قراءة في قصيدة” جحود” للشاعرة لطيفة جلاصي بقلم الشاعرة جميلة بلطي عطوي من تونس.

جحود
حسبنا الله ونعم الوكيل
دفعوا بمستقبل الوطن إلى الجحيم
أباحوا الكره والحقد بين البنين
فأضحى المربي شيطانهم الرجيم
بعد ان كان بمنزلة الرسول الكريم
عشقوا الفوضي والجهل
و اعلنوا لهما الدعوة
هدفهم ان نمتطي الجهل
ونسبح في بحر من الظلمة
حزني ووجعي على وطن
المعلم فيه يلام
ودون وجه حق يهان
يطعن بالساطور والسكين
بيد تلميذ ظنه ابنه الأمين
علمه الحرف والكلمة
وزرع بقلبه الرحمة
ولكنه اختار الجحود والغدر
وبأفكار ابليس تزود
ازبد …عربد…
وبدم استاذه كتب
احذروا السخط والغضب
فصار بين اترابه القدوة
لطيفة محمد الجلاصي
التحليل
“يعدّ العنوان من أهمّ العتبات النصيّة الموازية المحيطة بالنصّ الرئيس ، حيث يساهم في توضيح دلالات النص ، واستكشاف معانيه الظاهرة والخفية ان فهما وأن تفسيراً وأن تفكيكاً وان تركيباً. ومن ثم فالعنوان هو المفتاح الضّروري لسبر أغوار النصّ ، والتعمق في شعابه التائهة، والسفر في دهاليزه الممتدة.”
بل البعض يقول ” العنوان هو النصّ والنصّ هو العنوان “
وعنوان “جحود ” ورد لفظا مفردا ،مصدرا لفعل جحد يجحد بمعنى انكر الشيء رغم علمه به والجحود أيضا هو عدم الاعتراف بالجميل .
والشاعرة من خلال العنوان تطلق صرخة تؤبّن فيها انهيار القيم في علاقة ثنائية بين فاعل الجميل وناكره
من أجل ذلك تستهلّ القصيدة ب “حسبنا الله ونعم الوكيل ” وهو قول
المسلم عندما يتعرّض للظلم في الحياة أو عند الردّ على المنافقين الذي يريدون إضعاف عقيدته فيقول حسبي الله ونعم الوكيل، ويكون معنى هذا الذكر أن الله سبحانه وتعالى هو حسب هذا المسلم أي كافيه، والقائم على أمره في جميع شؤونه من رعاية ورحمة وحفظ وإجابة دعاء وكفّ الأذى والسوء عنه، وجلب الخير
وموقف الشاعرة من الواقع المفجع يتجلى من هذا المطلع الذي يثبت أن الإنسان اسقط في يده فبات عاجزا عن الفهم والوقوف في وجه التيار المخزي
ثم تتدرّج إلى التفصيل :
“دفعوا بمستقبل الوطن إلى الجحيم
أباحوا الحقد والكره بين البنين”
ليصدمنا هذا الضمير المستتر ” هم”
فمن يكونون يا ترى ؟
هؤلاء كما نفهم من السياق اعداء الإنسان يسعون إلى تدمير الوطن ببتّ الشقاق والفراق بين افراده (الجحيم.. الحقد .. الكره) كلمات من قاموس العدواونية التي تزرع في الناشئة ( البنين) حتى يتحولوا إلى معاول هدم ودمار
ولا خير في امة او وطن ضيّع نشأه فضاع.
الشاعرة هنا تهمس بأن أساليب التربية وتاطير الناشئة وحدها تكون جدار صد ضد؟ الضّياع بل اعتمادها يؤمّن حياة الأفراد والجماعات ويحمي الوطن من الهزّات .
لكن ما الذي يحدث ياترى ؟
إن المتأمّل في النص يكتشف ان الصيّادين في الماء العكر ضربوا الوطن في مقتل فإذا بالشّقاق يحدث الشّرخ بين الأفراد وخاصة في مجال يعتبر الرافعة الأساس لبناء الوطن ، التّعليم وما ادراك ما التّعليم إذ لا خير في امّة عمّها الجهل فبات ابناؤها اعداءها
والشاعرة تؤكد بمرارة أن الأمر خطير عندما يعتبر التلميذ معلمه عدوا بل ” شيطانا رجيما” فتنشا الهوّة بين المتعلّم والمعلّم ذاك الذي قيل فيه زمن الصدق والأمن
قم للمعلم وفّه التّبجيلا
كاد المعلم ان يكون رسولا
ذاك المربّي صاحب الرّسالة ، من يعدّ الأجيال درعا للوطن يضحي منبوذا ( يلام..يهان..يطعن) وهنا نستجلي المأساة التي تنشا فيها القطيعة بين المربّي والمتعلم ليُفتح باب الجهل على مصراعيه فتضيع الناشئة وتُهدر الاخلاق
بل يستشري العنف وتلك لعمري علامات على بداية الانهيار .
لذلك تقول الشاعرة ضمنيا متى ابيحت الفوضى اعلمْ أن الدّمار على الأبواب
وهاهي تجسّد الخطر الدّاهم فتعرض السلوكيات اللّاسوية التي تصبح عليها الأجيال ( البنين) فلا علم ولا رحمة بل
” بافكار إبليس تزود
أزلد .. عربد”
علامات لا تبشر بالخير والتلميذ يرفع في وجه استاذه السّاطور والسّكين
وبدمه يكتب الوعيد.
” احذروا السّخط واالغضب”
وتنقلب الموازين في زمن هجين .
يتحوّل فيه المربّي عدو المتعلمين
ويصبح العنيف مثلا يقتدى به
بل علامة تميّز في عرف المتمرّدين.
وأختم فأقول: القصيدة في مجملها صرخة مدويّة تعرّي أصحاب الاقنعة وتكشف النّوايا الخسيسة لدى باعة الوهم ، دعاة الزّيف والنّفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*