جلال المخ عاشق للكتب وللكتابة… بقلم فتحي جوعو رئيس تحرير موقع الإبداع الفكري والأدبي من تونس.

بمناسبة صدور 9عناوين جديدة للكاتب التونسي جلال المخ الصادرة عن دار الثقافية للنشر و الطباعة و التوزيع .

جلال المخ المفكر التونسي ونُحبّذ هذه التّسمية “المفكّر” لما تحويه من خصائص جامعة لكلّ إنتاجات الفكر بجميع أجناسها وأشكالها وأيضا إشكالاتها على اعتبار أن لا حضور لنصٍّ إلا وهو يطرح إشكالا يثير ذهن القارئ ويدفعه إلى التفكير بطريقة أو بأخرى، لذا يمكن إضفاء صفة المفكر لكل من أنجز إنتاجا في الأدب أي في كتابة الرواية والقصة والشعر أو في البحوث سواء عبر مقالات أو كتب بحثيّة أكاديمية أو في الدراسات باختلاف اختصاصاتها وتنوع مواضيعها، فالباحث والروائي والشاعر والقاص هو بالدرجة الأولى “مفكر” أي يعكس إنتاجه لحالات من الفعل الذهني  تنشط فيها خلاياه المعتمدة على آليات مختلفة باختلاف أصحابها واهتمامها كآلية الحيرة والشك والتساؤل وغيرها من ميكانزمات التفكير والتأمل التي ان اجتمعت داخل مناخ نظري معقد تتحول بعد مخاض عسير من حالة القوة إلى حالة الفعل فتتجسد في هذا النتاج أو ذاك.

يتميّز المفكّر والأديب جلال المخ بتنوّع إنتاجاته الفكريّة والأدبيّة فهو مع قدرته على الكتابة النّقديّة وسيولة قلمه في الدّراسات والبُحوث، وتمكّنه من النّقل والتّعريب، له أيضا باع في الإنتاج الشعري باللّغتين منذ صغر سنّه، فقد صدرت له عشر مجموعات شعريّة باللّغة العربيّة وعشر مجموعات أخرى باللّغة الفرنسيّة إلى حدّ الآن. كما أن له باع في كتابة القصّة منذ نعومة أظفاره وليس أدلّ على ذلك من كتابة مجموعته القصصيّة الأولى “السّفّاح” وهو لم يتجاوز العشرين سنة من عمره. صدرت الطّبعة الأولى لها سنة 1996وأعاد طباعتها مؤخرا في شكل أنيق  والمجموعة الثانية بعنوان “رقصة التمثال” وقد وضعنا لهذين المجموعتين القصصيّتين دراسة تحليلية نقدية جمعناها في كتاب صدر مؤخرا بعنوان ” انتفاضات بروميثيوس” مقاربات فلسفية لنصوص جلال المخ السردية.

هذا بالإضافة إلى ما لدى الكاتب من قدرة على البحث والتقصّي جسّدها في عدّة دراسات نذكر من بينها “أبو القاسم الشابي وتاج الشوق” و”الفردوس الغابر” و”ثورة القصائد على العقائد” و”جبران خليل جبران بين المصلوب والمجنون” وقصائد من وراء القضبان” و”طغاة العالم” كما له أيضا في الترجمة فمن بين ما نقله إلى اللغة العربية كتاب “الإله والدولة” لميخائيل باكونين” وقد أعاد طبع كل هذه الكتب المذكورة فوق في شهر أفريل من سنة 2022 الصادرة عن دار الثقافية للنشر و الطباعة و التوزيع  التي أصدرت له أيضا في نفس الشهر مجموعة شعرية باللغة الفرنسيّة بعنوان” Le vers aura le dernier mot”

      وإن ذهب بعض النقاد إلى تأكيد الاختصار على الاختصاص في جنس واحد من أجناس الأدب بحجة أن تعدّد الكتابة في أجناس مختلفة قد تُفتت المهارة وتُفقد للإنتاج خصوصيته الإبداعية، فإن لنا بعض التحفظ من هذا الموقف “الاختصاصي والتجزيئي” لمستطاع الإنسان المفكّر ومدى قدراته الإبداعية وسعة تنوعها، ولعل خير دليل على هذه القدرة على التنوع في الكتابة والتأليف ما لاحظناه فوق من عناوين ومؤلفات التي لم نذكر إلا البعض منها للكاتب والمفكر والشاعر والباحث جلال المخ.  فالقضيّة إذن لا ترتبط بسؤال فيما تكتب؟ بل ترتبط أساسا بسؤال كيف تكتب؟ وما أهداف الكتابة وما غاياتها؟ ويبقى السؤال الهام والمبدئي هو لماذا تكتب ولمن؟

معالجة مثل هذه الأسئلة تستدعي لأهميتها مساحة ورقية وزمنية هامة قد تكون في فرصة أخرى لأن المسألة الملحة الآن تتعلق أصلا بالمفكر جلال المخ كإنسان وكشخصيّة فكرية وأدبيّة، والوقوف على أهم خصوصياته اللصيقة بشخصه والتي قد تغيب عن القارئ.

فالرجل يمتلك ذكاء فائقا وسرعة بديهة وقدرة على تخزين كل ما يمرّ بذهنه من معلومات ومعارف في مختلف المجالات الأدبية والفكرية والعلمية مع اكتسابه مهارة التذكر وسعة الذاكرة مما يسمح له من التمتع في جلساته بذاك الحضور الذهني والمعرفي بحيث يثير لدى جالسيه الإعجاب والتعجّب.

بالإضافة إلى ما يتحلى به من هدوء نفسيّ ودقة في الحديث واختصار في القول والإصغاء إلى محدثيه وهي خصوصيات يندر توفرها لدى شخص واحد.

لجلال المخ خصوصية أخرى تعكس طبعه ومدى إخلاصه للقرطاس والقلم فهو ما يزال وسيبقى يكتب أو يخطط بالقلم ويرسم بيده على الورق اعتقادا منه أن للقلم شأن لا يعرفه إلا من هو مهووس بالكتابة ولا يدرك قدسيّته إلا من عاشره عقودا، فاليد التي تُمسك بالقلم هي اليد الفاعلة والعاملة والمبدعة، هي اليد التي تتفاعل مع الفكر وتستجيب لأوامره وإملاءاته فيسيل الحبر من القلم على الورق ليحقق إنجازا له قيمة لدى من يقرأ، إن القلم لدى الكاتب جلال المخ كالريشة لدى الرسّام يندمج في كيانه ويعبّر عن خلجات وجدانه، القلم الذي أخلص له جلال المخ في الكتابة ليس مجرّد أداة نستعملها للضرورة بل هو جزء من كيانه به تتموضع أفكاره وتتجسد مشاعره وتُطرح قضايا فكره على الورق … هذا الورق الذي هو أيضا يحتل مكانة معتبرة في هذا التناغم الثلاثي، فالورقة التي يسوغها الكاتب جلال هي بمثابة الأرض العذراء التي بحاجة إلى الحرث والعناية والإخصاب لذلك وهو يكتب، وذاك واضح في مسوداته، التي يبدو عليها آثار الكتابة والفسخ والتشطيب وإعادة الصياغة والتدقيق واستعمال الكلمات واختيار أنسبها وأعمقها وأدقها …إن كل هذه العمليّات هي دلائل واضحة لفعل التفكير من أجل إنتاج عمل إبداعيّ ذا قيمة. ويبدو أن رفض الكاتب للآليات المعاصرة في الكتابة باستعمال برمجيات معدة مسبقا لهذا الغرض يعود إلى قناعته الراسخة والواعية أن الكتابة بحاجة دوما لمخطوط الذي يمثّل حقا بصمة الهوية الشخصية، وليس أبدا كما قد يعتقد البعض عجز الكاتب على التأقلم مع التقنيات الحديثة والمعاصرة أو عدم قدرته على التعامل مع البرمجيات الالكترونية في الإعلامية!

وإن موقف الكاتب جلال المخ الواعي من مدى قيمة التعامل الورقي الحسّي في العمل الفكري والأدبي وتجسيد ما ينتجه الفكر على الورق أولا كمخطوط ثم ثانيا على الورق في شكل كتاب ورقي أنيق هو ما يحيلنا إلى الحديث عن خاصيّة أخرى يتميّز بها جلال المخ أيّ تميز وهي ” عشقه للكتب ” الذي يعكس بطبيعة الشخص شغفه اللامتناهي للمطالعة …إنها بمختصر الكلام خبزه طوال يومه….إن محبته الفائقة للكتب وتجميعها والمحافظة عليها دفعه إلى توظيف جزء كبير من حياته لها ووفر لها أكثر من ميزانيته المالية سواء في الاقتناء أو في الطباعة زد على تهيئته لفضاءين صففّ على رفوفهما آلاف الكتب بكل عناية مبوّبة حسب الجنس والنوع والموضوع بالإضافة إلى غيرته الفائقة على ما أنتجه من كتب وإنتاجات أدبية وشعرية ودراسات فكرية خاصة به التي تُعد بالنسبة له ليس فقط جزءا من حياته بل هي كل حياته.!  

المفكر والكاتب جلال المخ تونسيّ المنشأ والتعلم وفّر وقته وماله وحياته لخدمة الأدب والفكر وأثرى بإنجازاته المكتبة التونسية والعربية له قناعة راسخة أن المعرفة قيمة قُصوى نصبو إليها ونجسّدها خارج أسواق المتاجرة والاحتكار.

الكتب التسعة الصادرة عن دار الثقافية للنشر و الطباعة و التوزيع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*