العشاء الأخير / قصة قصيرة / بقلم الكاتبة فوز حمزة الكلابي من العراق.

ذات ليلة ممطرة .. عدت إلى المنزل متأخرًا قليلًا عن موعد حضوري وكانت زوجتي كعادتها تنتظرني لتناول العشاء سوية.. وهي العادة التي حافظت عليها منذ أول يوم زواجنا حتى اللحظة لا يثنيها عن ذلك وأن كنا متخاصمين .. لكنني في تلك الليلة كنت قد عزمت على أخبارها بأمر أخذ مني التفكير فيه لأسابيع طويلة .. كنت أريد الإنفصال عنها بعد أن أحببت امرأة أخرى وعزمت الارتباط بها.
وأنا أنظر لزوجتي محاولًا استجماع شجاعتي لمحت ثمة ألم في عينيها وحزنًا اعتلى ملامحها جعلتا الكلمات تقف على لساني ترفض الخروج لكنني رميت بها كمن يرمي حملًا ثقيلًا من على كتفه قائلًا لها:

أريد الطلاق.
وبعد عدة لحظات من الصمت واصلت حديثي:

سأترك لك المنزل تعيشين فيه مع ابننا ومبلغًا من المال سيصلك كل شهر.
الغريب أنها لم تتأثر بكلامي لكنها سألتني بهدوء عجيب:

لماذا ؟
نظرت إليها طويلًا متجاهلًا سؤالها فما كان منها إلا أن ترمي ملعقة الطعام وتغادر الصالة.
تلك الليلة مرت دون أن نتبادل كلمة واحدة إذ أنها فضلت النوم في غرفة الضيوف .. ثقب الباب الذي نظرت منه كان كافيًا ليخبرني أنها كانت منهمكة في كتابة شيء ما و بين الحين والآخر تمسح الدموع من عينيها.
لم استطع النوم ليلتها .. كأن غيومًا سوداء تجمعت فوق قلبي كتلك التي تلبدت بها سماء المدينة.
فكرت في اقتحام الغرفة و أخبارها بأنها لم تعد تملك قلبي منذ أن بدأ الملل يتسرب إلى حياتي .. سأقول لها بكل وضوح أن إحساسي تجاهها هو الشفقة فقط لكنني تراجعت مع شعور بالذنب لا أعرف له سببا.
في اليوم التالي حرصت كعادتها على أن نتناول فطورنا نحن الثلاثة معًا وأن لا نظهر أي شيء أمام الصبي .. لكنها وبعد مغادرة ابننا فاجأتني بطلب غريب حينما قالت:

أنا موافقة على الطلاق ولكن أريد منك أن تؤجله شهرًا واحدًا فقط.
ثم طلبت مني طلبًا غريبًا حتى ظننت بأنها قد فقدت عقلها من هول الصدمة.
قالت:

أريد منك خلال هذا الشهر أن تحملني كل صباح من باب غرفة نومنا إلى باب المنزل كما كنت تفعل سنوات زواجنا الأولى.
وأنا أحدق فيها غير مصدق ما سمعت منها .. لكن لم يبد عليها أي اهتمام بما اعتراني من دهشة لتكمل حديثها:

أريد في هذا الشهر أن نعيش بشكل طبيعي كأي زوجين سعيدين لأن ولدنا سيخضع لامتحانات في المدرسة ولا أريد لخبر طلاقنا أن يتأثر به.
شعرت أمام حديثها بأنني وغد حقير ولكن تجاهلت هذا الشعور بسرعة واعتبرت أن وصول الأمر إلى ما وصل إليه يعد انتصارًا لي .. وقبل أن تترك مائدة الفطور قالت بنبرة فيها من الحب الشيء الكثير وكأنما تحدث نفسها :

حين تحملني أريد منك أن تشعر بذات المشاعر التي كانت تعتريك أيام الزواج الأولى .. أريد لقلبك أن يسمع نبض قلبي ويحس به ..أريد للنور أن يعود لابتسامتك حينما كنت تنظر إلي سابقًا.
أنها حيلة رخيصة وشيء سخيف ما تطلبه منك ومهما حاولت أن تبتكر حيل لتحيل دون الطلاق فإن ذلك لن يحدث .. فالطلاق واقع لا محالة .. كانت هذه كلمات عشيقتي حينما أخبرتها بطلب زوجتي الغريب.
حين حملتها بين ذراعي أول يوم أحسسنا أنا وهي بارتباك كأننا أغراب قد تعرفنا على بعضنا في التو.. صوت ابننا وهو متفاجىء من حملي لأمه شتت ارتباكنا وابتسمت هي حين بدأ يصفق ويقول بفرح: أبي يحمل أمي بين ذراعيه.
وأنا أقود سيارتي متجهًا إلى العمل تمكن مني إحساس بالألم وقد كرهت هذا الإحساس بشدة محاولًا تبرير الانفصال عنها ليس نهاية العالم.
في اليوم التالي .. حين حملتها تصرفنا بشكل طبيعي أكثر من اليوم السابق .. وضعت ذراعيها حول رقبتي ومالت برأسها على صدري فتمكنت من شم عبقها الذي عاد بيّ سنوات إلى الوراء .. لكن التجاعيد الناعمة التي ظهرت حول عينيها والتي لم أرها سابقًا بينت لي كم هي متعبة .. فسألت نفسي: كيف لم انتبه لذلك من قبل؟
في اليوم الرابع بينما التصق جسدي بجسدها شعرت بالألفة والمودة تجاهها .. بنشوة طارئة .. أنها المرأة التي أعطتني عشر سنوات من عمرها. لقد كانت متفانية في واجباتها .. حريصة على إسعادي طيلة تلك الأعوام. والأهم من ذلك لقد قدمت لي أجمل هدية .. ابني .
في اليوم السادس والسابع بدأ شعوري تجاهها ينمو من جديد وإحساس كان غائبًا يعود .. ومع كل يوم يمر تصحو بداخلي أشياء لها في قلبي كانت نائمة.
شفاهنا صامتة بينما أعيننا تتبادلان القبل.
في الأيام التالية بدأت أشعر بأن حملها صار أسهل و عللت ذلك بأن حملها كل يوم قد اكسبني لياقة عالية لكنني لاحظت أنها فقدت الكثير من وزنها حيث قالت لي وهي تحاول أن تجد شيئًا تلبسه بأن ثيابها القديمة قد أصبحت لا تناسبها .. في تلك اللحظة دخل ابننا قائلًا لي:

بابا .. حان موعد حملك لأمي.
نظرنا إلى بعضنا بصمت .. الحزن في نظرة عينيها و شحوب بشرتها كافيان ليخبراني بشعورها هذه اللحظة .. كان اليوم هو آخر يوم للاتفاق الذي بيننا .. حملتها وطفت بها أرجاء المنزل ويداها الناعمتان تطوقان رقبتي .. لم أكن أريد لتلك الدقائق أن تنتهي كما مر الشهر سريعًا .. طفت بها في كل أرجاء المنزل بينما ابننا يسير وراءنا يغني .. شعرت بالحب يتدفق من قلبي تجاه المرأة التي نسيت وجودها منذ زمن.
وأنا أودعها عند الباب .. نظرت إلي بحنان وحزن قائلة:

لا تنسى أن تأتي مبكرًا الليلة .. أنه عشاؤنا الأخير ..
علي اليوم أن أقرر.
لم استطع إطالة الحدث مع عشيقتي التي تنتظر العودة إليها بفارغ الصبر.. فقط أخبرتها بأنني قد تراجعت عن أمر الطلاق لأنني لن أترك زوجتي وابني.
غادرت مكتبي مبكرًا ذلك النهار و ذهبت لشراء باقة ورد ملونة و كتبت على البطاقة: سأحملك كل يوم وأضمك بين ذراعي كل صباح إلى أن يفرقنا الموت .
وصلت المنزل وكانت هذه هي المرة الأولى التي لم أجد زوجتي في استقبالي .. التفت نحو طاولة الطعام .. لا يزينها شيء سوى شموع يكاد يخوي لهيبها .. توجهت لغرفة النوم التي كانت مضاءة لأجد زوجتي ممدة على فراشها وصفرة الموت تعلو وجهها .. لقد فارقت الحياة وفي يدها حزمة أوراق مكتوبة بخط يدها.
كانت زوجتي تصارع مرض السرطان لأشهر طويلة دون أن تعلمني وأنا لم ألاحظ ذلك لانشغالي مع عشيقتي .. لقد خشيت أن تعرضني وابني للحزن والقلق جراء المرض.
لقد حرصت وهي على هذا الحال أن تحافظ على صورتي في ذاكرة ابننا كزوج محب وأب حريص.
قلت لها وأنا أمسك يدها: عودي لنكون عائلة مرة ثانية.
شعرت وأنا أطوي رسائلها بأن الكلمات أصبحت خاوية كما هو قلبي الآن..
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*