السّيّارة… قصة قصيرة بقلم الكاتبة نعيمة قربع من تونس.

السّيّارة السّوداء المجنونة التي فاجأتني في أحد المنعطفات هي آخر مشهد حفظته ذاكرتي و تجمّدت عنده .. وقفت عاجزا عن الحركة و قد انفجرت كرة الخوف في بطني فتشظّت ساقاي .. كلّ شيء توقّف عند تلك اللّحظة .. لم أر وجه السّائق و لا أذكر أيّة تفاصيل أخرى عدا كتلة مرعبة من السّواد تدهمني و تملأ عينيّ ظلمة حالكة …
أيقظتني صفعات خفيفة متتالية و صوت يردّد في إلحاح:
-افتح عينيك .. أنت بخير .. تنفّس عميقا .. افتح عينيك …
بصعوبة بالغة رفعت جفنين ثقيلين و فتحت عينيّ قليلا فوقع نظري على ابتسامة نصر تعلو وجه الطّبيب .. أمسك بيدي يجسّ نبضي ثمّ قال وهو يفتح بأصابعه جفني وينحني لينظر في قاع عيني:
-لقد كتب لك عمر جديد .. الآن تجاوزت مرحلة الخطر ..
فهمت أنّه الطّبيب الجرّاح الذي أنقد حياتي فقد التفّت حوله ممرّضات يهنّئنه و يشهدن بشجاعته و كفاءته العالية .. إنّها لمعجزة .. هكذا قيل .. أكثر من عشر ساعات دامت عمليّة إنقاذ جسدي و إخراج ستّ رصاصات من أماكن مختلفة .. بطني و عنقي و كتفي و ساقي … ” نجوت بأعجوبة ” ردّدوها مرارا …
لكن ما بالهم يتحدّثون عن الرّصاص وأهذي أنا بالسّيّارة السّوداء المجنونة؟
خرجت من المستشفى و قد انفرط عقد الزّمن من يدي تبعثر و ضاع فلم أدر شيئا عن سنوات طويلة عشتها بلا ذاكرة بعد حادث السّيّارة ذاك وحدي أذكره و وحدي توقّفت هناك .. لا أعرف كيف عشت بعد ذلك الحادث وماذا فعلت؟ لا أعرف رصاص من أصابني ونخر جسدي ذات رمضان؟ … لا أدري أصوت الرّصاص أيقظ ذاكرتي النّائمة أم الثّقوب المؤلمة في جسدي؟ كلّ ما أعرفه أنّي عشت طويلا بلا ذاكرة والآن أعيش بلا ذكريات …!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*