سفر على نار باردة..! بقلم الشاعرة كوثر بلعابي من تونس.

نلوذ بغربتنا في دروب المدينة
و تاسر لبنا المحموم فيها
حكايات سحر و عشق تليد
لم نجلها في صروف الزمان
و لا حتى فينا..
نطرق باب الحنين
إلى رائحة الأرض منذ سنين
في ذلك الزمان البعيد
مع أهله الطيبين
نبحث عن مرآة فجر
تبزغ لوجوهنا من أعالي الجبال
تسرج شغفا في الروح يسري
برشفة من دموع النسيل
من بكاء بدأ في أعين الثمر
و في الروح نبض مازال يهفو
إلى عش فيه سكنا
و فيه أمنا.. و فيه دفئنا
إلى نزر عطر.. مازال بعد يسكن فينا..
و نطرق باب الحياة
بين جدران المدينة الشاهقات
حيث .. على قسوة الاسفلت
نسير فرادى
و بين شقوق الرخام نحن فرادى
و خلف بيوت من قديم الزمان
أضاعت ملامحها و أصيل الغرام
و ما حملت من نقوش و زينة..

و عند محطات المدينة
في غربة كتبتها الصروف علينا
نذكر يوم القرار العصيب..
يوم طفقنا نخامر بعض التحدي
و صبر المغامرة و السفر..
و حلما شريدا بنيناه
بطوب الطموح و ماء الظفر
لا شيء حزمنا عليه الحقائب
سوى وجع و قطوف ضنينة
و خضنا غمار الرحيل..
تلحفنا عزما و صدقا
حنونا على زهرة فاتنة
ترعرعت وسط قلب شفوق
شغوف بحب الجمال. ..
بحب الأنام.. بحب كبير كبير..
لهذي البلاد.. حتى الهيام
و ان ضرجته كلوم ثخينة

و هذي المدينة.. سرنا إليها
وقد اوجعتنا المسافات
و نحن حفاة.. على شوكها
ونحن و حيدون في شوقنا
قبلتنا عشق مريد
لمعنى جميل.. لفعل أثيل
من القلب ود.. من الصدق مد..
من حرقة الحرف قد
بكل ما منا و كل ما فينا
ما همنا أن ظمأنا اغترابا
ما همنا أن وئدنا
تحت صقيع جدار مهيض
و نحن عزمنا على أن نسير
إلى حيث الورود تميس
عرائشها من حروف حزينة..
و هذه الغربة تأخذ منا
مع كل خطوة شوق.. و شوك
حلما و عمرا
و تنفث من طعم حنظلها
ما يخذل دفق المداد النقي
ما يلهج الحرف فوق البياض البهي
ويثني الحياة أن تسعف
حتى ذماء من الصدق فينا..

اغتربنا.. و نحن.. وهما..
نجوب سماء المدينة
هربنا من شوك أرضها و الحفر
و تهنا نلاحق سرب سراب
و بعض أفراحنا التي بددتها
فلول خيباتنا و السفر
ركبنا مع القاطرات زمانا سريعا
و رحنا نسابق ريح التنازع
سبقا مريعا
ومن حولنا عيون زجاج
لا نور في المقل و لا في مآقيها
يزود بالدفء قلب الحياة الرهينة

آه.. يا حيرة الغربة
تلهث تحت غبار المدينة
يا فكرة سحقتها رحى من مخالب
و صادتها في ألعمق شراك العناكب
و نحن على نارها الباردة..
ننضج.. كيا فكيا.. نحث المسير
و حمالة الحطب تقفو بحبل زعاف
خطانا الوهينة ..
و لا أحد منها حمانا
و لا أحد حاول حتى..
أن يمنع عنا أذاها و سم الضغينة
يا صبحنا وسط هذا الصقيع
و قهوته التي لا أرج فيها
و قدحها وضيع الورق
و اغنية لا روح فيها
تحجب عنا مدانا البديع
و عزما ارهقه في الزحام
ضجيج الطرق..
يا يومنا كله يمضي هباء
إذ السعي فيه يظل امان سجينة..

ما ابرد الحب و الموت
بين رموس المدينة..
لو كنا نعلم موعد موتنا
و انا سنقتل في سجن اسوارها
بردا و وجدا و حقدا
لاخترنا ظرفا يليق بنا..
لاخترنا موتا يليق بنا..
لأوصينا من قتلونا
أن يشجعوا عند اخذ القرار الأخير
و ان يخبرونا
و ان يمهلونا ولو بعض وقت
لكي نخشع في الوضوء الأخير
لكي نهجد في الصلاة الأخيرة
و نسدي لبعض الدروب وداعا
يليق بها.. و نخبرها
لأول مرة.. و آخر مرة
انا تخدنا في خبايا الضلوع
جنانا خصيبا يليق بها
و أنا ذخرنا في مخبإ من نبضنا
مكانا قصيا حفيا لها..
و أنا وذرناها فيه مع غصة هذه الغربة
صبرا و جمرا و ذكرى دفينه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*