حوار مع الشاعرة الحالمة والأديبة التونسية منية نعيمة جلال من تونس ..حاورها: هاشم خليل عبدالغني – وكالة كنانة نيوز – الأردن.

الشاعرة منية جلال من شعراء تونس القلائل ،الذين احتلوا مكانة مرموقة في الوسط الثقافي التونسي والعربي، شاعرة تتميز قصائدها بالنزعة الوطنية والعروبية ،والنزعة الإنسانية الوجدانية ،المشحونة بعاطفة صادقة مفموسة بالوجدان ،شاعرة مليئة بالابداع الحقيقي وبروعة ما تطرحه من افكار.. ورؤى مفعمة بالحياة والجمال .

منية ” نعيمة جلال ” شاعرة تونسية من بلدة تالا ، جامعية متحصّلة على الإجازة في الحقوق والعلوم السياسيّة من جامعة بغداد ، لها إجازة في اللّغة العربيّة والأدب ،أستاذة في اللّغة العربيّة وآدابها بالمعاهد الثانويّة ،برتبة أستاذ أوّل مميّز فوق الرّتبة ،لها مجموعة شعريّة بعنوان ” مؤنسات” صدرت عن دار إتّحاد الكتّاب 2019، شاعرة ناشطة بعدّة جمعيات ونوادي أدبيّة ،لها مشاركات في دواوين مجمّعة لشعراء تونسيين ولشعراء عرب ، شاركت في عديد التظاهرات الثقافيّة والمهرجانات الأدبية ولها عدّة تكريمات ، لها مجموعة شعريّة ثانية تحت المراجعة .

وحول تجربتها الابداعية ورؤيتها للمشهد الثقافي كان ” لوكالة كنانة نيوز” مع الشاعرة) جلال ) هذا الحوار :

س : منية جلال .. من أنت ؟

– أنا ” نعيمة أحمد جلال ” وأمّا ” منية ” فهي الكُنية المتعارف عليها لدى عامّة النّاس وأستسمحك أن لا أفصل في هذا الحوار بين الشّاعرة والإنسان. فأنا التّوأم ” أنا اُبنة العيون الجارية ” تالة”، اغتسلتُ ومنذ ولادتي بمياه بلدتي من كلّ البوائق والشّرور، بلدتي التي تحتوي على 25 عيناً جارية، تمّ تشييدها في العهد الرّوماني … ارتبط إسم مدينتي بالحضارة الأمازيغيّة ، تعاقبت عليها العديد من الحضارات بداية من الحضارة القبصيّة 7000 سنة ق.م ، وهي من أكثر المدن اُرتفاعا في البلاد التونسيّة ، ترتفع 1047 م على سطح الماء، وقد سمّاها أحد المؤرّحين ” سقف البلاد التّونسيّة “، منحني هذا الارتفاع شهوة تذوّق رِضَابِ السّماءِ .صُحبة القمر ومعانقة النّجوم .وأنا طفلة أودعت قلبي ” مواكب الحلم تملّكتني رغبة جامحة في ” إعادة ترتيب الكون ” في ظنّي أن أكون للشمس شَفَقٌ عند مغيبها ،أن أكون نورا لعتمة اللّيالي، في ظنّي أن أجعل الغيمة ديمة سكوبا . وأن أمنح قوس قزح الألوان التي أشتهيها .بلدتي ” مدينة ثلجية ” وأنا جئت من بياض هذا الثلج ،حملت اللّون الأبيض لغة صامتة ،لا أفهم أنذاك مكنون هذه اللّغة … اُستقطبت كلّ جوارحي ، عطّرت قلبي “حوّلته ّ قطعة سكّر ” كبرتُ وأنا أظنّ أنّ قطعة السكر هذه، ستذيب يوما كل المرارات ،وأن تطهرالأرض من كل الاوجاع .

” يبدأ الموسم في منتصف ديسمبر كانون الأوّل إلى منتصف أبريل :نيسان” تغطّي الثّلوج كامل البلدة ببيوتها بجبالها وهضابها وقد يصل علّوها إلى حدّ المتر .. وكنت أنتظر كما ينتظرون ، لا تستهويني ألعاب اطفال الحارة ، إلّا ما أُنشِئُهُ معهم من عرائس الثلج ” وبقدر ما كانوا يلعبون ويتقاذفون في صراخ ” كويرات الثلج ” بقدر ما كنتُ أقفُ مشدوهة في صمت أمام هذه العرائس الثلجيّة متأمّلة حائرة مُتسائلة، هل لي أن أبعث فيها الرّوح ؟! أبيت اللّيل ساهرة أنتظر انبلاج الصّبح لأجد العرائس قد ذابت وتلاشى وجودها .فأبكي … وأبكي ولكن بصوت مقمُوع . وكان يراودني لإستمرار سؤال :كيف أتحرّر وأحرّر ما حولي من العجز ؟

لازمني الإحساس بالاغتراب . ومن هنا بدأت الكتابة معي وفي مرحلة أولى من طفولتي ولكن لا أكتب بحبر القلم بل ” أكتُب بدمع العين على جدار القلب ” واكبتني رحلة القلق الحيرة والمكابدة ،وواكبتني معها قوّة خفيّة تجذبني إلى عوالم الخلق والإبداع ،عزّزتها بالمطالعة وكانت بداياتي مع (جُرجي زيدان والمنفلوطي ثمّ جبران خليل جبران ) ثمّ بالانخراط في نوادي ثقافيّة : مارست الرّياضة .. الغناء المدرسيّ ، المسرح الموجّه باللّغتين العربيّة والفرنسيّة .

استهواني هذا المسرح الهادف ،وقد شاركت في عدّة أدوار كشفت الأعمال الصهيونيّة البشعة في حقّ الشّعب الفلسطيني، ووجدتني أرفع شعارات مع أبناء بلدتي ضدّ هذا العدوّ الغاشم ،علما بأنّ مدرسة فلسطين التي تأسّست سنة 1879 ببلدتي هي من أقدم المدارس في الجمهوريّة، فقد ساهمت في نشر الثّقافة والعلوم ،وتخرّج منها عدّة كوادر ساهموا في بناء تونس الجميلة ،حسب قول شاعر الخضراء أبو القاسم الشابي “هذه البيئة ساهمت في تعزيز رغبتي الجامحة في التعبير وفي تحقيق العدالة المفقودة على الأرض …وجاءت للهجرة للأولى :

هي هجرة مع أهلي ليس طلبا للمال وإنّما طلبا للعلم حسب رغبة والديّ … فالآفاق في المُدُن أوسع وأرحب ،جئت العاصمة والقلق لا يزال يُراودني والطّفلة ” الغارقة في المثالبة” لا زالت تُطاردُني وتحلم بإعادة ترتيب الكون، تُخفي حُروفها الدّامعة بين جنبيها ..في هذه المرحلة بدأ السّفر الحقيقيّ بين الرّفوف بين الحروف ، قراءة وكتابة ، بين أروقته ” قرأت المتنبّي … ابن زيدون … الشابّي وصولا لبدر شاكر السيّاب ، أدونيس ، محمود درويش ، نزار قبّاني…بدأ القلق يتبدّد عرفت ضالّتي ، علمت نّ الشّعر قدَرِي وأنّه نوبات عشق متجدّدة … وأنّ الرّحلة في ملكوت هذا الكائن الجميل رحلة مكوكبة تُطيّب الأوجاع، وتحرّر من كلّ القيود وللأصفاد الطبيعيّة الاجتماعيّة والسياسيّة، أكملت دراستي الثانويّة شعبة آداب بمعهد خزندار “باردو” ثمّ التحقت بكليّة الحقوق والعلوم السياسيّة …وجاءت الهجرة الثّانية :

سافرت إلى العراق … نَمَتْ تجربتي الفكريّة … وتعمّق شعوري بالهويّة والإنتماء ، هذه التّجربة دامت أربع سنوات ،دوّنت بعض أحداثها وهي تصلح لكتابة سيرة ذاتيّة تكاسلت عن تدوينها.

تحصلت على إجازة في الحقوق والعلوم السياسيّة من جامعة بغداد . بعدها سافرتُ إلى فرنسا. لم أتمكّن من إكمال المرحلة الثالثة ” اختصاص قانون دولي” لأسباب سياسيّة .. ولنفس الأسباب حُرمْتُ من الالتحاق بحقلِ القضاء و حُرمْتُ من الاشتغال بحقل المحاماة .

بدأت دراسة أكاديميّة جديدة في الأدب ( أجّلتْ اهتمامي بالشّعر ) .. ولذلك تمكّنتُ من الالتحاق بمهنة التّدريس بالمعاهد الثّانويّة كأستاذ في اللّغة العربيّة وآدابها وصولا .. إلى ” أستاذ أوّل مميّز فوق الرّتبة … كبُرتُ والطّفلة الغارقة في المثالية لازالت تُطاردني وحُلمي لم يعتريه الشّيب .. بل ازدادت مواكبُ حًلمِي توقُّدا . علّني أعثر يوما على هدهد سليمان أو علّني أهتدي إلى وادي النّمل ، علّني أجد عصَا موسى أو أعثُر على يوسف لأعيش حبَّ زُليخة ” وجدتُني قصيدة أبديّة على وجنة هذا الزّمن ”

2: كيف بدأ مشوارُك الأدبيّ / ولماذا الشّعر بالذّات ؟

أ/ في الحقيقة أرى أنّ لكلّ المشاوير بداية إلّا مشوار الأدب بما فيه الشّعر .فالكتابة موهبة تأتي من ربّ السّماء، والفردُ يصقُلها فيما بعد، والكاتب يُولدُ كاتبا بمرسوم سماويّ مختوم ،وقد وضّحت ذلك في السّؤال الأوّل … لا أستحضر متى بدأت الرّوح تستطيب عشق الكلمة ،ومتى بدأت تهفوا إلى هذا الغرام، ولكن كلّ ما أعرفه أنّ حُبّ الكلمة زامنني حتّى أصبح قوت جسدي وقوت فكري وأنّ عملي الأكاديمي في حقل التّعليم زادني عشقا للغة الضادّ …” الكتابُ جليسي . القلم سلاحي . الكلمة هي المُتنفّس الذي يُحرّرُنِي من كلّ القيود .فالكتابة معي إذن لم تأت من هباء وعلاقتي بها علاقة عمريّة ولكن ، وما هو مؤسف حقّا أني كنتُ أكتُب وأُهملُ ما أكتبُه في رفوف مكتبتي .

ب/ لماذا الشّعر بالذّات ؟؟ الشّعر قلعة حصينة والشّعر يُنصفُ صاحبه ، هذه القلعة فتحت لي أبوابها دون أن أسعى إليها، والشّعر أنصف هذه الطّفلة الغارقة في المثالية ليحرّرها وليحصّنها من رداءة الواقع ” تربّيت في عائلتي على قيم عُلْيا آمنتُ بها إلى حدّ التّقديس : الكلمة عهد ، العمل رسالة ، الجار ُ عزيزُ… ولكنّني اصطدمت في علاقتي بالآخر بواقع متردّ عمّق إحساسي بالاغتراب .. وبما سمّاه شاعرنا الجليل :” سليم دولة” الشّعور باليتم الوجودي … لذلك حوّلت النّور الذي يُشعّ بداخلي إلى عمل فنّي …إلى لغة شعريّة … أسّست مملكة شعريّة خاصّة بي .كتبت الشّعر لأكون أنا كما أريدُ أن أكون وليس كما أُريدَ لي أن أكون ، كتبتُ الشّعر لأكون كما أشتهي لأتحرّر لأمتلك حياتي، أيضا لا بدّ أن أشير إلى منعرج أليم في حياتي ، منعرج طعمه مرّ ومذاقه علقم ، هو الموت الذي أفقدني من أحبّ ..فكان الشّعر الذي هرب بي من الألم والوجع وكانت القصيدة التي هربت بي من جسدي الفاني إلى جسدها الخالد. فقد توسّلتُ بالكتابة حتى لا تُميتني الحقيقة وحتّى لا أموت ،وقدر الشّعر أيضا أن يولد من رحم المعاناة ” .

س3 : ما هي المحطّات الأدبيّة التي وقفتِ عندها في مسارك الأدبي ؟

-: مسار أدبيّ حافل بمشاركات في عديد التّظاهرات الثقافيّة ،وعدّة ملتقيات دوليّة تُوجت بعدّة تكريمات ، مشاركات في دواوين مشتركة ،ديوان مجمع لشعراء تونسيين في رحاب الوجدان ،ديوان مجمع لشعراء عرب في رحاب الوجدان ،ديوان يضمّ مائة شاعر ” في مرافئ الإبداع ” لجمعية الرّائدة والثّقافة والمواطنة ،وإنّ أهمّ محطّة في مساري الأدبيّ بدأت مع مولودي البكر ” مؤنسات” مجموعة صادرة عن دار الإتّحاد للنشر والتّوزيع 2019، وهي تجربة وجودية .. وتراتيل بوح .. للحبيب الرّاحل .. ووفاء للأم .. للوطن .. تونس .. العراق .

علما بأنّ مجموعتي هذه احتوت على ميثاق كتبتُه في ” التّصدير ” ميثاق بيني وبين القارئ ، يُجسّد رؤيتي لهذا الكون وما فيه من طقوس بديعيّة جميلة وقيميّة يستوجب أن نستكشفها ونستشعرها .

4: ما هو تقييمك للأدب في تونس بصفة خاصّة والأدب في العالم العربي ؟

ج : أوّلا نتّفق حول نقطة مفصليّة هو أنّ الفعل الثقافي سواء كان في تونس أم في العالم العربي ،مرتبط بالفعل السياسي ،ولكن الفعل الثقافي هو أنفع للمجتمعات أكثر من هذا الأخير، لأنّ المثقّف صاحب رسالة مقدّسة .. هو الذي يُغيّر .. هو الذي يطمح إلى تحقيق العدالة المنشودة …فنحن نرى اليوم أنّ الحراك الأدبيّ حراك منتعش إلى حدّ الثّمالة ” تدفّق غزير من الإصدارات تشمل كلّ الأجناس الأدبيّة وعلى حدّ قول بعض المفكّرين ” كأنّنا نعيش في مجتمع كاتب لا قارئ “

لذلك أمام هذا الانتعاش الأدبيّ علينا أن نطرح عدّة تساؤلات : – ماذا تُضيف هذه الإصدارات للمُدوّنة العربيّة ؟ وإلى أيّ مدى يساهم هذا الحراك في نفع المجتمعات وتغييرها .. أو على الأقلّ وكما قرأتُ في إحدى المقالات: ” إنّ الشّعر وإن لم يُغيّر الواقع فإنّه يُغيّر النّفوس التي تُغيّر الواقع “

س 5 : ما هي مشاريعك المستقبليّة في عالم الأدب ؟

في رأيي أنّ المشاريع الأدبيّة لكلّ مفكّر ليست كمّا ،وإنّما ترتبط بالرّسالة التي يحملها صاحب القلم إلى مجتمعه والقارئ يحتاج إلى كتابة تغسل أوجاعه .. فأنا أفكّر مليون مرّة قبل الطبع والنّشر … لديَّ مخطوط في السّيرة الذاتيّة، ومقالات في الحقل الاجتماعي تحملُ بُعدا إنسانيّا .. ولديّ مجموعة شعريّة ثانية سترى النّور قريبا ..

س6 : بعيدا عن الأدب ، ما هي هوايتك ؟ وكيف تتصرّفين في أوقات فراغك ؟

ج : نحن في سباق مع الزّمن وتكاد حياتنا لا تخلو من الالتزامات ولكن السويّ منّا يُغذّي الرّوح كما يُغذّي الفكر والجسد … لذلك فأنا أقتطع بعض الوقت من الوقت لأختلي بذاتي بعيدا عن الصّعب وهي الطّقوس التي أُمارسها تُجدّد طاقتي وتُزهرُ أفنان الرّوح …جميل أن تختليَ الأنا بالأنا ” أحبّ الرّياضة : أُمارس رياضة المشي كنشاط يوميّ ومنتظم ،أهوى المسرح : وهذا نشاط دوريّ … العمل الفرجويّ الرّكحي هو حبّة أسبيرين تُزيلُ الصّداع .. أو ” جرعة فيتامين تُجدّد الخلايا ..

س7 : إن كانت لك فرصة أن تصرخين غاضبة ، ماذا تقولين ؟

ج : الشارع الإنساني” إن صحّ التّعبير مليء بالغضب وصرخات المثقّف عديدة بعدد أوجاع الإنسان .. ولكن هذه الصّرخات مكبوتة أو بالأحرى مقموعة لسبب أو آخر .

وصرختي في هذا الحوار ” لا للعنف ضدّ المرأة ” فلننقذ أسرتنا من هذا المارد العملاق، الذي سيأتي على الأخضر واليابس ،وفي إنقاذ المرأة إنقاذ للطفولة وإنقاذ لمستقبل البشريّة جمعاء . فالإحصائيات التي نقرؤها اليوم مرعبة حقّا مع جائحة ” الكورونا” تفاقم العنف وتعدّدت أشكاله .

تفيد بعض البيانات التي قُدّمت من 13 دولة أنّ اثنتين من كلّ ثلاثة نساء تتعرّض لهذا العنف وهذا المعلن عنه.. فكيف المخفي والمسكوت عنه باسم الأخلاق والدّين في مجتمعاتنا العربيّة؟

أحيانا أتصوّر أنّ اللّوحة التّعبيريّة ” الصرخة” Le cri ..التي رسمها الفنّان النّرويجي إدوار مونش هي صرخة آتية ،من أعماق النّفس البشريّة، تنبّؤا بمستقبل البشريّة المُخيف في انتهاك إنسانيّة الإنسان .

س8 : من يكون ضيفا على الآخر : القصيدة أم الشّاعر ؟

عندنا مقولة شهيرة ” تكلفة الضيف في يد المضيّف ” فهُنا لا بدّ أن نطرح السّؤال بشكل آخر ، هل نحن نكتبُ للقصيدة أم القصيدة هي التي تكتُبنا ؟ فإن سعى الشاعر إلى القصيدة يدعُوها ليكتبها ستكون حتما ” ضيفته ” …. وقد لا تكون راغبة في الضّيافة .. فتُصبح مستعصية ويصبح الشّاعر في محضرها مُتكلّفا .. متصنّعا وقد لا ينال رضاها ..وأمّا إذا كانت القصيدة تكتب الشّاعر ” فهنيئا له” فسيكون ضيفها المبجّل ، ستأتيه طوعا صاغرة .. ستمنحه قُطوفها الدّانية وفاكهة عشقها .

س9 : القصيدة رسالة مفتوحة للعالم ، وأنت تكتُبين هل تفكّرين بالقارئ ؟

ج : أن أفكّر بالقارئ يعني أن أُخضع نصّي إلى ” مطرقة العقل ” والقصيدة كائن حرّ يمقُت القوالب .. الأنساق والقيود ،فهي حديث الرّوح … تسري بصاحبها إلى عوالم مخفيّة ومجهولة وأنا من الشعراء الذين تكتُبهم القصيدة …” نوبة عشق تأتيني على غير موعد باللّيل أو بالنّهار ..بالبيت أو خارجه .. نوبة تصلُ إلى حدّ الذّوبان والتواهن في مسالكها ومنعرجاتها، لا أستفيق منها إلّا عندما تكتمل القصيدة في داخلي ” لتكون الولادة .. بعد مخاض عسير، فالتّفكير في القارئ يأتي بعد أن تقطع الحبل السرّي ، ويرى مولودك النّور .

س10 : كيف تتخيّلين صورة المرأة في قصائدك ؟

أنا يا سيّدي الكريم ، صوت المرأة … أستنطقُ مشاعرها ، أستنطق مشاعر المرأة الأنثى ،مشاعر المرأة الإنسان، المرأة التي لا تنتصر لذاتها فحسب، بل تنتصر للإنسانيّة الإنسان ،أنا لا أُجيد قراءة الواقع ، بل قُل لا أحبّذ قراءة الواقع ،بل أُحبّذ وأُجيد ترتيب الواقع، ليكون حرفي بلسما لأوجاعها، ولكن لا تنسى أنّ المرأة كائن جميل ، وهي باعثة الجمال عندما تقروني تجدُ أنفاسي كإمرأة بين السطور . وتتعطّر بعطر حروفي .

س11: يقول الشّاعر لويس أراغون ” لولا الشّعر لأصبنا جميعا بالسّكتة القلبيّة ” أليس العالم بدون شعر خراب ; وخواء ؟

ج : فعلا العالم بدون شعر هو خراب ، خواءٌ وموتُ… فالشّعر كما الحبّ رئة ثالثة تمنحُنا الحياة .. والحياة هنا لا أقصدُ بها العيش كما الهَوَامُ والدّواب، إنّما الحياة بما فيها الحريّة ، العزّة …الكرامة والعدالة ،ولمّا انقطعت صلة الأرض بالأنبياء أتى الشّاعر ليخرجنا من بوتقة القُبح والخواء .. فأتى شعره لغة الرّوح لينقذنا من كلّ المطبّات والعثرات . وهل نعدُّ من الأحياء إن أطفأنا لغة الرّوح ؟؟

12 : ما رأيك في النّشر في مواقع التّواصل الاجتماعي ؟

ج : في رأيي أنّ النّشر في مواقع التّواصل الاجتماعي سلاح ذو حدّين.فهذا المسار الأدبيّ لا بدّ أن يحاكي المسار العلميّ والتكنولوجي، لذلك يحظى هذا النّشر باهتمام كبير سواء من الكاتب نفسه، أو من القارئ الذي يبحث عن ” القراءة السندويتش”

فهذه المواقع تتيح للكاتب أن يكون إبداعه أكثر رواجا ،عبر التويتر والفايسبوك ولا تبقى كتاباته رهينة الرّفوف ” لتجميل المكتبات” فهذا النشر الالكتروني هو الأسهل .. هو الأسرع وهو أقلّ كلفة ولكن أسئلة عديدة تطرح نفسها ومنها : ما هي مدى جودة هذا النّشر ؟ وهل هناك رقابة على ما ينشر للتمييز بين الغثّ والسّمين ؟ أم أنّ الحابل قد اختلط بالنّابل على هذه الصفحات الالكترونية !! وأرى أيضا أنّ الرّقابة وإن وجدت فهي تسلّط على الأقلام الحرّة ،التي تسعى إلى التّغيير وخدمة قضايا الإنسان .. لذلك فإنّ جلّ النّخبة في المشهد الثقافيّ لا تجد حظّها في النشر الالكتروني .أيضا نتساءل ما هو مصير الكتاب الورقي وأين المتعة الورقيّة التي تعوّد عليها القارئ ؟

س 13ما هو أجمل كتاب قرأته وبقي في مُخيّلتك وأثّر فيك وفي تجربتك الحياتيّة ؟

ج : كلّما أُبحرُ مع كتاب أتصوّره الأجمل والأقرب منّي أتعايشُ مع أبطال الرّواية فكأنّها شخوص حقيقيّة .وأمّا الكتاب الذي شدّني فعلا وقرأته عديد المرّات وباللّغتين العربيّة والفرنسيّة هي رواية ” مائة عام من العُزلة ” Centans de Solititudo للكاتب الكولومبي ” غابريل غارسيا ماركيز ” قصّة ملحميّة لمائة عام من الخيال …

بصراحة هي فانتازيا الفنّ الرّوائيّ .. و إن كانت أحداثها خياليّة ،فإنّ الأدوات السرديّة حوّلتها إلى واقع ملموس ، هو لم يؤثّر في تجربتي الحياتيّة فحسب بل هو لامسَ وعزّز الحلم الذي يُراود تلك الطّفلة التي سكنتني ” إعادة ترتيب الكون” من خلال تجربة بطل الرّواية ” خوسبة أركاديو” بتأسيس ” ماكوندو” المدينة الفاضلة التي أحلم بها على هذه الأرض ..وأيضا أريد أن أُشير أنّني إحدى شُخوص رواية ” بغداد وقد انتصف اللّيل .. للشّاعرة والروائيّة الصديقة ” حياة الرّايس” وهي جزء من تجربتي الحياتيّة الطلابيّة في بغداد وهي تجربة ثريّة ومفيدة .. وجميلة .. تحتفظ بها الذّاكرة ولن تُسقط تفاصيلها (الحديث عن هذه المرحلة يتطلّب صفحات إن لم أقُل كتابا) .

س 15 : ما هو العمل الذي تمنّيت أن تكوني كاتبة له ؟

سأتحدّث أيضا عن رواية أخرى للكاتب نفسه ” غابرييل غارسيا ماركيز ” الحبّ في زمن الكوليرا “.لم أتمنّى أن أكون كاتبته وإنّما تمنّيت أن أكُون بطلة الرواية .. وبطلة الفيلم لمَّا تمّ تحويله إلى السّينما .تمنّيت أن أكون فيرمينيا داثا حبيبة البطل (فلويتوسو) .نظرة عابرة هي أصل حبّ تمادى نصف قرن من الزّمن … وأن يموت الحبّ في العشرين ويحيا في السّبعين ” يقول” غابرييل غارسيا :” إنّ هذا الحبّ في كلّ زمان ومكان ولكنّه يشتدّ كثافة كلّما اقترب من الموت .”

س 16 : شخصيّة من الماضي تمنّيت لقاءها ولماذا ؟

في الحقيقة هي شخصيات عديدة ( في الحقل السياسيّ ، الثقافيّ) كان بوسعي أن ألتقي بالشّاعر “محمود درويش” لمّا زار تونس ضمن فعاليات أيّام قرطاج المسرحيّة بتونس في ديسمبر 2007 ولم يحصل ذلك .. وحزّ في نفسي ولم أعلم أنّها زيارة توديعيّة .

17- ماذا تقولين لأبي القاسم الشابّي ولصلاح عبد الصّبور ، ولأولاد أحمد ولمحمود درويش .

الشــــابّـــي :عشت عاشقا متيّما ومتّ حالما .. وأمّا شعراءُ بلادك .. من بعدك

يموتون إما كَمدًا أو قمعا .

صلاح عبد الصّبور :مازال وقتنا مفقود بين الوقتين ..ننتظر القادم.

الشّاعر أولاد أحمد : نمْ قرير العين ،نساء بلادك نساء ونصف.

محمود درويش: مازلنا على العهد نُقاوم ولن نُساوم ..نحمل القضية في رقابنا كما القلادة .

كلمة أخيرة :أنا سعيدة بهذه الحواريّة التي أجريتها معي … خفّفت عنّي بعض الأوجاع التي تُلازم نفسي الشّفيفة . وشكرا لما تقدّمه أستاذ هاشم خليل عبد الغني للسّاحة الأدبيّة للرقيّ بالمشهد الثقافيّ في الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*