قراءة في نص درب اللبانة ….

درب اللبانة
كان كل شيء كاملاً فيه عندما ولد ، الصرخة الأولى والعينين الدبقتين والفم الواسع كرزي اللون، والمادة البيضاء التي تغطيه، ولكن تلك الزائدة الصغيرة المعلقة في أصل سبابته هي ما استوقف أمه وهي تتفحصه ملياً، قلبتها بطرف اصبعها، حدقت فيها جيدا؛ ثم أوققت عملية الفحص؛ ابتسمت ابتسامة مشوبة بفرح ثم أرضعته حتى شبع، وصارت كل مرة ترضعه فيها، تمسك تلك الزائدة تدلكها بحنان و تراقب نموها البطيء جداً.
عندما دخل المدرسة ؛ لم يدع أحداً ينتبه لزائدته تلك التي أصبحت إصبعاً صغيرةً ، إذ يضمها بقبضته ولايفتح يده حتى لايُكشَف سرُّه .
حتى كان أحد دروس الرسم، أشفق على لوحات زملائه الباهتة، فمرّر إصبعه عليها فصارت ألوانها براقة وغدا الرسم لعبته المفضلة. وفي درس آخر رسم على دفتره تفاحة حمراء، و وردة ترفرف فوقها فراشة، و حين مرر إصبعه على الرسمين، أضاءا بوهج ملون برّاق.
عندما نظرت المعلمة للرسمين هالها ما رأت ونظرت طويلاً إليه وابتسمت ابتسامة مشوبة بفرح؛ ثم علقت اللوحتين على حائط غرفة الصف، في اليوم التالي عندما حضر الجميع إلى المدرسة كانت الورقتان فارغتين وبيضاوين تماما، وعلى شباك الصف علق جناح فراشة وزهرة ناعسة، و ارتمت على الأرض تفاحة حمراء ذابلة ،منهوسة الخد .
عندما صار طالباً جامعياً، انشغل بالفتيات اللواتي يدخلن حديثاً، يفتش فيهن عمن تعاني ندوباً أو عيوباً فيحاول أن يصلحها بتمرير إصبعه عليها ، لكنهن كن يسخرن منه ويمضين مكسورات القلب، ظناً أنه يهزأ بهن، فأخذ يرسم للجميلات منهن فماً مكتنزاً و شعراً طويلاً ،و عينين بأهداب كثيفة وارفة. أقبلت اللواتي يعانين من تشوهات أو ندبات قديمة إليه فشعر بنشوة النصر وملأه شغف مبهم ، فراح يرسم لهن جلداً جديداً مشدوداً ولامعاً، وعيوناً واسعة ملونة، وصحيحة النظرة، وجسداً ممشوقاً خالياً من العيوب. وكن ينصرفن من عنده وهن مذهولات بشكلهن الجديد الجميل.
عندما جاءت هي لم تكن تريد شيئاً لأنها لم تكن تعاني سوى من شفتين ذاويتين، لاتعرفان الفرح كل ما أرادته أن يرسم لها ابتسامة مشرقة، ففعل، ولكن وأمام ذهوله، شفتاها عادتا سريعاً لحزنهما المعتاد، نظرت إليه بانكسار و قالت:

  • إما أن تكون أنت فاشل كبير أو أن يكون حزني لامثيل له
    وأدارت ظهرها ساخطة. بهت لحظة، نظر إلى إصبعه لم يبد عليها أي عجز،
    ثم تبع ولأول مرة خطوات فتاة. كانت دموعها تتناثر، فتتطاير حوله وتغرقه في هالة عطر أنثوي اخترق حواسه وألهب حرقة في جوفه واستفز أعضاءه فتنبهت ودفق فيها دم حار ، انتصبت إصبعه وأصابها جنون ما فأخذت ترسم نجوماً حول هالة العطر، وعلى مسير الخطوات، لكن النجوم سرعان ما تنطفئ وتتساقط وراء الفتاة ، وتقع على الأرض راسمةً طريقاً ملتفةً، تطول بسرعة كلما أوغلت فيها الفتاة، وهو واقف يراقب بانشداه، شعر بالخوف لأول وهلة لكنه خطا خطوة بعد تردد، وما إن حرك قدمه حتى شعر أنه يرتفع قليلا في الهواء، أتبعها بخطوة أخرى فارتفع أكثر وأخذ يحلق، الفتاة على الطرف الآخر التفتت تنظر إليه فابتسمت، وطارت مقتربة منه بهدوء، نهضت النجوم ورسمت درباً يشبه ذاك الذي يسلكه بائعو اللبن. صارت الفتاة شمساً وتحول هو قمراً وأضحت إصبعه قلماً كتب به أسفار الكون الأولى.
    عبير عزاوي

سرد جميل مشغول بلغة مجازية خيال رائع
يرصد حالة نفسية يصدرها الكاتب بدءا من الولادة
طفل مع زائدة ملتصقة بالسبابة
ما تلبث أن تنمو لتصبح واضحة المعالم كإصبع سادسة
وهذا احد أنواع التشوهات التي تحدث مع الخلق وأسبابها كثيرة لكن نحن في غنى عنها هنا
الملف هو اكتشاف البطل قيمة هذه الإصبع بعد كان يخبئها ويخجل منها لأن الذي بيده غير مألوف وشبه نادر
القيمة هنا يمكن أن نأخذها بشكل مجازي بأن لديه القدرة على تغير ملامح الأشياء
طبعا ليس دائما بشكل مفرح ومبهج
و الدليل على ذلك كيف وجدت المعلمة وجميع من في الصف في اليوم التالي اللوحات المعلقة بشكل سوداوي
لوحتان فارغتان لاشيء فيهما غير البياض
جناح فراشة معلق ع النافذة و وتفاحة مقضومة على…
و في هذا دلالة على الشعور بالنقص الذي يشعر به البطل في طفولته
كل لمسات الجمال التي كان يقوم بها كانت حتى يجذب انتباه زملائه ومعلمته هو يبحث عن الحب و الصداقة في داخل كل من يقترب منه حتى يكسر حاجز الخجل وخوفه من اصبعه رغم أنها تصنع مايسمى شيئا خارقا للعادة
لاحظو أن الحالة لم تنته معه حتى عندما دخل الجامعة
شعور الخوف و الخجل مستمر و ردة فعل الفتيات في البداية واضحة
لكن المثير أن البطل متسلح بالإصرار و لا يعرف اليأس و دائم البحث عن حلول
وقد وجد ضالته واستطاع جذب فتيات الجامعة
هنا أراد الكاتب/ة أن يقحم ذات أنثوية تغير من ذات البطل وتشعره بتبادل الحب الحقيقي
طبعا هنا الكاتب استخدم الكثير من المجازات هنا
ليوصل فكرة أن تلك الإصبع لم تعد مثلما كانت
هي عاجزة رغم كل المحاولات
هنا الكاتب كان يرسم بمجازاته فكرة أن الحب ليس بالإبهار و بيان القدرات الخارقة للاصبع
لاحظوا براعة الكاتبة حين رسمت بمجازها فكرة الخطوة ارتفع ثم مع الخطوة الثانية ارتفع أكثر
و في هذا بيان ان الحب يكون بالخطوات الحقيقية
وهذا حقيقة ماجعل ردة فعل البطلة تبادله الخطوة ترتفع
والارتفاع هو بحد ذاته أنهما أصبحا ساميان بالحب
و الدلالة أنه في مشهد الخاتمة يتحول لقمر و هي لشمس
و القمر يستمد نوره وطاقته من الشمش
ويدور حول الشمس ويعلن جاذبيته لها وحدها و كأن هذا المدار الذي يدور فيه هو عنوان بقائه و ديمومته
هذا الدرب كدرب كل جرم سماوي لايعرف التيه
محبتي وطوق ياسمين للكاتب /ة
وشكر كبير للمبدعة أ. Hanan Badran على هذه الفقرةالرائعة
ا.احمد اسماعيل
من سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*