مختبر الآداب بدار الثقافة فرنانة يحتفي بإصدار الكاتبة نفيسة وفاء مرزوقي “معلم الجمهورية” : عندما ينجح الأدب في اقتحام أسوار التاريخ وحفظ الذاكرة الوطنية وتقريبنا من أنفسنا..بقلم الكاتب رياض بوسليمي من تونس.

في جو من الدفئ والود الغامر، آنتظم اللقاء الأدبي الثاني من لقاءات نادي مختبر الآداب عشية السبت 30 نوفمبر 2019 بفضاء النادي بدار الثقافة بفرنانة بآستضافة متميّزة للشاعرة نفيسة وفاء مرزوقي ، وآتخذ هذا اللقاء شعار الوفاء لمن آمن بالثقافة والعلم في مقاومة الجهل والركود الفكري ، فطغت روح التواصل بين جيل مؤسس ورائد وبين جيل يحمل مشروع التغيير والبناء الوطني إنطلاقا من تجارب الرموز ..
التوهامي المرزوقي، آحتفت به آبنته كما لم يحتفي به أحد ، بلغتها الباذخة والمفتوحة على كل الروافد الفنية والآبداعية ، فلا نكاد نقف عند مدرسة أدبية في كتابة الشعر عندها ، فهو مزيج مثير وطريف بين مراجع الكتابة الجادة وبين ضرورات روح العصر وما تقتضيه من وضوح وسلاسة في إيصال المعنى لكل فئات الجمهور المتلقي ..
الشاعرة والناشطة المدنية والسياسية أرادت أن تربط الحاضر بالماضي بل أن تشد عضد الحاضر بأسس الماضي المتينة ربما يكون خوفها من ضبابية مستقبل الجمهورية ومآلات الوضع الراهن جعلها تعود إلى البناة لإستخلاص الدرس وإنارة درب للحالمين بوطن أفضل ..فكان لا بدا من العودة إلى رجل علم فذ ومناضل ومثقف ربط العلم والثقافة بالممارسة والملفت للإنتباه أن الشاعرة لم تتورط في الإتراء والمبالغة كما يفعل من يريد أن يحتفي برمز من رموز البناء الوطني ..بل قدمته بأسلوب رصين وثقة غير مبالغ فيها مما يكشف عن معدن هذه المرأة ذات التجربة الثريّة..التي ترفض دائما أن تكون أنثى..بل آمرأة ومواطنة تشترك في الحقوق والواجبات مع الرجل..
الروائي توفيق عثيمني، الذي يتقن الكتابة باللغتين، اللغة الأم ولغة فولتير، كانت قراءته للكتاب عنوان اللقاء “معلم الجمهورية” سلسة وآبداعية هي كذلك، فتفنن في تفكيك وتحليل ولو بإيجاز للفنيات الشعرية المستعملة لتخليد المسيرة المظفرة للمربي التوهامي المرزوقي الذي تدرج في الوظائف إلى أن إعتلى أرقى مناصب العلم في جهته ..وهو ما كشف عن تكوين متين في اللغة وبراعة في إقتحام العالم الإبداعي للمحتفى بها..فكان آنزياحه من الفنيات إلى المعاني والدلالات أنيقا فبرز حرفها ناضحا ليّنا حاويا لعديد الإيحاءات كما دل على قدرة الشاعرة على تطويع اللغة الفرنسية لرسم ملامح شخصية والدها وتخليدها بتقنيات وأسلوب فني مبهر جعلت من خلاله القارئ يقف حائرا أمام صور ولوحات تشكيلية فريدة ، فهي الفنانة التشكيلية الشاعرة والفن عندها إمكانيات جمالية لا تقف عند حد لرسم الأمل وتغيير الحياة إلى الأفضل..
وقد نجحت المبدعة في كسر جدار الكتابة التاريخية التي ظلت حكرا على المؤرخين أصحاب الصنعة ..وربطت بينها وبين الكتابة الأدبية ليصبح الأدب لغة التاريخ ، وبذلك يمكن القول أن شاعرتنا تمكنت من تحرير التاريخ والذاكرة وإتاحتها للجمهور من خلال الأدب والشعر..
من الصعب تناول هذه التجربة الإبداعية في لقاء واحد بالرغم من نجاح المبدع توفيق عثيمني من فك أسرار عالمها الإبداعي ..
اللقاء كان كذلك مناسبة للتعارف بين كتاب مدينة جندوبة وكتاب فرنانة أو على الأقل من يمثلهما فكان التواصل الثقافي سيد اللقاء وكسر كل حواجز التباعد الفكري بين المبدعين في الجهة، فالثقافة والفن لهما لغة واحدة مهما آختلفت الأماكن وتباعدت الأوقات والأزمنة..ولهما باب واحد كذلك لا يدخله إلاّ من كان مبدعا حقا..
إنتهى اللقاء في جو حميمي، وأمل متجدد للحاضرين على مواصلة هذا المشروع وأن يستجيب لتطلع الشباب في فرنانة الذي مازال يبحث على من ينير له دربه ويشد عضده وللمثقف والمبدع دور أساسي لا محالة في هذا الحلم المشروع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*