مرض “التوحّد الإلكتروني”Autisme électronique بقلم الكاتب فتحي جوعو من تونس.

       يعود اوّل اختراع للهاتف الجوّال أو المحمول إلى الباحث “مارتن كوبر” المولود في مدينة شيكاغو من أصل أوكراني المتحصّل على بكالوريوس الهندسة الكهربائيّة سنة 1950وكذلك شهادة الماجستير وقد اشتغل باحثا في شركة “موتورلا” للاتصالات. وفي سنة 1972 تحصّل على شهادة اختراع الهاتف اللاّسلكي الذي سُمِّي “بالهاتف الحِذَاء” لكِبَرِ حجمه وثِقَل وزْنِه وكان يحتاج إلى فترة 10ىساعات شحن لكي نتكلّم به نصف ساعة، ومثَّل هذا الاختراع أوّل نقطة تحوّل إلى العالم التّكنولوجي للهواتف المحمولة، في حين أن اختراع الحواسيب المبرمجة سابقا في الزّمن، فقد كان اختراعها على يد العالم الألماني “كونراد تسوزة” فيما بين عام 1936-1938.

ولقد طوّر مارتن كوبر اختراعه للهاتف اللاّسلكي بحيث تمكّن من التّخلُّص من ضرورة ارتباطه بالسّيارة نظرا لوزنه الثّقيل 10كلغ لكي يتطوّر ويُصْبح وزنه 1كغ مع إمكانية حمله والتّكلُّم به في أيّ مكان. ومنذ ذلك التّاريخ بدأت الشّركات المتعدّدة، نَذْكُر منها في ذلك الوقت “موتورلا” و”نوكيا” في تبنّي هذه الأجهزة والعمل جاهدة على تطويرها ففي النّصف الثّاني من تسعينات القرن الماضي طوّرت “نوكيا” من هواتفها الجوّالة بحيث أصبحت خفيفة الوزن وصغيرة الحجم وذات كفاءة اتّصال عالية، وانتشرت هذه الأجهزة بسُرعة في كافّة أنحاء العالم وساعدتها على هذا الانتشار الشّركات المختصّة في تأمين خدمات الاتّصال وتلاه انخفاض هامٌّ في أسعار المُكالمات. وقد حقّقت هذه الهواتف الخلويّة قفزتها النّوعيّة الأولى حين أُدْمِجَ فيها خدمات أخرى غير المكالمات الهاتفيّة كخدمة الرّسالة النصّيّة SMS ونذكر أنّ أوّل رسالة نصّيّة أُرْسِلَت بين هاتفين خلوييّن كانت في ديسمبر من سنة 1992وقد دفعت هذه الخدمة المُستحدثة بكثير من الشّركات إلى تطوير الخدمات المُدْمَجة داخل هذه الأجهزة ولعلّ القَفْزَة النّوعيّة الثّانية التي حقّقتها بعض الشّركات تتمثّل في توظيف “الملتميديا” أو “الوسائط المتعدّدة” في هذه الهواتف فلقد كان السّبق لشركة “شارب” في إدخال أوّل كاميرا رقميّة في أجهزتها في نوفمبر من عام 2000، ثمّ تلتها تطويرات وتحسينات قامت بها شركة “موتورلا “MOTOROLAو”آبلAPPLE” مكّن هذه الهواتف من استخدام مُشَغِّل IPOD وتمكين المستعْمِل من تحميل ما يريد عبر الأنترنت من الموسيقي والسّماع لها متى أراد ذلك، وطوّرت شركات أخرى مثل شركة “نوكيا” هواتفها لتستجيب لخدمة “الرّسائل اللحظيّة Messages instantanés ” وفي فنلندة تمكّنت بعض الشّركات من إدخال خدمة “الهاتف التلفزيون” عام 2005 وفي كوريا الجنوبية تمّ تطوير خدمة تحميل الأفلام المرئيّة على الهواتف النّقالة وقراءة عناوين الصّحف وتقديم خدمات أخرى مثل دفع المشتريات وحجز تذاكر الطّائرات والقطارات والكشف الخاصّ على حسابك البنكي وتحويل الأموال إلخ ويبدو أن كلّ هذه التّطوّرات والاكتشافات مهدّت إلى تحقيق الثّورة التِّكنولوجيّة النّوعيّة بلا منازع التي شَهِدَها عصرُنا وهي صناعة الهواتف الذّكيّة Smart phones بحيث ابتعدنا بهذا النّوع من مجرّد الخدمة الأصليّة التي تقتصر على مجرد المكالمات الهاتفيّة أو بعض الخدمات الأخرى المعهودة ودخلنا في عالم آخر رغم ما قدّمه لنا من خدمات جدّ رائعة في كثير من المجالات والميادين فهو أيضا قد أثار فينا إشكالات تكتسي خطورة هامّة وأوقعنا في وضعيّات يمكن نعتها بالمرضيّة!
1- الأجهزة الذكيّة ميزاتها ومخاطرها:
إنّ التّكنولوجيا المعاصرة التي تمكّنت من إدخال خاصّية الذّكاء على أجهزتها لا تقتصر فحسب على الهواتف اللاّسلكيّة بل عمّت أيضا اللّوحات الالكترونيّة والحواسيب المحمولة وغير المحمولة، لكن يبقى الهاتف المحمول الذّكي هو الأكثر انتشارا بين النّاس في العالم نظرا لصغر حجمه وإمكانيّة مُلَازَمَته لصاحبه أيْنَمَا ولّى وحيثما كان. وعلى سبيل المثال يمكن ذكر التّنافس الحاصل بين “آبل” و”سامسونغSamsung” في السّنوات القليلة الماضية بحيث بلغت شحنات الهواتف الذّكيّة بين هذين النّوعين 1,4 مليار جهاز سنة 2016 واحتلّت “سامسونغ المرتبة الأولى من المبيعات حيث بلغت 308.5 مليون جهاز في حين أن “آبل” احتلت مبيعاتها المرتبة الثّانية بعدد 215.5 مليون هاتف وإنّ نظام “اندرويدAndroid ” التَّابع “لغوغل Google” استحوذ على نسبة 85.1٪ في حين أن نظام “IOSلآبل” بقي في حدود 14.7٪.
ولا يخفى أن الهاتف الذّكيّ Smart phone هو مُصْطَلَح أُطلق على الهواتف المحمولة الحديثة والمعاصرة التي تستعمل نظام تشغيل متطوّر وقابل للتّطوّر السّريع ويتميّز بشاشة اللّمس Ecran Tactile ويحتوي على تَطْبِيقَات لا تُحْصَى ولا تُعدّ بحيث يمكن تَثْبِيتُها واستخدامها حسب احتياجات المسْتَعْملين في شتّى الميادين وقد تمكّنت هذه الهواتف بما لديها من ذاكرة قويّة جدًّا ومجال تخزين يزيد يوميًّا في الاتساع من منافسة الحواسيب المكتبيّة والمحمولة وكذلك اللّوحات الرقميّة نظرا لصغر حجم هذه الهواتف وخفَّة وزنها فأصبحت ملازمة لنا دوما، الأمر الذي جعل الكثير من المستعملين يستغنون عن الأجهزة الأخرى ويكتفون باستعمال الهاتف الذّكيّ الذي وفّر لهم كلّ ما يستحقّونه من الأجهزة الأخرى بل مكّنهم من الدّقّة في المعلومات والتّنوّع في البرمجيّات.
ورغم ما لهذا النّوع من الهواتف من كثافة على مستوى الخدمات ومن مزايا كثيرة جداّ على مستوى المعلومات ومن فضاءات متنوِّعة للتّرفيه والتّسلية وغيرها فإنَّ ما شدّ النّاس واستهواهم هو المجال السّمعي البصري نظرا لما بلغته هذه الهواتف الجوّالة من دقّة الصّورة الثّابتة والمتحرّكة وجودة الصّوت وحقّقت للمُشَاهدين والسّامعين مُتع كثيرة وسهولة في الحصول على أيّ قطعة موسيقيّة أو شريط أو “كليب موسيقيّ ” أو مشهد وثائقيّ وسينمائيّ في أي لحظة ومن أي موقع كما وفّر للمستعملين مجالات المواقع الاجتماعيّة مثل Facebook وTwitterو instagram التي حقّقت ثورة حقيقيّة في ربط العالم بشبكة سحريّة رقميّة وافتراضيّة قرّبت بين البشر ووثّقت علاقاتهم وعمّقتها، ويبقى المجال الهامّ الذي استهوى فئة واسعة من الشّباب فوفَّروا له أرقى الهواتف الذّكيّة هو مجال الألعاب الالكترونيّة. وإن كانت هذه بعض مزايا وخدمات الهواتف الذّكيّة التي تزيد وتتكاثر كلّ يوم فأين تكمن خطورتها؟
2- مرض التوحّد الالكتروني:
كان النّاس في الماضي القريب تربطهم شبكة من العلاقات أقلّ ما يُقال عنها أنَّها حقيقيّة وواقعيّة يُحقّقون من خلالها كلّ ما يستحقّونه من احتياجات مباشرة وغير مباشرة سواء كانت احتياجات إنسانيّة حميميّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة معرفيّة أو تجاريّة اقتصاديّة وغيرها وكانوا يوفّرون من أجل تحقيق هذه المطالب الخطاب اللّغوي الكلامي المباشر وكذلك وهذا الأهم يتحرّكون داخل فضاءات مكانيّة يُحقّقون داخلها أغراضهم فيُنَضِّمون لقاءات ثُنَائيّة وجماعيّة ويتفاعلون معها بشكل موضوعيّ Objectif في بعض المواقف والوضعيّات وعلى نحو بيذاتيّ intersubjectif في بعضها الآخر يسود في كلّ ذلك الحوار والتّفاعل والحضور الجسديّ خاصّة. تلك هي العلاقات الإنسانيّة الطّبيعيّة التي لازمت الإنسان منذ قديم الزّمان. لكن ما حدث منذ النّصف الثّاني من القرن العشرين وخاصّة في الرُّبع الأوّل من القرن الواحد والعشرين من ثورة إعلاميّة وتكنولوجيّة هائلة ومن تطوّر سريع جدّا للأجهزة الالكترونيّة غيّرت على نحو شبه كلّي مناخ الحياة الإنسانيّة والاجتماعيّة للبشر، وإن كانت قد سهّلت لهم شكلّ حياتهم ووفرت لهم كثيرا من الوقت كما أسْلَفْنَا وقَلَّصَتْ من معاناة التَّنقّل لقضاء الحاجات بضهور المواقع التّجاريّة الافتراضيّة وتعميم الخدمات الرَّقميّة في جميع الميادين تقريبا فإنّها قد قلّصت من الحركة الجسديّة خلال التنقّل طالما أن معظم احتياجاتنا نتحصّل عليها عبر النّت دون أن نتحرّك لها فتقلّص النَّشَاط وارتفعت نسب بعض الأمراض المزْمنة مثل مرض السُّكَّري و ضغط الدّم ومرض السِّمْنَة…خاصّة عند أولئك الّذين ليست لهم ثقافة ممارسة الرّياضة اليوميّة، ثمّ وإن تمكّنت هذه الأجهزة الذّكيّة من تقليص المسافة بين النّاس خاصّة داخل مساحات المواقع الاجتماعيّة بحيث مكّنتهم من التّعارف والتّخاطب عن بعد دون عناء فإنَّها أَفْقَدَتْهُم في المقابل مُتْعَة الملَاقَاة الواقعيّة والملَامَسَة الجَسَديّة والحُضُور الفِعْلِيّ والواقعيّ، إذ لم تُحدث بينهم هذه المواقع إلا تَلَاقِي رَقْميّ إن صَحَّت العبارة داخل عالم افتراضيّ ليس دوْما ذا مِصْداقيّة لا من حيث هويّة الشّخص الذي تَرْبِطُنا به علاقة ولا من حيث الثّقة المتبادلة ولا حتّى من حيث السُّلَّم القِيمِي نتيجة ما تتمتّع به هذه المواقع من حريّة إحداث العلاقات بمجرّد رَشْمِ “دَعْوَة”، ومن حريّة كتابة ونشر “التّغْرِيدَات” والتّعاليق والرّسائل الآنيّة والصّور والفيديو دون مراقبة وفي بعض الأحيان دون مسؤوليّة تُذكر، ولقد أثّرت هذه المواقع تأثيرا قويّا على نمط حياتنا وأخذت منّا كلّ مأخذ بل أَسَرَتْنا في شِبَاكِها واسْتَهْوَت على كلّ اهتماماتنا بحيث أصبح من العُسْرِ الاسْتِغْنَاء عنها طِوَال اليوم وجزء كبير من اللّيل زِدْ على ذلك الانغماس الكلّي في مواقع الأفلام بأنواعها والموسيقى وخاصّة الألعاب التي بلغت هذه الأيّام تطوّرا رهيبا في مستوى الدِّقّة والألوان والنّوعيّة وخاصّة مكّنت المغرمين بها من المشاركة في الألعاب التَّفَاعُليّة عبر الرّبط الآني بشبكات النّت، ولا يَخْفى ما لهذا الانغماس المشِطّ من مخاطر على الشّخص وعلى المجموعة!
لقد صنع لنا هذا العصر الإلكتروني نوعيّة جديدة من الإنسان المنْدَمِج اندماجا كليّا في عالمه الافتراضيّ والمنغمس انغماسا كليّا، فكرا وجسدا، داخل فضاءات لا وجود لها إلا في مخيّلته ومرتبط بعلاقات مُكَثَّفة ومُتَنَوّعة مع أشباح بشر لا دليل على وجودها إلاّ المخَيّلة الّتي كوّنها عنهم أو بعض الارساليّات والصّور ولقطات من الفيديو التي تُؤثّث عالمه الافتراضي الّذي تحوّل في أذهانهم إلى واقعيّ وحقيقيّ لَاذَ إليه هروبا من “واقع واقعيٍّ” لم يُرْضِه ولم يستجب لطُمُوحاته ولم يحقّق أحلامه إلخ… وهو في كلّ ذلك تَرْبِطُهُ علاقة فريدة ومُنْفَرِدَة بهاتفه الجوّال أو حاسوبه أو لوحته الرَّقميّة التي تُمثّل الوسيط المادي الفيزيائي واللّمسي الوحيد بينه وبين ذاك العالم. والغريب في الأمر أن هذا الانغماس الذي سيتحوّل إن عاجلا أو آجلا إلى إدمان يُنسي الشَخْصَ عالمه الواقعيّ ويُبعده عن محيطه الماديّ والاجتماعي بحيث يجعله متوحّدا مع آلته تلك ولم يعد يشعر بما يحيط به من بشر وشجر وحجر… إنّه متوحد مع عالمه الافتراضي الخاص به!
إنّ هذه الحالة الجديدة من الاغتراب التي أصبح عليها إنسان العصر هي التي نقترح تسميتها بحالة “مرض التَّوَحُّد الالكترونيّ” وهي ليست غريبة عن مرض التَّوحّد الطّبيعيّ أو “الذّاتويّة Autisme” كما يسمّيها الأطباء التي يمكن تعريفها بحالة اضطرابات نفسيّة تظهر في مرحلة مبكّرة من الطّفولة تجعل من الطّفل منكمشا على ذاته معزولا عن عالمه الخارجيّ ومحيطه لا تربطه أي علاقة مع الأفراد المحيطين به. وإنّ القاسَم المشترك بين هذه الحالة الطّبيعيّة والتّوحّد الالكترونيّ هي العُزْلَة والانْكِمَاش داخل العالم الخاصّ دون الشّعور في فترة الانغماس مع العالم الافتراضيّ بما يحدث في العالم الواقعيّ، ولا يخفى أن هذه الظّاهرة المرضيّة المعاصرة تزداد تفاقما يوما بعد يوم بين الأطفال والشّباب والكُهول ولعلّها وهنا تكمن الخطورة تُسَبِّبُ خاصّة عند الأطفال المشْدُودِين إلى الشّاشات الرَّقميّة لفترات طويلة في اليوم الإصابة بمرض التّوحّد الفعليّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*