانقلابات السّياسيّة أو الثّورات أو في حالة الحروب وكلُّها وضعيّات يغيب فيها السّلم ويَنْفَلِتُ حكم الدّولة ويتصدّر العنف بتنوّع أسلحته كلغة وحيدة لافتكاك الحقّ. ولعلّ الأمثلة على هذه الوضعيّات ليست غريبة عن مجتمعاتنا المعاصر وخاصّة منها المجتمعات العربيّة. وإنّ ما يبرّر سيادة العنف بجميع أشكاله وغياب الحقّ، ضعف هيبة الدَّولة وانفلات لسلطة القانون أو دخول المجتمعات نتيجة صراعات مصلحيّة بالأساس داخليّا وخارجيّا في حالة حرب الكلّ ضدّ الكلّ فيبلغ العنف أقصاه في القتل والتّمثيل بالأجساد ووحشيّة التّنكيل بها. ولا يخفى أن العنف الممارَس ضد الأفراد سواء كان مصدره الفرد أو المنظّمة أو مؤسّسات الدّولة لا يمكن أن يكون شرعيّا ولا قانونيّا طالما أنه يمارَس لقمع الأفراد والمجتمعات وحرمانها من حقّها في التّمتّع بحقوقها…في حين أن للدّولة حقّ الانفراد باستعمال القوّة مستندة في ذلك على الشّرعيّة والقانونيّة داخل نظام ديمقراطيّ يُرَاهن على إنسانيّة الإنسان ويسعى إلى الدِّفاع عن حقوقه وضمانها باستعمال وسائل الرّدْع وأدوات العنف المسموح بها داخل مؤسّسات الدّولة المستنِدة على قوّة القانون. وهذا النّوع من العنف يُعدّ شرعيّا طالما أن المجموعة الوطنيّة تقرّه وتتَّفق عليه وتُلِحّ على تطبيقه ضدّ الأفراد الذين ينتهكون حقوق الأفراد، وهو قانونيٌّ بمعنى محدَّد دستوريّا ضمن مؤسّسات الدّولة.

2-العنف يأس من الإنسانيّة وانتحار لها:
رغم مساعي مُعْظم الدّول ذات السّيادة القانونيّة والشّرعية الدّستوريّة المتينة والقويّة في التّقليص أكثر ما يمكن من ممارسات العنف ضد الأفراد وضمان أكثر ما يمكن من الحقوق المدنيّة والفكريّة والسّياسيّة ضمن إطار قانونيّ متماسك يخضع له المجتمع كبنية كليّة ومتماسكة فإنّنا نواجه اليوم ظاهرة جديدة وغريبة من العنف يمكن نعته بالعنف “المنظِّم” خارج كيان الدّولة وإن كان يُعتَقد في كونه وسيلة دولة! إن هذه الظّاهرة انتشرت في معظم أنحاء العالم تستعمل الدّين الإسلاميّ كتعلّة استراتيجيّة لفرض “إيديولوجية” لا صلة لها بمحتوى الدّين ولا بالنّظم المدنيّة إنها “الإيديولوجيا الدّاعشيّة” التي استعملت البشر قنابل موقوتة لتهتك بها البلاد والعباد فاستعملت أبشع عمليّات العنف، مرماها الأبرياء من البشر في المساجد والمطاعم ومحطات الرّتل والشّارع عموما… تُقَتِّل النّاس وتُنَكِّل بهم وتجرُؤ على ذبْح المسلمين وغيرهم دون هوادة، هدفها “بناء دولة إسلاميّة”! مفارقة وهميّة كبرى كان ضحيّتها آلاف من الأطفال والشّيوخ والنّساء والرّجال الّذين لا صلة لهم إطلاقا بهذا “الكابوس”! وإذا كان “ميشال فوكو” في المنتصف الثّاني من القرن العشرين قد أعلن بأعلى صوته “موت الإنسان” فإنّنا في هذا الرّبع الأوَّل من القرن الواحد والعشرين نعلن ونحن نَصْرُخ صرْخَة فزعٍ “انتحار الإنسانيّة” إذ أمام هذه الظّاهرة الغريبة والمؤْلمة جدّا والمرْبِكة للجميع، يستوي فيها الجلاّد بالضّحيّة، فحين يُقَتِّل الجلاّد ضحاياه يَنْتَحِرُ مرّتين الأولى حين يضع حدّا لحياته الماديّة الجسديّة بعمليّاته الانتحاريّة ثمّ المرّة الثّانية ينتحر معنويّا بهتك كيانه وهو الأخطر لأّنه الأعنف والمدمّر للإنسانيّة، فهو يدمّر ذاته الإنسانيّة بنفي وإقصاء وتدمير الآخر الذي يمثّل في عمقه شرطَ الوعيَ بالأنا! “فالدَّاعشيّة” لم ّتُرْبِك الدّول فحسب بل دون وعي منها، لأنها أصلا فاقدة للوعي، هَتَكتْ الشّروط الجوهريّة لإمكانيّة التّعايش السّلمي للإنسانيّة القائم على الحقوق الكونيّة بين البشر رغم التَّنوّع والاختلاف.
ثمّ أخيرا إن العنف مهما كانت مصادره وغاياته ومهما كانت شرعيّته وقانونيّته يبقى دوما تعبيرا عن حالة عجز وحالة ضعف دفينين في أعماق المعَنِّف ولا يفضح إلاّ حالة اليأس من الأسس والقيم والدّعائم التي تقوم عليها العلاقات الإنسانيّة، إنه غير قادر على تبنّي منطق الحوار والتّفاعل مع الآخر، ونتيجة ذهنيّة متكلّسة وعدوانيّة مرضيّة عميقة يرفض الانفتاح على الآخر ويُقصي كل مبادرة للتَّواصل البنّاء وقبول مبدأ الاختلاف واعتناق قيمة التّسامح ولا يجد ملجأ لإخفاء عقده وكبوتاته إلاّ في السّلوك الوحشيّ المدمّر للذّات الفرديّة وللكيان الإنسانيّ.

One Reply to “العنف علامة يأس وانتحار لكل القيم الإنسانيّة..! بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*