نحو بلاد الشمس بقلم محمد دوتركة من المغرب.

إنها السابعة صباحا والجرس يرن مرة أخرى، اللعنة، اللعنة على هذا الصوت، بعينين نصفهما مغمض ألقيت نظرة على جدول أعمال اليوم لأرى مهامي، أربعة ساعات من العمل “حصتين للأولى باكالوريا اداب وحصتين للثانية بكالوريا علوم انسانية”، يا لهذا القرف، ملزم مرة أخرى أن أتحمل بلادة تلك الوجوه التي لا تفهم أبدا ما أقوله، لا أعلم أمني الخطأ أم من عقولهم المتحجرة؟بكسل نهضت من سريري وغسلت وجهي وتوجهت نحو المطبخ الكئيب، رائحة العفن تفوح منه، اللعنة مرة أخرى، أطباق اليومين الأخيرين لم أغسلها والنفايات لم أرميها يا لها من حياة بئيسة، إمتعضت و عدت إلى الغرفة وإرتديت ملابسي وغادرت. في طريقي مررت على بائع السجائر وأخذت منه سجارة دون أن أدفع ثمنها ورجوته ان يدونها في حسابي إلى ٱخر الشهر، رمقني بنظرة إحتقار ولسان حاله يقول أهكذا يكون الأساتذة الذين ننتظر منهم أن يدرسوا أولادنا، خسئت مهنة التعليم إن كان كل الأساتذة مثل هذا.. وأنا أشاطره تماما ما قاله في نفسه، وصلت إلى الثانوية اللعينة، الفضيلة التي لا فضيلة فيها، أطل علي حارس الباب وحياني بعبارته المتملقة “صباح الخير على الأستاذ الجميل” يبتغي وراء هذا التملق أن أقدم له بعض الدريهمات ليدخن بها هو الٱخر، لكن ويا للمسكين لا يعلم أنني انا وإياه لا فرق بيننا سوى هذه الوزرة البيضاء. ٱهٍ كم تمنيت أن أخلعها وأن أحرق هذه المحفظة اللعينة وأعود إلى الجبل لأعيش وحدتي في سلام.دخلت غرفة الأساتذة، ألقيت السلام ولا مجيب، لم أكترث لهذا السلوك فمنذ دخولي لهذه الثانوية وأنا أواجه مثل هذه السلوكات، لا لشيء وإنما فقط لأني أدرس الفلسفة، يا لهذا التفكير العقيم.أخذت دفاتري وما سأحتاجه وتابعت طريقي وكلي يأس، دخلت وألقيت صباح الخير لتلك الوجوه العابسة وإذا بهم يقهقهون، إستفسرت عن سبب الضحك بغضب وإذا بتلميذ أعده افضل تلاميذ ذاك القسم يقول: ” أستاذ راك قلبتي التريكو لي لابس وحتى التقاشر لابس وحدة مختالفة على الأخرى” ونظرت لحالتي ووجدتني كمهرج يستعد لدخول حلبة المسرح، يا لتعاستي، قطبت جبيني محاولا أن أسترد بعض احترامي الذي لا يوجد لدي أصلا منذ دخلت هذا الجحيم، “بعض الصمت يا شباب لنعد إلى درسنا، أين توقفنا الأسبوع الماضي”الكل بدأ يحملق في وجهي وكأنهم رأو شبحا، يا لهذا العبث، كيف ستدرس وأنت تملك هذا النوع من التلاميذ، اجسام البغال وعقول العصافير.لا بأس يا شباب، هذا اليوم سنخرج من جبة الفلسفة قليلا وسنتحدث  في علم النفس، لماذا اخترت أن أتحدث في علم النفس؟ هل سوء حالتي دفعني لذلك، أم أنني أريد البحث عن حالات تشبهني لكي أجد بعض العزاء؟ لا أعلم السبب بالضبط لكن هناك شيء خفي دفعني للحديث عن هذا. طلبت منهم أن يحدثوني عن خلاجات دواخلهم وما يعتلج بقلوبهم، أريد ان أجعل هاته الحصة حصة معالجة نفسية، يا للسخرية الشيء الذي فشلت فيه أريد أن أعالج به غيري.  بدأت حصة المعالجة، كل واحد ينهض إلى السبورة ويسرد ما بداخله من فرح والم، كان منظرا مؤلما فعلا، لأن بعض الحالات قاسية جدا ولم املك معها سوى الصمت…إنتهت حصة الإفصاح واتى دوري الٱن لأقدم بعض الأشياء التي تعلمتها بقسم الفلسفة، فالفلسفة كما فهمتها دوما هي فن لعيش الحياة وليست فن لإيجاد النهايات السعيدة..”إسمعوني يا شباب نحن نعيش داخل وجود قاسي ولا أقصد أن أخيفكم لكن هذه هي الحقيقة، هذا الوجود لا يرحم. وعلى مناعتكم النفسية أن تكون قوية جدا لكي تتحملوا هذه السخرية، سخرية القدر، حاولوا ما أمكن أن تجدو أنفسكم قبل فوات الأوان، لأن التخبط داخل دوامة اليأس والكٱبة أمر ليس بيسير، عالجوا أزماتكم الوجودية فور بدئها ولا تسحبوها مجرد نوبات حزن عابرة، لأن الإكتئاب هكذا يبدأ..وإن كان ذاك الصوت الإلهي بداخلكم مازال يصدح فتشبثوا به ولا تضيعوه، فإن ضيعتموه ستحاولون البحث عنه مرة أخرى وصدقوني هذا البحث عسير جدا…” بهكذا تكون حصة اليوم إنتهت وأترجى أنكم إستفدتم ولو قليلا، مع السلامة.
خرج التلاميذ واعتراني يأس كبير جدا لم أقوى معه على النهوض من الكرسي لأستمتع بالشمس التي تنثر خيوطها على الباب، ظللت جامدا على الكرسي لبرهة، وقررت بعد ذلك أنني لن أدرس القسم الموالي وسأذهب للبيت لأرتاح لأنني لا أشعر بنفسي بخير.جمعت محفظتي وتوجهت نحو مكتب المدير واستأذنت للذهاب لأني مريض قليلا، حياني بإبتسامة موافقا على طلبي، هذا المدير شخص لطيف حرام أن يأتي لمثل هذا المكان الذي لا ينذر بالحياة، غادرت الثانوية وبدأت أسترجع ما قلته في القسم، أكان كل ما قلته صحيحا؟ إن كان كذلك فلما لم أفلح فيه أنا؟ أكنت أبيع الوهم لأولئك المساكين؟ ماذا إن عملوا بما قلت ولم ينجحو أي خيبة ستصيبهم وأي حزن سيسكنهم؟…زادت حدة يأسي بهذه الأسئلة وأسرعت للمنزل المتواجد بالطابق الثالث، دخلت وإرتميت على السرير والألم يعتصرني، ترى كيف سأطرد كل هذا؟ كيف السبيل لأبصر النجوم مرة أخرى…وفي لحظة توقف عندي الزمن، أخذت قلما وكتبت على الجدار ” محمد كان هنا” ربما أبغي وراء فعلي هذا أن أترك ذكرى لي على هذا الوجود التعيس، أو ربما خفت أن أنسى بعد ذهابي، لا أعلم المغزى وراء فعلي هذا، فتحت النافذة المطلة على الوادي وبدأت أسترجع كل ذكرياتي، ذكرياتي المريرة جدا، وحين إنتهيت من سبر أغوار ذاكرتي وبلا أدنى تردد حلقت بعيدا نحو بلاد الشمس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*