الكتاب الورقي والكتاب الرّقمي… بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

صادف أن زُرنا أخيرا المعرض الدُّوَلي للإعلاميّة والملتيميديا ، وكان شَغَفُنا كبيرا في البحث عن “قارئة الكتاب الرقمي” Liseuse تلك اللّوحة السّحريّة التي لا يزيد وزنها عن السَّبعين غراما أو المائة ولها نفس حجم الكتاب المتوسّط، وما لَفَت انتباهنا ليس فقط غيابها عند الباعة وتجّار الأجهزة الإلكترونيّة والّذين لديهم معرفة بما يحدث من تطوّر في هذا المجال الواسع ومترامي الأطراف بل الأغرب من كلّ ذلك أنّ هذه اللّوحة كانت غائبة غيابا مطلقا عن دائرة معارفهم بحيث كلّ من سألناهم عنها أجابوا وعلامات الحيرة والاستغراب تملأ أعينهم وملامح وجوههم فيكون جوابهم بكثير من الدّهشة:” ماذا تقصد بالكتاب الإلكتروني أو Liseuse !!؟؟” وقد لاحظنا خلطا غريبا بين اللّوحة الإلكترونية العادية Tablette وبين اللّوحة المختصّة في تجميع كميّة هائلة من الكُتُب إمَّا عن طريق عمليّة التَّنزيل المجانيّ أو عن طريق الاقتناء أو الشّراء عبر مواقع “النّت Net “، ولا يخفى ما لهذه الأداة من خصوصيّات ومزايا سواء في مستوى الكمّ أو في مستوى الكيف، فهي بما لديها من ذاكرة داخليّة ومن مساحة تخزين هامّة قادرة على أن تُوَفِر للقارئ كلّ ما يرغب في مطالعته من كتب ونشريّات وبحوث ودراسات بجميع لغات العالم بدون عناء، كما أن برمجيّتها الدّاخلية الذّاتية تسمح لمحبّي الكتب أن يُنظّموا مكتبتهم حسب المجال والنوع والجنس خاضعة في ذلك لإرادة القارئ لا غير ولها أيضا القدرة على شرح وتفسير الكلمات المستعصية حسب سياق النصّ وأيضا إمكانيّة ترجمة ما يريد القارئ ترجمته آنيّا…إلخ وغيرها من الخصائص التي تسعى لتوفير المناخ الملائم للمطالعة والبحث والدِّراسة. ولعلّ اهم خاصيّة تتمتّع بها هذه اللّوحة القارئة أنها تجعلك تشعر أنك لست غريبا عن الكتاب الورقيّ بل إنّك تُمسك كتابا “رقميّا” له نفس مميّزات الكتاب الورقيّ من حيث الإضاءة والتَّصّفُّح وسهولة الرُّجوع إلى الصَّفحة التي غادرت عندها الكتاب مع خفّة الحمل حيثما ذهبت.
ونحن نمرّ بين أروقة المعرض الدّولي للكتاب كان أمَلُنا أن تتواجد الّلوحة الرّقميّة للكتاب جنبا إلى جنب مع الكتاب الورقيّ حتّى يُسجّلا معًا هذا الاحتفال بالقرّاء وبالكلمة وبالمعرفة، فكان الإحساس مرّة ثانية بخيبة الأمل إذ لا حضور لهذا الكائن الغريب في معرضنا وبين كتبنا. الأمر الّذي يدعو إلى التّساؤل عن سرّ هذا الغياب في المناخ المعرفي وفي العقليّة التّونسيّة؟ هل لسنا معنيّين بما يحدث من تطوّر وتقدّم في وسائل التّواصل والاتصال المختصّة بالمجال المعرفي وبمتعة المطالعة؟ أم أن حاجتنا إلى الرّقميّ لا تعكس إلاّ رغباتنا اليوميّة وحاجاتنا المختلفة الماديّة فنهتمّ باقتناء الحواسيب والهواتف الذّكية التي تسهّل علينا التّعامل الوظيفيّ وغيره وتُلَبّي نهمنا في الغَوْص في مواقع التّواصل الاجتماعيّ ممّا أفقدنا شيئا فشيئا مجرّد التّفكير في إشباع احتياجاتنا الفكريّة والمعرفيّة فكان غياب الكتاب الورقيّ من مجال اهتمامنا وطبيعيّ جدّا ألاّ نفكّر قطّ في إمكانيّة وجود آلة أو لوحة رقميّة تُسمّى لوحة الكتاب إلكترونيّ؟
لا يمكن للكتاب الإلكتروني أن يقضي نهائيّا عن الكتاب الورقيّ، فكلّنا مرّ به ولو مرّة في حياته ذاك الشّعور بلذّة الملامسة الوَرَقيّة وسَعَادة مصادقة الكتاب الورقيّ والعناية به والمحافظة عليه وتجميع كُتُبِنا المحبّبة إلينا والقريبة من فكرنا والمشْبِعَة لفُضُولِنا المعرفيّ على رفوف مكتباتنا، فللكتاب الورقيّ حضور دائم ووجود حقيقيٌّ فيزيائيٌّ مُلَازم تماما للكتاب الإلكترونيّ، فهُما يسيران جنبا إلى جنب على دُرُوبِ المعرفة ولا نعتقد في رأينا أن لا حضور للواحد إلاّ بغياب الآخر! لذلك نعتبر أن مشكل: هل من مصالحة بين الكتاب الورقيّ والكتاب الرقميّ؟ هو مشكل مغلوط! فأين يكمن المشكل إذن؟

إنّه يكمن في ذواتنا وفي نمط تفكيرنا وفي أسُسِ ثقافتنا وفي وضعنا الرّاهن وموقفنا السّلبي والتّلقائيّ من الكتاب ككل ومن الرّغبة في المطالعة ومعاشرة الكتاب بما هو بوّابة تُفتح على جميع المعارف والحضارات. ففي أسبوع معرض الكتاب الدّولي بالعاصمة تعرّفنا على إحصائيّة قامت بها جهات مختصّة تُعلن أن ّنسبة الشّعب التّونسي المغرم بالمطالعة والمحبّ للكتاب أقل من 1% وهي نسبة صادمة ومُخجلة ومُعْلِنَة لنواقيس الخطر، الخطر على مصير الإنسان في الغياب المقصود والإراديّ لعدم الانخراط في المناخ المعرفي والحياة الثّقافيّة والعزوف عن الكتاب سواء كان ورقيّ أو إلكترونيّ. ولا يخفى أنّ النّصّ مهما كانت مادته ومهما تنوّعت سجلاّته وأجناسه الإبداعيّة والفنّية والعلميّة هو رهان تأسيس كيان الإنسان ذو الفكر الحرّ والمتفتّح والمتسامح والمعتدل في رؤيته لذاته ومعايشته للآخر رغم حتميّة الاختلاف كما أنّه يُعتبرُ شرط انتمائه لهذا الوجود الإنسانيّ الكونيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*