قراءة في كتاب حامد عبد الصمد «الفاشية الإسلامية».بقلم خالد الفاقير.

يرى الكاتب المصري حامد عبد الصمد المعروف بإنتقاداته الشرسة «للإسلام» و «للمسلمين» أن «التقدم لا يعرف الخطوط الحمراء، و إنتقاده للإسلام والمسلمين هو بالأساس نظرة بناء وليس نظرة مدح لعالم يقف على هوية الإنحطاط و السقوط»، وجاء حامد في هذا الكتاب المعنون «بالفاشية الإسلامية» ، بنظرة شمولية و إستقرائية للتاريخ الاسلامي و المشاكل و العوائق التي تساهم في عرقلة المسار الاصلاحي و التنويري و الحداثي النقدي المبني على حرية التعبير و التعدد و الإختلاف و روح التغيير، و يُعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب المعاصرة النقدية التي جاءت برؤيا تحليلية للأزمات التي يواجهها «العالم الإسلامي» و الذي يرى فيها البعض حقيقةً تاريخيةً وواقعاً مُراً ، و البعض الآخر يرى فيها كراهية و حقد مبالغ للإسلام والمسلمين، و عرف هذا الكتاب أيضاً عدة إنتقادات في الأوساط الأكاديمية والدوائر البحثية و البحوث العلمية المعرفية، خاصة من الخارج عبر المفكر و السياسي الألماني «يورجن تودنهوفر»، أو من الشرق الأوسط و شمال إفريقيا الداخلي كالمعتاد المتمثل في الحركات المحافظة التقليدية التي ترى في هذا الكتاب نوعاً من المبالغة و الإشمئزاز و الكراهية للعالم الإسلامي و أن الإسلام بريء كل البراءة من هذه القراءة و الأفكار التي لا تَمس بالبث والمطلق بصمعة الإسلام، وجاء حامد عبد الصمد بهذا الكتاب كإمتداد تحليلي لأزمة التخلف و الإنحطاط الذي جسده حامد في كتابه الثاني «سقوط العالم الإسلامي، تحت نظرة في مستقبل أمة تحتضر»، وبذلك فهو إمتداد موضوعي له، لكن ماذا يقصد بالفاشية أو الفاشية الإسلامية؟ و ما هي أركانها و أمراضها و ظروف تأسيسها؟ و ما هي العلاقة التي ترتبط الفاشية بالإخوان المسلمين ؟وما هي بعض الإنتقادات التي تلقاها حامد عبد الصمد حول هذا الكتاب؟يرى الكاتب المصري حامد عبد الصمد أن جماعة الإخوان المسلمين كفاشية مثلها مثل الفاشية الإيطالية و النازية، فقد ولدت هتين الحركتان من رَحمِ الحرب العالمية الأولى من خلال الشعور بالهزيمة والرغبة في العودة لأمجاد الماضي البعيد، و ظروف نشأتهما متطابقة ايضاً لجماعة الإخوان المسلمين. فجماعة الإخوان المسلمين ظهرت بعد انهيار الإمبرطورية العثمانية و سقوط الخلافة، و تشترك هذه الحركات الثلاث جميعاً في علامات إيديولوجية أساسية تتمثل في الفكر الجمعي الأممي، و الإيمان بوجود قلة دينية أو قومية مختارة و قمع الآخر بالعنف والسعي الإمبريالي للهيمنة على العالم و التحكم فيه، لكن ما نقصد بالفاشية؟الفاشية كما تناولها حامد عبد الصمد هي دين سياسي له أتباعه يعتقدون بدورهم أنهم يملكون الحقيقة المطلقة و هي بالأساس تحتاج أعادءاً لها أكثر من حاجتها لأتباع، وكل حركة فاشية يلزمها بالضرورة تأسيس سيناريو لخطر على وشك الحدوث، وتعليم و إعلام يقسمان العالم لعدو و صديق، مع مخطط خارجي يترصد بالبلاد، بحيث يتحد الشعب خلف راية واحدة و قائد معصوم ملهم ذو كاريزما على قمة هرم السلطة مسلح بمهمة «مقدسة» وهي توحيد الأمة و سحق الخصوم و الأعداء، هؤلاء الذين قد يكونون جدلا في بعض الأحيان من نسج الخيال، و مهمة كل فاشية كيف ما كانت تؤمن بالتفوق العنصري ضد الآخر و تؤمن أيضا بالتفوق الأخلاقي و تملك «الحقيقة المطلقة» لجل الحقائق، و تَعتبر نفسها أنها أفضل أمة أُخرجت للناس .و يرى حامد أيضاً أن جماعة الإخوان المسلمين مثلها مثل الفاشيات السابقة ، من خلال أن لها أعدائها سواء كانوا الأقارب المتمثلين في المسيحيين الشرقيين او الإصلاحيين او العلمانيين او المفكرين او الماركسيين او قلة دينية هوياتية، أما الأعداء الخارجيين أو البعيدين المتمثلين في الغرب و إسرائيل و المسيحيين الغربيين . فهم يحاولون في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا توحيد الأمة بمفهوم ديني و المتمثل في الأمة الإسلامية والعربية دون نبش في تاريخ الأقاليات و إعطاء حق لهم و يحاولون كبح كل الذوات الحرة التي تسعى إلى التغيير و الإنفتاح على أفكار عصر الأنوار الأروبية و تقديم قراءات جديدة معاصرة لما نعيشه اليوم من تخلف و إنحطاط و أزمات لم نعد قادرين على حلها، فتلجؤ إلى تهديدهم و الانتقام منهم و إلى كل من يحاول الخروج من «الملَّة» ، فهي تُمجد الروح العسكرية التي تجد فيها نوعاً من الإستقرارية في ظل جهاز السلطة الديكتاتورية لتتحكم في زمام الأمور ، والتضحية بالنفس حتى الموت في سبيل أفكارها و تصوراتها و وهمها، و روح إنتصارها هو انتقام وكبح كل الفئات الشبابية التي أصبحت ترى في فلسفة عصر الأنوار الأروبية و اليونانية ملجأ لشفاء ذاتها من وهم التقليد و التخلف والتي تنظر إليها جماعة الإخوان المسلمين كإمتداد موضوعي «للغرب»، فهم تأثروا بسقوط أمجاد الماضي المتمثل في الإمبراطورية العثمانية و سقوط الخلافة و تطور الغرب ايضاً خيبة أمل أخرى ، من خلال أنها ترى أن الأمة العربية هي التي قدمت كل شيء للغرب ، وأن الغرب تقدم بجهد كل البحوث العلمية التي جاءت بها الحضارة العربية التي تشكل أقلية في عالم يعتقدون أنه عربي أولا، و يحلمون بغزو العالم من جديد بسيوف من خشب و بخيول لم تَعد قادرة حتى على كسب رهان السباق أمام واقع و زمان لم تعد الحرب فيه قائمة على ما هو جسدي بل أصبحت ترتكز على ماهو تكنولوجيا و إصطناعي تقني ، فجماعة الإخوان المسلمين تقف وراء مهمة «مقدسة» ترى فيها مجد المستقبل و متسلحة بأفكار و بكتب ابن تيمية و كتب السنة والفقه .وكل هذه الحركات تؤمن بالتفوق الأخلاقي و العرقي و الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي و ترى في الأخر كراهية و حقد وهنا تظهر كراهية التي كتب عنها فريدريك نيتشه التي تتجلى بكونها كراهية صادرة من أشخاص يعتبرون أنفسهم أفضل من ظروفهم ومن عالمهم المحيط بهم.فجماعة الإخوان المسلمين هي إحدى الجماعات السنية نفوذا في الشرق الأوسط، تُقّدم في بعض الأحيان من قبل الخبراء في الإسلام السياسي على أنها حركة إجتماعية إصلاحية قامت بِنَبد العنف في ماضيها البعيد، يدعون إلى أن هناك «إسلاموية» معتدلة وأنها تتوافق مع الديمقراطية، فهي دائما تذكر الرئيس التركي الحالي «رجب طيب أردوغان» بإستمرار و بالتزامن ما يسمى بالاسلام المعتدل ، و كذلك «رشيد الغنوشي» في تونس و حزبه و حزب النهضة في مصر و حركة العدل و الإحسان في المغرب .فهم يرون أن الشريعة و الديمقراطية شيء واحد والحجاب هو رمز تحرر المرأة وتمكنها …يستشهد حامد بالكاتب التونسي الفرنسي مأدب في كتابه “مرض الاسلام” أن العالم الإسلامي مريض بمرض مزمن نتج عن الشعور بالخيانة من قبل التاريخ و العالم، فكل الحركات الإسلامية تتأرجح في خطابها بين خطاب المظلومية و حلم سيادة العالم، وعبر حامد بقوله أن الفاشية مصابة بعدة أمراض تصيب أفرادها و قيادتها مع مرور الوقت، ومن أهم الأمراض التي ركز عليها حامد هو مرض”العزلة” الذي يؤدى إلى الخوف و نظرة المؤامرة، و للتغلب على العزلة والخوف يأتي مرض أخر وهو “مرض تعظيم الذات،” ولَعْن الآخرين، بالإضافة إلى أمراض نفسية واجتماعية تؤدي إلى الحقد و الكراهية و التعصب تم إلى فاشية تخرج من نطاق التاريخ و تنسى ما وقع و تبدأ بخلق تاريخ خاص بها ، وكل هذا يؤدي بها إلى العدوانية و العنف ضد الذات أو ضد الأخرين، ويعتبر أن الإرهاب هو المرض الأخير و الإنفجار الكبير الذي تلجئ إليه الفاشية لإستعادة نفسها و التأثير في الأخر وفي مجال معين .أما بالنسبة لأركان الفاشية كما تناولها حامد عبد الصمد في هذا الكتاب، فقد أخدها من الفيلسوف الإيطالي ” أمبرتو إكو “في كتابه «خمس مقالات أخلاقية» والذي جسد فيها أربعة عشر سمة مميزة للفاشية:فالاولى هي “عبادة التقليد ” حيث يعتقد الفاشيون أن الحقيقة شيء غير متغير، و ينفون بذلك إمكانية التقدم الفكري و التوصل للحقيقة بالشك والبحث والتجربة ، وعبادة التقليد جزء أساسي من الفكر الاسلامي، خاصة لدى التيار المحافظ المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين. أما بالنسبة للثانية فهي” الآخرون أو الآخر أو الغير بالمفهوم الفلسفي” حيث أن الفاشية تحتاج أعدائها أكثر من أتباعها، فهي تتغدى على هوس الناس بإعتقادها أن الآخرين يحكون مخططا ضدهم. ثم “الكفاح”، فهم يكافحون من أجل السيطرة و إعادة أمجاد الماضي و يسعون الى التسلح أكثر من أجل العيش، مثلا الجهاد في الاسلام و الكفاح هدف أكثر مما هو وسيلة. بالإضافة إلى “رفض قيام الحداثة و التنوير” لكونها ترفض النقد والتفكير و إستخدام العقل و العقلانية و التمتع بالكراهية و التعصب للآخر…و لأن النقد أساس قيام التنوير، فكتاب حامد عبد الصمد الذي بين أيدينا عرف عدة إنتقادات سواء خارجية منها أو الداخلية المتمثلة في الحركات المحافظة التقليدية التي ترى بأن الإسلام بريء كل البراءة من هذه القراءة و الأفكار التي كانت فيها مبالغة وإهانة و إجحاف للدين الإسلامي و ما يحمله من قيم إنسانية و كونية، وأن رسالة الإسلام جاءت سلمية و ستبقى كذلك، لأنه دين تسامح و محبة ، وأنه رسالة للعالمين. وهناك أيضا من يتفق معه بإعتبار أن هذآ الكتاب جاء بنظرة شمولية لأزمات التخلف و تصحيح للمسار الإصلاحي و إعادة إستقراء التاريخ بقراءة نقدية وبكل موضوعية، واعتبر المفكر السياسي الألماني يورجن تودنهورفر أن ما قدمه حامد عبد الصمد في هذا الكتاب إهانة للإسلام ووقاحة وجبن، كما وصفه أيضا أن جل كتابات حامد سواء كانت مسموعة او مكتوبة ماهي إلا لون من ألوان التربح بإعتبار نقد الاسلام سلعة رائجة، و ما يكتبه حامد يخضع للمادة 130 من قانون العقوبات الألمانية كخطاب يحرض على الكراهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*