وجعلنا من الشعر كل حرف حي بقلم الكاتب جلال المخ من تونس.

ما يلفت الانتباه هو أنّ الشاعرة تتسمّى بأسماء مختلفة ومتعدّدة من خلال المواقع الاجتماعية وغيرها، فهي شافية تارة وهي نور طورا أو نوران أو أم أمان الله طورا آخر ولعلّ هذا البحث عن الاسم يشي ببحث أعمق وأطول وأضنى عن ذاتها التي اتخذت الكتابة شعريّة ميدانا للبحث عنها وترصّدها وذلك من خلال مجموعة أولى بعنوان “أمهلني بعض الوقت” الصّادر عن دار الاخلاّء سنة 2017 وبالخصوص في مجموعتها الشعريّة الجديدة التي مهرتها بعنوان “فيوضات على بياض”.
أوّل ما يطالعنا عند تصفّح قصائد هذه المجموعة التي بلغت التسعين بالتمام والكمال هو صورة مبدعة أنثى تتخفّى وراء النصوص أحيانا وتتعرّى أحيانا لتصرخ في آذان العالم بأنّها أنثى حتّى النّخاع وأن شعريتها تنبع تلقائيا من أنوثتها.
وفي هذا الصدد استعملت سجلاّ مختصّا عابقا بالأنوثة مرتبطا بها ارتباطا وثيقا ولكنّه ثريّ رغم ذلك ويدلّ على تمكن الشاعرة من لغتها وإمساكها بناصيتها بكلّ مهارة وحذق.
“الأنثى هي الأصل”: هذا ما نستشفّه من خلال عشرات النصوص فهي منبع الحياة وأصل الوجود منها تنبثق الموجودات وتنبعث الكائنات وهي التي تعطي معنى لمرور الإنسان بزمنه المعيش لكنّها في نفس الوقت الغاية والمنتهى والهدف الأسمى الذي تسعى المخلوقات إلى بلوغه والاتحاد به لكي تكون للحياة حياة ولكي يكون للكائنات روح ترفرف وقلب يخفق ونبض يرتعش في أجلى التعبيرات عن منزلة الإنسان في الكون واضطلاعه بمهمّة عيش ايجابي يزيد الحياة والوجود صيرورة وقوّة وجمالا.
إن حضور الأنثى في قصائد الشاعرة يتجسّد في معظم النصوص ويتّخذ أشكالا شتّى فهي أحيانا “بتول عذراء” وهي أحيانا أخرى شهوة مغتصبة وهي كذلك طفلة تخرج من دم الكلمات عارية الشرايين وتتقمّص أحيانا التّفاحة الخطيئة والمعصية ويكتنز نهدها وينتشي مخدعها ونراها تراود وتراود وتراود ثمّ تضاجع وتضاجع وتضاجع فيفتضّها الحلم في أجواء شبقيّة أمّا الحبيب العاشق الحاضر في كلّ هذه الحالات والمشارك والذي تشير إليه أحيانا بضمير المخاطب المذكّر فليس سوى الشّعر يلقّح مشاعرها ويملؤها برحيق الابتكار وإذا بها حبلى تعيش حملها بكلّ مسؤولية وغبطة حتّى تضع مواليدها وهذه الشاعرة منجاب لأنّ قصائدها أو أطفالها تعدّ بالعشرات وتسعى دائما إلى المزيد من الولادة الخلاّقة لتغمر العمليّة الإبداعية معظم جوانب حياتها الشعريّة والفكريّة ومخاطبة هذا الحبيب السّاحر تقول: “قصيدة تخرج من صلبك” فالقصائد تخرج من صلب الشعر كما تخرج هي من رحم الكلمات لتزدوج العملية وتنقلب في آن فتمسي الشاعرة أمّا عطوفا تلد القصائد وتصبح بدورها مولودة تضعها القصيدة وليس في هذا أيّ التباس فالشاعرة في نهاية الأمر هي القصيدة والقصيدة هي الشاعرة تتوحّدان لتصبحا كائنا وليد مكابدة ومعاناة وحمل ومخاض إبداعيّ يمرّ بعدّة مراحل تكوينيّة حتّى يخرج إلى النور في شكل شاعرة تنثر القصائد على حقول الحياة أو قصيدة تملأ الكون جمالا وتجسّد الشاعرة التي تتماهى مع شعرها ونصوصها لتصير في أخيرا نصّا شعريّا يتكون من مجموعة من النصوص بذلت قصارى خيالها لتبتكرها كائنات حيّة تتنفّس الحياة وتنبض بالحركة.
تقول الشاعرة في قصيد منيّ الذّكرى:
تبحث في جسد اللّغة عنها
تحرق ما تبقى من جمرها
تشابق الحروف حدّ النّدم
تتعرّى من وشمها
مسبّحة بنعمة الطيش
وهم يعيث في روحها
تثني بعضها على بعضها
تصقل فلوات الغياب
تحتلم بمنيّ الذّكرى
قطرة… قطرة… قطرة
تغلق عجز القصيدة
أيّ الألوان تشتهي الآن
في لوحة الموت؟
وقد آن لنا أن نتساءل حول هذه القصيدة التي تريدها الشاعرة مرادفا للحياة. ما هي الخصائص التي تتميّز بها هذه القصيدة وما هي مميزاتها التي تتفرّد بها وما هي الوسائل الفنيّة التي استعملتها لتحقيق هدفها المتمثل في نهاية الأمر في إرباك القارئ ومخاتلته قبل مفاجأته وإدهاشه وإلى أيّ مدى خدم الشكل المضمون محققا هذا الأمل المنشود لدى كل شاعر أو كاتب؟
تعطي القصيدة لدى شافية أهميّة قصوى للّغة وتبوّئها المنزلة الأولى في اهتمامها الإبداعي فاللّغة التي تستعملها من خلال مفردات منتقاة ومصطفاة من تاريخ الأدب العربي عبر عصوره المختلفة وهذا يؤكّد اطّلاعها على هذا الأدب وهي الأستاذة المتخصّصة في تدريس اللّغة العربية. ولقد عملت على تخيّر الألفاظ بكلّ دقّة ليصبح لها معجم لغوي خاصّ بها تتعرّف على صاحبته عند فراءة أحد نصوصها. وهذه اللّغة تمتاز بالبساطة والسلاسة وتبتعد عن التعقيد والبحث عن المفردات الغريبة والمطلسمة التي يعمد إلى استعمالها كثير من الشعراء وهي لغة سليمة في تراكيبها تقوم على جمل قصيرة ومكثفة بالمعاني ليكون القصيد كلّه لديها غير مطوّل لا يتجاوز الصفحة الواحدة وهذا الاختزال مع التكثيف لا يدلاّن على قصر نفس شعري بل إنّه معتمد وفيه قدرة على القول والإيحاء بالكثير من المعاني في سطور قليلة وفي هذا قدرة تتمثل في السّيطرة على مختلف المعاني والأفكار وإلباسها ثوب اللّغة بمقاس أنيق يظهر محاسنها ويبرز أبعادها. كما تجنبت هذه اللّغة الألفاظ الدخيلة التي أصبحت اليوم موضة لدي الكثيرين وعنوان حداثة وتجديد. وقد مزجت هذه اللّغة الأدبية بعديد من المفردات والاستعمالات المستمدّة من السجلّ القرآني في المتون وفي العناوين مثل “ألهاك التكابر” أو “السماء وما طحاها” ليفرض هذا التعامل مع اللّغة والأسلوب القرآنيين استخدام عدّة رموز قرآنية إسلامية مثل شخصية “هابيل المقتول” وخاصّة “قابيل” الذي ذكر في المجموعة ثلاث مرّات والنبيّ نوح وكذلك سليمان وقد تفننت في توظيف هذه الرّموز والأجواء القرآنية وتصرّفت في الكثير منها لتحقق من وراء ذلك شعريّة مبتكرة. إلا أنّها مزجت هذه الأجواء القرآنية الكثيرة بقليل من الاستعمالات المسيحية تخالطها وتزيدها طرافة مثل “الخطيئة” والعذراء البتول وكذلك “التكوين” الذي هو عنوان السّفر الأوّل من العهد القديم في الكتاب المقدّس.
وهذا المزج لا يقتصر على الكتب السماويّة فحسب بل يطال الأساطير والميثولوجيا بأنواعها فنجد الحديث أكثر من مرّة عن “جلجامش” وعن رمزيّته وكذلك الأمر بالنسبة إلى إيزيس الفرعونيّة وأدونيس وعشتار الكنعانيين وسيزيف الإغريقي زد على ذلك أسطورة الفينيق وعقيدة التناسخ. وتمضي القصائد في التعامل مع رموز أخرى حضارية وأدبية وفنية كالموناليزا والفيلسوف الشاعر “اميل سيوران” والفيلسوف “برغسون” والرّوائي “ماركيز” والشاعر المعجزة “رامبو”.
إن هذين الترميز والتوسّل بالأسطورة دليلان على أن قصيدة نوران تنفتح على العالم بمختلف معتقداته وحضاراته وتحاور الإنسان حيثما كان رغم تجذّرها في لغة عربية سليمة تحيط بها الرّموز والشخصيات القرآنية وهما كذاك يؤكدان على أن الكتابة الشعريّة اليوم لا يمكن أن تزعم أنّها كذلك ما لم تخرج عن الموروث الشعري وتبحث في آداب وفنون الأمم الأخرى ماضيا وحاضرا.
هذا الاهتمام اللغوي أكيد في قصائد الشاعرة وهي تتمسّك به وتصرّ على إيلائه الاهتمام الذي يستحقّ لذلك نراها تشنّ حملة هوجاء على الكتبة الذين يستهينون بهذا الأمر وتتخذ إزاءهم موقفا معاديا وتنعتهم بأشنع النّعوت المحفوفة غالبا بالإيحاءات الجنسيّة فتسمّيهم “بغايا اللغة” لا أكثر ولا أقلّ بل تنعت هذا الزّمن بأنّه “زمن بلا لغة”.
وهذا الاستعمال الواعي للّغة جعلها تبني قصيدها على تعاقب الصّور المبتكرة إذ لا يخلو نصّ من عديد الصّور فيها جانب من الطّرافة والتفرّد من ذلك مثلا: “عطش الماء” و”النّار في الثّلج” و”المتضوّر وهما” و”دفن الشمس” و”طفلة تخرج من دم الكلمات” و”يا قرّة الحرف” و”نديم التراب” و”متى يصفّق البحر” و”بحر مخنوق الزّبد” إلخ…
وهذا ما يعطي شرعيّة لتسمية أخرى أطلقتها على نفسها وهي “أنا ٱبنة المجاز”.
وبعد هذا نتساءل عن شكل القصيدة التي تكتبها نوران وعن الاتجاه أو المدرسة التي يمكن أن تصنّف فيها نصوصها؟.
إن الشاعرة لا تكتب قطعا القصيد العمودي ولا يستهويها كذلك شعر التفعيلة لما يتطلّبانه من ٱلتزام بالقافية قد يؤدّي بالكثيرين إلى التصنّع والمباشرة بحثا لا يهدأ ولا يني عن رويّ يعتبرونه أساس نجاح الكتابة الشعرية. والشاعرة لا تستبعد هذين النمطين من الشعر فحسب بل لها مواقف واضحة تعبّر عنها القصائد نفسها لتكتسي القصيدة زيادة على فنياتها نفسا نقديا وموقفا أدبيا صريحا، فهي تبشّر بحتف القافية وفي موضع آخر تدعو إلى “إشعال النّار في القافية”، هذه القافية التي يصرّ كثير من شعراء القصيد النثري على التمسّك بها والمبالغة في ذلك مناقضين تحرّرهم من الوزن والتفعيلة والبحر. والحقّ أنّ نوران استعملت في أحيان قليلة هذه القافية في مواضع لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، لكنّها أهملتها إجمالا وبحثت عن جمالية النصّ في موسيقاه الداخلية وفي إيقاع مطّرد لمفرداته وألفاظه لتخرج علينا بصور شعريّة مستحدثة وطريفة تميّز بها نصّها وأعطاه طابعا خاصّا وشخصيّا. وهي إذن لا تكتب لا في العمودي ولا في الحرّ وشعرها المنثور يتميّز بموسيقاه وصوره رغم أنّ التوزيع البصري الذي استخدمته قد يوهمنا أحيانا بأنها تكتب شعرا حرّا…
إنّ شافية محمد فرج أو نور شافية نوران شاعرة تستنطق أنوثتها لتحوّلها إلى شعر وتحاول كتابة قصيد متفرّد ومختلف حتّى وإن لم يرق لبعض الصفويين والمتزمتين في الشعر وغيره لذلك تقول “ملاذي الشعر الحرام” المتلبّس بخطيئة اقتراف القصيد وارتكاب الصّور الشعريّة الجريئة والجسورة. وهي تواصل محاولاتها دائما ساعية إلى تجويد كتابتها ولا تعتبر أنّها بلغت الحدّ الأقصى لاستعمال فنيات كتابة القصيد وبالنسبة إليها “الاكتمال فناء” والإبداع بحث مضن ومتواصل لذلك تتساءل دوما وتسائل نفسها وما تكتب “أنا أنوثة وأسئلة” وما دام السؤال يؤرقها فإن الإبداع مترعها ومطلبها الأوّل والأخير “الشّعر ورقتها الأخيرة” لتعطي معنى لوجودها وتفسيرا لحياتها ولتقدّم نصّا راقيا وطريفا يربك القارئ ويدهشه في آن “ومعراجها يصبو لسدرة الدّهشة” وكلّ نصوصها وقصائدها ترتّل وتردّد متماهية مع الأجواء القرآنية التي لفّتها: “وجعلنا من الشعر كلّ حرف حيّ”…
حمام الأنف
07 أوت 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*