قراءة نقدية لرواية “مسير ونثار”للكاتب حاتم بو بكربقلم ريما ال كلزلي.

جعل الكاتب حاتم بو بكر الثيمة العامة للرواية يتوضح بفكرة ضمنية عنوانها ” ليس الوجود هو المحدد لوعي الانسان، بينما وعي الانسان هو الذي يفرض وجوده المأمول”.
. ثم ظهرت الأفكار الضمنية بوضوح من خلال البطل فالح الذي ما انفكّ جاهداً يحاول خلق جيلاً جديدا يؤمن بتواجد الحب والعائلة على أرض واحدة كشرط من شروط الحياة الكريمة، بمحتوى حداثوي يخضع لأفكار تتماشى مع ديناميكية الحركة الحدث، انطلاقاً من لحظة تواتر فكري بين الانتماء والتغيير عبر تعدد الأجيال.
٠في مسيرة عظيمة نثر الكاتب الكثير من القيم التي يرجو استمراريتها، والأساليب التي تتبع في ذلك، عبر وشم رمزي يريد أن يجعله ثيمة لخريطة مبتغاة، حيث التاريخ الحقيقي يكتبه الشعب فقط بأوشامه ،كما يشير بقوله: ( تاريخ تغيره الخطوط ، وتحويه الزياتين ، و تنقشه الحجارة) حتى يعانق المسير وحدة الأمة في نفس الطريق.
٠عكف الكاتب بسردية عالية جدا وألفاظ بالغة الأصالة والشدة في الفصل الأول على تصوير عُمق المآسي والهموم الانسانية بغية البحث عن حرية الكلمة والعدالة وحق تقرير المصير في مرحلة زمنية مطلقة تخفي الفراغ الموحش بفعل الحداثة، ماقبلها ومابعدها ، و المرارة المدفونة في أعماقه والحنين ، ليكشف أن جوهر الانسان هو نفسه ثابت في كل الأزمنة وقداسة الأماكن محولا الأخبار والملاحم إلى بحوث خير تابعة لسير الأخيار والأبطال التي وصلتنا عبر التاريخ.
٠ فالح الفيلسوف الفقير الذي يفضّل العزلة ولكن في جعبته فيض من المعرفة وعليه أن يفرغ مافي جعبته في الأماكن الصحيحة بإنسانية عالية عبر زرعها في طلابه لتثمر عن سلاح معرفي ضد طغاة الجهل يحارب في سبيل المعرفة ليرشدهم إلى كرامة الإنسان المهدورة فيتعلموا شحذ المعاني، واستحضار الدهشة، ومن ثم يتّقد فيهم الذكاء، وذلك كلّما عمل على تفكيك غموض الحدث ليتوغل بإيصال فكرة الأصالة المتجذرة في عمق الشخصية الفلسفيّة التي تهدف للوصول إلى الفضيلة المرجوّة ، كما أشار في بداية الرواية عن أهمية حلم أفلاطون وجمهوريته الفاضلة ، مروراً بأسماء ورموز تاريخية مناضلة ارتبطت بالشرف والفخر في ذاكرة الانسان العربي الأصيل.
٠ استغرق الكاتب معنوياً في إيجاد أسوار عالية بين الأنا الذاتية والآخر التي لم تكن من طبعه في الأصل ولكن كانت، بفضل الحياة البسيطة غير المعقدة التي غادرت بين ورقاته غابت فقط حين أراد ذلك، رغم محاولات الجميلة آمال حبيبته ( وهي اسم يحمل معناه الحرفي) بكسر حواجز الخيال التي قبع فيها فالح وحده بكل عزم.
٠كما في الرواية ثنائيات لافتة ( سخرية بلا سخرية) ، ( حزن يجلّ الظلام) ، ( من يحمل حزن الأرض) ، ( حزن التراب، صمت الماء) ، ( سنعيد تركيب الأرض) (ورسم الخارطة) بأدوات مرمّزة بحرفية ( المقاليع ، الوشم ، القضية) ليطرح سؤال عظيم ؛ أيضحك رجال المقابر؟ ضمن مجموعة أسئلة مفتوحة الاجابة تدعو القارئ للتأمل والاستفهام والانغماس في ضوء اشتباكات الحياة.
٠كحديث منثور نثار تكشف رؤية الكاتب عن الدين في الرواية متجلية بالمنظور السائد تحت وصاية البدو والحضر رافضاً هيمنتهم، ليظل الدين في عينه طهراً ونقاء ً بلا وصاية.
٠ خلال المسير تظهر طاقة تأثيرية فائقة تجذب القارئ ضمنياً لرفض التهجين الثقافي بكل صوره، وقد تمثل فيها الجانب الانساني للدوافع الموضوعية لشخصية فالح وتأثيره في علاقاته المباشرة مع الأفراد لكونه معلماً للفلسفة مُحبّاً للحكمة، غير أن العمق في طرح الآراء والأفكار القوية المترابطة برمزية محكمة، أسند الرواية البنائية إلى جدارٍ معرفي ّفلسفي اهتمّ بنشأة أدبٍ راقٍ واتّساق شخصية البطل فالح بتواتر مضطرد حتى النهاية جعل الشخصيات الرمزية المحيطة في تطورات تواترية مضمنة، تتبدى من خلال عبارات ( الوشم سوار السواعد ، ونقش على صخرة المبادئ) في حين حافظ الكاتب على معايير ثابتة بلا أية تجاوزات تخلخل قيمها الجمالية.
٠اندفاقة الوعي المُحكمة ترقي الرواية إلى مستوى المفهوم الجديد للفن الروائي، بترسيخ رؤية فريدة لعناصر السرد، من خلال الرؤى حول تلاحم الأعراف الانسانية، وبرغم أن الخيال عنصر أساسي في الرواية لكن الواقع حاضر بصورة معقولة تعزز قدرة الأفكار في الوصول للمتلقي.
٠إن رواية ” مسير ونثار ” ترقى لكونها ظاهرة أدبية تركز على فلسفة الوجود بعيداً عن أيدلوجيات مصطنعة تعايشية كانت أو اقتصادية أو مستغلة، وانتماء الكاتب الواضح إلى ايديولوجيا الانسان بلا مرجعيات حيث (الثوار يخيطون الحلو والأمل)،
(هل ينسج الوشم) ،
في قطع التركيب إشارة إلى نقد النقد الذي يرمي إلى التشكيل وروح الفكر الحديث،
( صفع الوشم، احتراق الكراسي) اشارات لرفض التسلط والظلم ، و لجعل الأرض والحب يترفعان عن أية معايير ، باعتبار الآباء مركز روحي يحثّ على القيم ظلّ وجودهم يعزز المحبة والصدق والوفاء والأمان.
٠لم يكن للشخصيات المذكورة تفاعل عميق في نسيج السرد إنما المفارقة برزت في الإرث الروحي الذي استمد عبقه من قيمة الحق المرجوّ والذي تمثل في الجدّة فاطمة و سرد القصص والنبوءات وخرافة” أمي تراكي “عبر الحركة الزمنية المتقاطعة لينمو خيال الأطفال.
٠في خصيصة تخيلية تمثلت بالوشم أرسل الكاتب حاتم عدة رسائل فلسفية سياسية تمس الخطابات بمدلولاتها الشائكة ويقينها الصارم التي انعكست على حبكة الرواية ضمن مشهد بسيط واقعي ما أدى إلى منح الرواية الديمومة والمركزية باشتمالها على نسق ضمني يظهر في مسيرة واعية لاستعارة مفقود يحث على الوعي الذاتي والتغيير الاجتماعي ، عبر ياسين الابن والامتداد ، وابراهيم الرمز، والطفلة رنا التي كانت تجيد التشكيل بالتراب لإعادة تشكيل الأمل والوعي.
وجعله ( آمال هي النوتة التي تكتمل بها السمفونية ) دليل الأنا العزيزة الواثقة لدي الكاتب وأن آمال ( الآخر) هي التي تكمل السمفونية.
٠ أما عبارة( الحب كاللقمة في فم الفقير ) كانت موطن قوة تعزيزي لفكر الكاتب الذي يخلّد العطاء والانسانية بشرح ماهية الحب من منظوره.
٠ وعبارة( الأرض المقدسة قبضة أحضرتها حواء من الجنة) رمزية عالية لجنوح خيال الكاتب بأن الطهر موجود في الحقيقة والقداسة يحمله البشر معهم حيث يشاؤون برغم الزمكنة .
٠في النهاية لايسعني إلا أن أمجّد هذه المسيرة الجوهرية برفض التهجين ورغبة وضوح الهوية كرغبة ضمنية حتى نخبّئ الآثار السيئة للبشرية في التراب ، حيث التناهي الذاتي الذي تكشف عنه الرواية وهيرمينوطيقيا الفهم هو منعطف حاسم في حياة البطل الذي طرح الكاتب من خلاله جلّ أفكاره القيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*