من العولمة إلى الاستعمار الناعم بقلم فتحي جوعو من تونس

1 – في دلالة العولمة:

        لماذا اليوم نتحدّث عن انهيار مشروع العولمة الذي بدأت اشراقاتُه تغطّي جميع بلدان العالم منذ النّصف الثّاني من القرن الماضي وهلّلت له الحكومات وبشّرت به السّياسات ودعّمته البلدان النّامية وصادقت عليه، مُوهِمَةً شُعوبَهَا أنّ كلّ الرّفاه وكل السّعادة والرّخاء رهين هذا المشروع؟ ألا يُغطّي هذا الغلاف الزّائف من الرّخاء والرّفاه والسّعادة نوايا السّيطرة السّياسيّة والهيمنة الاقتصاديّة وزيادة عمق الهوّة الثّقافية والحضاريّة بين البلدان السّائدة والبلدان المسُودة؟ لماذا لم يُحّقق هذا المشروع منتظرات صانعيه واهداف منتجيه على المدى البعيد؟ ثمّ الأهمّ من كلّ ذلك كيف يمكن تفسير هذه المعادلة المعكوسة : “في انهيار مشروع العولمة، وهو أمر إيجابي بالنسبة للمجتمعات التي تسعى لاسترداد الهويّة وإعادة بناء خصوصياتها الثقافيّة والحضاريّة، تُفاجَأ بانهيار قيمها وتصدّع مُرْتكزاتها!”؟ (الأكاديميّة العربيّة الإنجليزيّة من مقال بعنوان: “الظروف التاريخيّة لظهور العولمة” ص1

        لم يُجْمع المفكّرون والفلاسفة وعلماء الاقتصاد ولا حتى السّاسة على مفهوم واحد للعولمة ولعلّ ذلك يرجع إلى مواقفهم السّياسيّة ومواقعهم الايديولوجيّة ومرجعياتهم الفكرية والاقتصاديّة والثقافيّة وغيرها. لكن يمكن تقريب المُصْطلح من عبارات “العالميّة” أو “الكوكبيّة” Globalisation ouMondialisation، لكنّ قد نجانب الصّواب حين نُسَوّيها بمصطلح “الكونيّة” Universalisation لأنّ العولمة قامت بالأساس لضرب مفهوم الكونيّة وتقويض أسُسها ومرتكزاتها كما سيقع بيانه في صلب التّحليل. وتبدو العولمة كفكرة ومحتوى قديمة قدم الحضارات وتعكس منذ قدم العصور إرادة السِّيادة والسَّيطرة لشعوب تعتقد في رُقيّها  على شعوب أخرى مستضعَفَة سواء على المستوى التّجاري أو الاقتصادي أو الفكري الثّقافي فيُمكن ذكر مثلا العولمة اليونانيّة أو العولمة الرّومانيّة أو العولمة العربيّة الإسلاميّة فقد كانت لهذه الحضارات جميعها فكرة التّوسّع التّجاري بترويج مصنوعاتها وبضائعها ونشر علومها وتقنياتها وكذلك تمرير فنونها وإبداعاتها حتى تُشِعّ على بقيّة المجتمعات وتأخذ السّيادة وتُحضَ بالتَمَيُّز، لكن ما كان يميّز هذا المفهوم للعولمة في قديم المجتمعات أنها كانت تحافظ في نفس الوقت على خصوصيات المجتمعات المسُودة وتأخذ منها ما يميّزها على نحو تفاعليّ تبادليّ فصحيح أن الغالب بعبارة ابن خلدون يمرّر قيمه وتقاليده وثقافته للمغلوب لكنّه ينتفع أيضا بخصوصيّات ثقافة المغلوب وينمّيها، فيَحدث فعل المُثَاقفة بينهما ويتحقّق التَّفاعل والنُّموّ الحضاري ولعلّ خير دليل على هذا التّفاعل خصوصيات الحضارة الأندلسيّة التي هي نتاج لقاح ثريّ بين الحضارة الاسبانيّة من جهة والحضارة الاسلاميّة من جهة أخرى.

        لكن ظاهرة العولمة بالمعنى الاقتصادي الرّأسمالي الحديث بدأت تتبلور ملامحُها منذ ما يقرب عن الأربعة قرون حين توسّعت الاكتشافات الجغرافيّة وبدأ نموّ الاقتصاد الرّأسمالي. فقد لاحظ كلّ من “بول هيرست وجراهام تومبيون” في دراستهما بعنوان “ما العلمنة؟ الاقتصاد العالمي وإمكانيات التحكّم”: ” أن ظهور العولمة كان في القرن14م، بدليل الشّركات المتعدّدة القوميّة بأروبا الغربيّة كما نجد ذلك عند كلّ من ألمانيا من خلال العصبة النازيّة وعند إيطاليا التي بلغت شركاتها التّجاريّة متعدّدة القوميّة عند نهاية القرن 14م نحو 150 شركة تربط أوروبا بالشّرق، وإن كان للدّولة حضور قويّ في هذه الشّركات، وأيضا بالنّسبة إلى هولندا من خلال شركة الهند الشّرقيّة الهولنديّة وشركة الهند الغربيّة الهولنديّة، ثمّ شركة الهند الشّرقية الانجليزيّة وشركة إفريقيا المَلَكيّة التّابعة لبريطانيا وغيرها من الشّركات التي توالت منذ القرن 14م إلى القرن 18م، والتي توّجتها الثّورة الصّناعيّة كأقوى تجلّ لظاهرة العولمة الحقيقيّة نظرا إلى انتشار الشّركات التّصنيعيّة التّحويليّة العملاقة ذات أصل انجليزي أو فرنسي أو هولندي أو إيطالي … والتي باتت تُسَيطر على خيرات العالم الجديد وخيرات إفريقيا وآسيا. ويؤكّد هذان الدّارسان أن الشّركات متعدّدة الجنسيّات اكتمل نضجُها قطعا في النّصف الثّاني من القرن 19م، وأصبحت عملاقة مع الحرب العالميّة الأولى حيث نما النّشاط التّجاري العالمي في تلك الفترة بوتيرة سريعة، لكنه تباطأ في الثّلاثينات بفعل الأزمة الاقتصاديّة العالميّة سنة 1929، وليتعثّر خلال الحرب العالميّة الثّانية لينطلق ما بعد الخمسينات بشكل قويّ وهائل ومذهل”

ولا يخفى على أحد أن ما حدث من تشكّل لنظام عالمي ذي ثنائية قطبيّة، القطب الشّرقي الاشتراكي الشّيوعي والقطب الغربي الرّأسمالي الليبيرالي والذي أفضى إلى شكل جديد من الحرب الباردة التي دامت بين القطبين أكثر من أربعين سنة وأدّت في الأخير إلى سقوط جدار برلين1989  وافلاس نظام الاتحاد السوفياتي سنة 1991 مع انهيار حلف وارسو في نفس السّنة، مما سمح لأروبا الغربيّة والولايات المتّحدة الأمريكيّة  بإعداد شروط جديدة للنيوليبيرالية التي ستفتح الأبواب واسعة إلى الأسواق الحرّة وستتبنّي أمريكا هذا النّظام العالمي أحاديّ القطب و” … تنسج ما سمته ببيت العنكبوت أو العُملة العالميّة الجديدة الموحّدة وهي العولمة من خلال خلق مؤسّسات ماليّة عالميّة سوف تكون لها الكلمة الفصل في صهر العالم وفق الاستراتيجيات الأمريكيّة مثل صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي والمنظّمة العالميّة للتّجارة، دون أن نغفل التّغلغل الأمريكيّ في هيئة الأمم المتّحدة والتّحكّم في هياكلها وأجهزتها وجعلها تُشَرْعِنُ السّلوكيات الأمريكيّة تجاه العالم اقتصاديّا وسياسيّا وعسكريّا” [ نفس المصدر ص2].

2- أهداف مشروع العولمة:

           العولمة في عصرنا إذن أمريكيّة الأصل والمنبت أوروبية التوسّع والمنافسة هدفها الأوَّل اقتصاديّ تجاري بالأساس ينزع نحو كسب أكثر ما يمكن من الأسواق الخارجيّة لبلدان حليفة مازالت في طور النّموّ تكون بمثابة الحاضنة الاستهلاكيّة للسّلع والبضائع التي لا بدّ لها من تصريف نتيجة تطوّر وسائل التّصنيع وتفاقم الإنتاج، فكان لا بدّ من إبرام اتّفاقيات تجاريّة بين البلدان المصنِّعة والمنتِجة والمتقدمة تقنيّا وتكنولوجيّا وصناعيّا، نذكر هنا أمريكا بالخصوص وأروبا، وهي اتّفاقات أخذت غطاء سياسيّا وقانونيّا دوليّا يتلخّص في الحريّة التّجاريّة الّتي تعنى بالأساس فضّ القيود الجمركيّة بين الدّول والسّماح بتبادل السّلع والخدمات دون الخضوع لدائرة المُكُوس أو القُيود الحكوميّة أو الضّرائب، و لا يخفى أن العولمة من هذا الجانب الاقتصاديّ أوجدت لنفسها غطاء قانونيّا تجسّد في المُعَاهدات الدّوليّة التي توفّر المناخ القانوني والسّياسي لإحداث مثلا مناطق تبادل تجاري حرّ في هذا البلد النّامي أو ذاك تُشرف عليها منظّمات عالميّة مثل “منظّمة التّجارة العالميّة”. ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نشير إلى مدى انعكاس هذا المدّ التّجاري للعولمة الاقتصاديّة وتأثيره السّلبي والخطير على الأسواق المحليّة للبلدان النّامية التي قبلت حكوماتهُا هذا المشروع ولعلّ أخطر ما نتج عن هذا السّطْو التّجاريّ والصّناعيّ هو تراكم البضائع  ووفرة السّلع الأجنبيّة في الأسواق المحليّة مع تدنّي أسعارها نتيجة إعفائها من الضّرائب الجُمْركيّة بحيث قضت على المنتوج المحلّي فتعطّلت المصانع وكثُرت البطالة وضَعُفَ الإنتاج الوطني ثمّ ثانيا كوّنت هذه العولمة شكلا جديدا من المجتمعات وهو الشّكل الاستهلاكيّ الذي قضى على الرَّغبة في الإنتاج طالما أن المُسْتهلك يجد كل ما يحتاجه وما لا يحتاجه معروضا بكثافة في الأسواق، فكوَّنت هذه الدّول الرّأسماليّة المعاصرة نموذَجَ إنسانٍ سماه “ماركوز”: ” ب الإنسان ذو البُعد الواحد” L’Homme Unidimensionnel  الذي لم تَعُدْ له سوى  وجْهَة واحدة ووحيدة وهي اشباع رغباته الاستهلاكيّة بوعي وبدون وعي وقد تعمّق هذا الاشباع المُمَنْهج بتوظيف كثيرا من العلوم الإنسانيّة  كعلم الاجتماع وفروع علوم النّفس وعلوم التّسْويق والاشهار التي تمكّنت بما تَوَفَّرَ لها من تقنيات ومناهج علميّة متطوّرة جداّ من فهم الإنسان المعاصر وتأطير احتياجاته وتوفيرها ثمّ التحكّم فيه والسيطرة عليه وتحويله إلى “أداة لكلّ أداة” كما أعلن “كانغيلام”. وكانت الغاية القصوى للعولمة في هذا المجال صناعة “إنسان عالميّ أو مواطن عالميّ” يستهلك نفس البضائع والسّلع ويعيش “تفس الرّفاه” حيث ما كان في “العالم الكبير” الذي تحوّل بفعل سيادة التكنولوجيات المعاصرة، إلى “قرية كوكبيّة”.

ولا شكّ أن هذا النّهم الاقتصادي للدّول الكبرى الذي ما فتئ يتغلغل في شرايين الدّول النّامية، لازمه ضرورة إرادة السّيطرة على حكومات هذه الدّول ماليّا بمنحها قروض طائلة وطويلة المدى ومساعدتها على اللحاق بركب التطوّر! ثم سياسيّا بالتّدخّل والتّحكم في نظامها السّياسي ومشاريعها الاقتصاديّة وأنماط إنتاجها وأشكال استثمارها حتى تُبقي وتحافظ على مصالحها بترسيخ أُسُس نمط المجتمع المتطوّر على مستوى الاستهلاك والمتخّلف على مستوى الإنتاج والانتاجيّة!

وقد بلغت العولمة أَوْجها في السّيطرة على الأفراد والمجتمعات حين وظّفت وسائل الاتصال المعاصرة واستغلّت الحاسوب والأجهزة الرّقميّة وتكنولوجيات التّواصل الافتراضي بحيث لم تعد الشّعوب اليوم بحاجة إلى الغذاء والطاقة بقدر حاجتها إلى المعلومات والخدمات فخلقت مناخات ومساحات شاسعة من العوالم الرّقميّة والصّفحات الالكترونية والمواقع الاجتماعيّة والتّجاريّة والمعلوماتيّة وكذلك المعرفيّة والعلميّة وعدد لا يُحصى من صفحات الخدمات بحيث تمكّن هذا الزَّحْف الالكتروني من تقليص المسافات بين البشر والمجتمعات والدُّول والقارّات متجاوزة  الحدود ومتحرّرة من كل القيود  بحيث أصبح الكون فعلا قرية صغيرة وسريعة التّواصل والتّفاعل لكنها قرية افتراضيّة مكّنت من تحقيق بعض أهداف مشروع العولمة إن لم نقل معظم أهدافه.      وحتى تُحَافظ الدّول العظمى على المصالح الاقتصاديّة والتّجاريّة لهذا المشروع وظفت من أجله كل الوسائل السّياسيّة والقانونيّة الدّوليّة لإحكام السّيطرة على هذه الأسواق والتحكّم المباشر وغير المباشر في سياسات الدّول النّامية التي دخلت تحت غطاء هذا المشروع بتعلّة المساعدة على النّمو الاقتصادي لهذه البلدان والحرص على ترسيخ أسس الدّيمقراطيّة وحماية الحريّات في هذه المجتمعات تحت شرعيّة الأمم المتّحدة والمنظّمات العالميّة للدفاع عن حقوق الإنسان فأفرزت العولمة شكلا جديدا من الاستعمار غير المباشر أو المُقنّع الذي تسعى من خلاله الدّول الكبرى إلى الهيمنة على الدّول الصُّغرى اقتصاديّا وثقافيّا وسيطرتها على المواد الأوّليّة والمواد المصنّعة بواسطة الشّركات الأجنبيّة وباستغلال التّكنولوجيات الحديثة تحت غطاء الاتّفاقيّات الدوليّة متوسّطة وطويلة المدى.

        ولم يبلغ هذا المشروع أوجه ولم يحصل على أهم أهدافه ذات الخطورة القُصْوى على مجتمعات البلدان النّامية إلاّ حين تمكّن من السّيطرة عليها ثقافيّا ومعرفيّا وحضاريّا بتمرير قيمه وتصوراتها وأنماط العيش المستوردة عبر قنوات الأجهزة التلفازية والإلكترونيّة وشبكات التّواصل المجانيّة والتي تتميّز أولا بسرعة انتشار المعلومة وبقوّة نفاذها داخل خلايا الفكر وعمق تأثيرها على نفسيّات ومشاعر المتلقّين ومدى تحكّمها في لا وعيهم ثمّ ثانيا وهذا الأخطر افلاتها من كلّ مراقبة وتخطّيها لكلّ الحدود الماديّة والقانونيّة وغيرها، فلم ينجح مشروع العولمة في صناعة مواطن عالمي يستهلك نفس المنتوجات والبضائع فحسب، بل أيضا صنعت، أو هكذا بدا لها، إنسانا يستخدم نفس الوسائل المعرفيّة الإلكترونيّة من حواسيب وهواتف ذكيّة وأجهزة الوسائط المتعدّدة بحيث يشارك الجميع في نمط ثقافي ومناخ معرفيّ متشابه في المصادر والغايات والأهداف وينتمي إلى حضارة واحدة تجسّد مظاهر “التقدّم” و”التطور” الوافدة من البلدان والمجتمعات المتقدّمة علميّا وصناعيّا وتكنولوجيّا… وليس على إنسان البلدان النّامية إلاّ الافتخار بانتمائه الزّائف والمغلوط لهذا الزّخم الاستهلاكيّ التجاري والمعرفي والتكنولوجي.!

3- بوادر فشل مشروع العولمة وتفاقم أزمة القيم:

         في الواقع بدأ تأزّم قيم المجتمعات المُستَضعَفة ونخصّ بالذّكر مجتمعات العالم العربي شرقيّا كان أو مغاربيّا ثم المجتمعات الإفريقيّة حين تمكّنت بعض هذه المجتمعات من الحصول على الاستقلال والتّحرّر من الاستعمار المباشر، لكن سرعان ما وجدت البلدان المستعْمِرة البديل لهذه الخسارة المباشرة في استغلال ثروات تلك البلدان الطبيعيّة وغيرها بإبرام عقود طويلة المدى ذات طابع اقتصادي وتجاري وسياسي أيضا عبْر قنوات مشروع العولمة، فكان الشّكل الجديد لهذه البلدان يتمثّل في كونها “مستقلّة” بمعنى حرّرت أراضيها من الجندي المستعمر لكنّها تابعة وخاضعة خضوعا شبه مطلق لتلك البلدان المستعمِرة اقتصاديّا وثقافيّا وتعليميّا وسياسيّا أيضا بحيث لا تقدر الحكومات التي توالت على إبرام تلك العقود إلاّ الانصياع لشروط تلك العقود التي فرضها هذا الشّكل الجديد من الاستعمار المُسمى “بالاستعمار الناعم”، فكانت ازمة القيمة الجوهريّة الأولى وهى السيادة الذاتيّة الفعليّة والحقيقيّة لهذه المجتمعات التي هي الرّهان المركزي لكلّ حريّة بحيث يمكن القول في هذا الإطار أن مجتمعا لا يتمتع بسيادته الذّاتية لا يقدر على توفير قيمة ومبدأ الحريّة لأفراده ولعلّ هذا ما يفسّر ممارسات الحكم الدكتاتوري في المجتمعات العربيّة طوال عقود ضد الحرّيات طالما أنه خاضع بدوره لقيود المنظّمات العالميّة وطالما أنّه أمضى على معاهدات الدُّونيّة والقزامة من أجل مصالح بعيدة كل البعد على المصالح الوطنيّة وإن كان هذا النّمط من الحكم يُوهم مواطنيه عكس ما يُضمر!

إن ضرب مشروع العولمة لقيم السّيادة الوطنيّة الحقيقيّة وطمس الحريّات المدنيّة والسياسيّة بالتواطؤ مع أنظمة  الحكم الدكتاتوري القمعي في تلك البلدان التي سبق أن تحصّلت على استقلالها الموْهوم  سيكونان أو لنقل كانا السّببين الجوهريين لبوادر إفشال هذا المشروع الأمريكي الغربي وخير دليل على ذلك ما وقع بداية من العشريّة الثّانية من القرن الواحد والعشرين من انتفاضات وثورات عربيّة ظاهرها عبّر على إرادة الشّعوب في إرادة التحرّر من النُّظم الديكتاتوريّة واسترجاع السّيادة الوطنيّة على المستوى الاقتصادي والسّياسي وفي العمق على المستوى الحضاري والثقافي إرادة ترسيخ خصوصيات المجتمع وقيم العدالة والحريّة والكرامة التي فقدت كلّ بُعد كونيّ حين احتلّت قيم العولمة مثل قيمة النّجاعة والمصلحة والأداتيّة مكانها في أذهان النّاس وشكّلت نمط حياتهم، فكانت أولى بوادر تأزّم المشروع وإفشال مخطّطاته.

       ولا يخفى الآن على أحد أن تِرحاب الدّول العظمى بهذه الثّورات والانتفاضات العربيّة يُخفي في الواقع الإعلان الخفيّ عن فشل مشروع العولمة كما حُدِّدَ سابقا وعن خيبة أمل دفعتها إلى ضرورة التّفكير في مخطّطات جديدة تُعيق نجاح هذا الصُبوّ العربي في تحقيق السّيادة الوطنيّة وإعادة بناء المجتمعات على نُظم سّياسية ديمقراطيّة ومناخ اجتماعي تسود فيه الحريّات مع نماء اقتصاديّ تعتمد فيه الدّولة على ثرواتها البشريّة والطّبيعيّة.

لكن هل تمتّعت فعلا هذه المجتمعات العربيّة بنسمات “الربيع العربي” بعد ما شهدته من ثورات وانتفاضات؟! هل توصّلت فعلا هذه المجتمعات من إعادة بنا نضمها على أسس الدّيمقراطيّة والقيم الكونيّة ونجحت حقيقة في إفشال مشروع القوى العظمى أمريكا والغرب بالخصوص أم أنها لم تَجْنِ من هذه الانتفاضات والثورات إلاّ الفوضى العارمة والحروب الأهليّة وانعدام القيم الإنسانيّة والخضوع المطلق واللامشروط لبديل مشروع العولمة وهو “الاستعمار النّاعم” الذي يتمثّل في غزو البلدان الغربيّة وأمريكا وغيرها لبعض البلدان العربيّة من النّافذة هذه المرّة لا من الباب الواسع كما كان مع النّظم الدّكتاتوريّة، وسيتّخذ هذا الشّكل الجديد من الاستعمار أشكالا وأنماطا في ظاهرها تشجيعيّة ومبارِكة لهذه التّحوّلات ومدعّمة للقوى الدّيمقراطيّة المعارضة للنّظم الدّيكتاتوريّة  ودعم هيئات ومنظّمات المجتمع المدني، لكنّة يُخفي نوايا ومشاريع واستراتيجيات خطيرة جدّا هدفها العميق عدم استقرار هذه المجتمعات التي بدأت تتطلّع لمستقبل “ربيعيّ” قد يسترجع ثرواته الطبيعيّة والبشريّة المنهوبة وهو أمر لا يخدم مصالح هذه الدّول! فبدأت أولا بإحداث الفتنة بين أفراد المجتمع الواحد وقسّمت هذه المجتمعات إلى قبائل وعشائر كانت تجمعهم وحدة الوطن فأصبحت تفرّقهم مصالح وثروات الرقعة الجغرافيّة التي ينتمون إليها فأثارت فيهم حرب الكلّ ضد الكلّ  كما يحدث الآن في سوريا واليمن والعراق وليبيا ومدّت المعارضة وكل من يتحالف معهم ويتواطأ بالمعدّات الحربيّة والدّعم المالي وصنعت في العراق والشّام اتّجاها إيديولوجيّا متشدّدا ومنغلقا ومتعصّبا إرهابيّا رافضا لكلّ النظم المدنيّة والديمقراطيّة يُسمي نفسَه “داعش: الدّولة الإسلاميّة في العراق والشّام” وموّلته بكل ما يحتاجه من مال وعتاد لضرب الاستقرار وتقويض كلّ فكر تقدّمي ديمقراطي ومتفتّح.  ثمّ برّرت هذه الدّول العظمى وحلفاءها تدخّلها العسكريّ في هذه البلدان العربيّة المُهتزّة سياسيّا واقتصاديّا بتعلّة حماية المدنيين والحريّات والحقوق الإنسانيّة. ولقد ساعدت هذه الأوضاع المتردّية جدّا التي انْتُهكت فيها القيم الإنسانيّة في الصّميم وشاع فيها العُدوان والقتل والتّقتيل والدّمار الشّامل وتشريد مئات الآلاف من المدنيّين الأبرياء،  هذا الشّكل الجديد من الاستعمار من الحضور الواسع في هذه البلدان لإعادة إعمار ما دمّرته من مباني ومؤسّسات وغيرها ولا يخفى على أحد ما لهذه المشاريع من مصالح مستقبليّة. ولم يتوقّف هذا الاستعمار النّاعم من كسب الرّهان الجديد داخل هذه البلدان المدمَّرَة بالكامل بل أيضا كسب كثيرا من بعض البلدان الأخرى التي نجت من الحروب الأهليّة والفوضى العارمة مثل البلاد التّونسيّة التي صحيح هي الآن في صدد تعبيد طريقها نحو الدّيموقراطيّة لكن بثمن باهض جدّا تُسطّره لها “الشّروط النّاعمة” لهذا الشّكل الجديد لتدخّل الدّول الكبرى عبر قنوات مشروعة وممزوجة بإعلاء قيمة “التّحوّل الدّيمقراطي” و”ترسيخ المصالحة بين المجتمع السّياسي والمجتمع المدني بالمحافظة على الحقوق والحريّات” ومساعدتها على تحقيق كل ذلك في مقابل فرض التّدخّل الأجنبي إن لم يكن بشكل مباشر فهو ضروريٌّ بشكل غير مباشر وذلك باستعمال أساليب دعم المسار الدّيمقراطيّ في هذا البلد وتقديم هبات ماليّة لهذه الدّولة واستغلال الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية للتّأثير على القرار السّياسي ودعم هيئات ومنظّمات حقوق الإنسان والسّهر على حمايتها …كلّ ذلك من أجل تطبيق أجُنْدته الاقتصاديّة والسّياسيّة بطرقه الخاصّة وبأشكال مختلفة وملتوية للمحافظة في الأخير على مصالحه المتعدّدة… فأين نحن العرب من الثّورات الحقيقيّة والسيادة الفعليّة لأوطاننا؟!        

Avatar

عن فتحي جوعو

فتحي بن الطّاهر جوعو، تونسيّ الجنسيّة، من مواليد 1956 بمدينة حمّام الأنف الموجودة في الضاحية الجنوبيّة للعاصمة تونس،متحصّل على شهادة الباكالوريا اختصاص آداب، ومتحصّل على الإجازة في الفلسفة من جامعة دمشق بالقطر السوري، مارس تدريس الفلسفة بالمعاهد التونسيّة طوال ثلاثة عقود ونصف، له كتابات متعددة ومتنوعة في الفكر والأدب والفلسفة والفن. صدر له كتاب: "انفعالات نرسيس، مقاربات فلسفيّة لنصوص جلال المخ الشّعريّة".سنة 2016 وكتاب:" الجسد هو الأصل: قراءة في مفارقات الجسد" سنة 2018 وكتاب:" أزمة المعنى" سنة 2018 وقيد النشر : كتاب " انتفاضات برومثيوس": مقاربات فلسفيّة لكتابات جلال المخ السّرديّة وكتاب" قراءات في الآداب والفنون"

2 Replies to “من العولمة إلى الاستعمار الناعم بقلم فتحي جوعو من تونس”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*