كاماريا… قصة قصيرة بقلم الكاتب الحبيب اعزيزي من المغرب.

 كانت جلسات السيد توماس طويلة في حانة لاكوبول، بالمدخل الرئيسي لحيّ حمرية، بمدينة مكناس. من منتصف النهار تقريبا، حتى منتصف الليل: موعد فتح بوابة علبة الليل، أسفل فندق باب منصور. وهذا وقت كاف ليثمل ديناصور.

المبالغة في الشرب ليست السبب الوحيد في منع السيد توماس من الدخول.

ـ (( الفرنساوي لن يدخل)). يقسم البوّاب بصوت غليظ.

 دائما ما تكون حناجر حرّاس البوّابات أغلظ من حناجر مالكي الفنادق. يمكن التحقّق من هذا بسهولة. تحلّق السكارى حول بوابة العلبة. ثم خرجت فتاة  شقراء من الداخل. كانت نصف سكرانة. كلّمت البوّاب الواسع الصدر لدقيقتين. كانت تضع نهديها على صدره، فأصبح خلال لحظة فقط مثل جرو أليف. مرت خمس دقائق تقريبا، ثم أبعد بطنه المليء بالخبز عن أدراج العلبة.

وجد توماس نفسه أمام زجاجة ويسكي. كانت وسط  طست مكعبات الثلج. طاولته محجوزة مسبّقا. تجلس إليها كاترين ذات الشّعر الأشقر، الكثيف والعائم على الكتفين. أربعينية بوجه عزباء. كانت تتحدّث في الموبايل بعربية مهرجّ. إلى جانبها تبتسم فاتي بشفتين جافّتين، وعينين أطلسيّتين واسعتين. أوّل ما يفعله توماس هو استنشاق رائحة الشيشة. بطريقة نجم سينمائي. كان يسميها رائحة الجهة الشرقية للجنّة.

قال السيد توماس وهو يسند العكّاز الخشبيّ يسار الكنبة، ويستوي على الكرسيّ:

ـ ((ابن العاهرة.. كاد يمنعني من الدخول.. كوشون)).

رفعت فاتي رأسها :

ـ ((ليلة البارحة، قلت أنّك ستكسّر العُلبة.. سقطتَ على وجهك أكثر من ثلاث مرات، وتخاصمت مع البارمان)).

ضحكت كاترين وأضافت:

ـ (( قلت لي.. سأعظ فرجَك الباريسي.))

ـ (( وهل فعلتُ؟)) قال توماس.

ـ (( للأسف.. لا)) ردّت كاترين.

ـ (( ربّما سأعضّه الليلة.))

 وأشار إلى فاتي مبتسما.

وصل النّادل، بينما تتأهّب كاترين لرمي قطع الثلج في الكؤوس الأولى.

همَس في أذن الرّجل:

ـ (( السيد توماس، لديك مكالمة )).

فانفجر توماس عندما وقف على قدميه، وانحنى ليلتقط عكّازه:

ـ (( اللعنة. إنّهم معتوهون. يريدون نشر وجهي القبيح على  غلاف المجلة)).

ثم سار في اتجاه الكونتوار. بخطى سريعة ومتعثرة أحياناً. كان يجد صعوبة في فتح مسلك بين الأجساد الملتصقة داخل ممرّات العلبة. وحين مدّت إحداهنّ الهاتف.

صاح:

ـ آلو.

ـ آلو. السيد توماس؟

ـ نعم.

ـ معك إدارة المجلّة من باريس.

كان الصوت الأنثوي الرّخيم يسرد تفاصيل كثيرة، في سمّاعة التليفون، وبفرنسية ناضجة. صوت فيه بحّة غريبة. غير أنّه هادئ وحاسم. تكلّمتْ كثيرا. شرحت. برّرت. اعتذرت. لكنها كانت راقية. في حين ظلّ هو يسمع دون أن يقاطعها.

ثمّ أخيرا صاح غاضبا:

– (( أعرضي صورتي أو مؤخّرتي، في الصفحة الأولى أو في الأخيرة. المهمّ، أريد المال الآن. فأنا على وشك أن أضاجع خالة الشيطان في هذه المدينة. أسمعتِ؟)).

–  ((أعطيني صاحب الفندق.. السيد أوتمان ـ تقصد عثمان ـ))

قال الصّوت الأنثوي في التليفون.

ربّما انتهت المشكلة. فقد مدّ صاحب الفندق ظرفا أصفر. اختطفه  توماس بسرعة ثمّ دسّه بخفه زائدة في جيب المعطف الأسود، و قفل عائدا، يرفع  رأسه الأشيب بين كتفيه المنحنيتين للأمام. اللّتين تجعلان الظّهر يتقّوّس قليلا للخلف. كان يدعّم قدميه  بنقرات غير واثقة من عكازه البني. عاد يحمل بَسمة حقيقية تحت شاربيه. وحين قطع المسافة الفارغة، المخصّصة للرّقص، واقترب من صديقتيه، شرع يهذي كمن يخاصم شبحًا.

 ـ ((كتبت قصّة سخيفة عن عاهرة زنجية، في جوهانسبرغ قبل شهرين. وحول دمية لعينة. الآن يريد رئيس التحرير أن يجعل من القصّة السّخيفة قضية. قلتُ لهم لقد كنت مخمورا ساعتها. لا أستطيع الحسم ما إذ اكنتُ أصدّق ما رأيت. حتى أني لم أعرف العاهرة السوداء، أكانت بالفعل شبحا كما يدّعون؟ أم كانت مجرّد عاهرة متسوّلة. أو ملكة أفريقيا نفسها.. تثمل فتسقط في بين ساقين مفتوحتين لإحداهن.. اللعنة.. لا يهمّ جنسها أو لونها . وفي الصّباح تتقيّأ. ثمّ تبحث لتثمل من جديد. هذا كلّ ما في الحكاية. ما دخل الموقف من السّود هنا؟. أنا مجرّد كاتب سكّير.  اللّعنة على رئيس تحرير المجلة البدين.. )).

ـ (( أنت شخصية مشهورة. كل ما تكتبه هو نموذج بالنسبة للنّاس)).

 قالت كاترين.

ـ ((عندما أحكّ مؤخّرتي أيضا؟)) أجاب.

ـ (( أكيد، يا سيد  توماس. هذا سلوك عجيب، من كاتب عالميّ يلاعب مؤخرته. إنه تواضع غال. ويسوّق بالأورو. إنّه سلعة. أنت تعرف  ذلك)

 أكّدت كاترين. ثمّ حرّكت فاتي رأسها متفقة.  

كاترين فرنسيّة. حلّت بمدينة مكناس منذ شهرين فقط. فالتقت فاطمة الطّالبة بكلّية الآداب. وشرعت في التردّد على الأوتيل في الكثير اللّيالي. للاستراحة من تعب المطالعة والتدوين.

 صادفت  كاترين الكاتب والأستاذ المتقاعد توماس ماركوس : ابن الأب الفرنسي والأم البرازيلية. كما يصادف أيّ مهاجر ابن بلده في بلاد الغربة. قالت له حين سألها  كيف عرفت أنّه فرنسي:

ـ (( أنا أشتم رائحة باريس. يا توماس))

رغم أن فاتي حديثة العهد بعالم الحانات، فقد استطاعت التأقلم بسرعة. ربّما لكونها الوحيدة التي تجالس فرنسيين على طاولة واحدة. وهذا يخلق الكثير من الحرج أيضا. فهي تعرف مثلا أنّ رواد الحانة يظنون أنّها مجرّد خادمة بيت. لذلك فكّرت أن تستغل أي فرصة للمشاركة.  لإنقاذ نفسها أمام ظنون الناس.

– قصّة جنسيّة  تخلق كل هذا الضّجيج يا سيد توماس؟

قالت فاتي.

–  ها أنت يا فاتي تقولينها. نعم جنسيّة. لكن من؟ مخمور فقد التوازن في رحلة طويلة.. ثم ..أووب .. ربع ليلة. وبعدها يصاب العالم بالسّعار؟ اللعنة..)).

 قال السيد توماس ثم رفع الكأس .

ـ ((تشين)).

 قالت كاترين ثمّ فاتي.

 ثم اقتربتا أكثر. عدّلتا من جلستهما استعدادا للإصغاء. كانت علبة باب منصور قد امتلأت عن آخرها. مكناس مدينة تمطر كلّ ليلة نساء اللّيل. كان إيقاع المجموعة الموسيقية الأمازيغية مبتذل. بطيء ومملّ. ولا يتغير سوى إن أوقعت إحدى الرّاقصات بأحد السّكارى في الفخ.

طلب السيد توماس من فاتي أن تملأ كأساً أفرغها في بطنه.

ثم بدأ يحكي قصّة كاماريا:

ـ ((هذه أغنية الجاز في حانة الزنوج هناك. كان الكلّ يغني : السّكارى.. الطبّاخون .. القطط النائمة بين الكراسي.

 آه .نيكرو..نيكرو . لقد تذكرت اسمها الآن. نيكرووو)).

كان ينتشي. يراقص الفراغ على أنغام صوت قطع الثلج، عيناه مزروعتان في عيون صديقتيه.

ـ ((أنا نيكرو..أنا نيكرو

أسود كالليل

أسود كأعماق أفريقيا

أمرني القيصر بالحفاظ على عتبة بيته نظيفة

ومسحت حذاء واشنطن.

أنا نيكرو..أنا نيكرو.

 ((طيب ))

– ((اسمها كاماريا. سوداء، لكن عينيها بنيتان. ابتسامتها قاتلة بالفعل. أفريقيا أنجبتها وأنا التقيت بها في جوهانسبرغ. أو هي بحثت عني كما قالت. هذا لم أتأكّد منه حتى الآن. غير أنّ ما يُحكى عنها كان مرعبا. ورغم أني عشت  تلك التفاصيل كاملة ، إلا أني لم أصدق مثل ذلك الهراء..)).

كان على السيد توماس أن يختار بين طريقتين للسفر لا غير. أن يركب الحافلة  المليئة بالعجزة. و التي تنقل السياح من باريس نحو الضاحية الغربية لجنوب أفريقيا. حافلة من الرؤوس البيضاء. أغلبهم متقاعدون، فقدوا  الرغبة الجنسية في منذ مدّة.  اختاروا الفرار بأعضائهم الباردة. من شوارع فرنسا نحو أفريقيا. المرافق السياحي  يخطب. .يشرح  ويروي الأكاذيب. وهو واقف ببذلة قومية تفرضها وزارة السياحة في جنوب أفريقيا. الأمر كله هكذا.

الطريقة الثانية أن  يذهب في الجولة وحيدا. دون رسميات. حيث ((أكون حرا في التغوط تحت أشجار القنطيون . ومشاهدة وحيد القرن خلسة وهو يفعلها  بوحيدته  الضخمة))

كما قال توماس.

 طبعا اختار الطريقة الثانية. فسار توماس و ” ياو”.  الذي وافق أن يرافقه مقابل أجر خمسين راندا .

عندما وصلا إلى محمية كروغر الشاسعة. المليئة بقبائل القرود وعائلات فرس النهر والدببة.  وأنواع الغزلان الجميلة . قال توماس لمرافقه تاو:

ـ ((هذه الحيوانات لا تفعل أي شيء سوى الأكل والتناسل بأعضاء عارية. إنها بطريقة ما الجنة التي وعد بها يسوع. ومن يدري إذا كنا نحن مغفلي باريس نتفرج بمؤخراتنا وأفواهنا الفاغرة على كائنات تعيش في الجنة. قبل أن يخرج يسوع من بين سيقان ماريا.  أحسّ توماس بانقلاب غريب في ذاكرته. الحضارة  الغربية مجرد سجن من أخلاق الرّعاع. من الغباء لو شئتم.  الحضارة الشرقية أكثر خراء منها. عليك ممارسة الجنس تحت الملاءات. وفي حراسة شركات مواد التنظيف، وإعلانات الواقي الذكري. وعليك أن تمارس غريزتك بعيدا، بين جدران الإسمنت السميكة. وفي حراسة السانديك و الجاندارم والجيش الفرنسي. إنها خدعة سياسية بامتياز. هذا مقابل أجرة شهر من العمل. أمّا هنا في كروغر، فتمارس هذه الحيوانات المحظوظة النيك مجانا. أمام أعين الناس والملائكة والشياطين والأنبياء والقوات المسلحة. هذا دون أن تكون مضطرة للالتفات. لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. إطلاقا.

صاح ياو:

ـ ((سيد توماس؟)).

ـ ((نعم))

ـ ((هل تحب الفتيات  الزنجيات؟))

ـ (( نعم . ليس الزنجيات فقط))

ـ ((أقصد ..هناك مدينة صغيرة لل..))

ـ ((أنت ظريف أيها الزنجي))

ـ ((إنهن شابات سيد توماس))

كانت قرية صغيرة بالفعل. السيد توماس لا يتذكر اسمها. عدد الفنادق فيها أكثر من عدد المنازل. كانت المدينة عبارة ماخور حقيقي. النساء يعرضن مؤخّراتهن أمام السائحين. بعضهن يعرضن تذكارات مصنوعة باليد. أو مجرد بطاقات لمناظر طبيعية. اشترى السيد توماس  دمية من الشعر. رغم أن مرافقه  ياو نهره مدعيا أنها دمية كاماريا الملعونة. ولا يُنصح بشرائها من طرف البيض. أو من طرف سكير يتناول نصف برميل من البيرة.

البدينة التي تعرض الدمى للبيع كانت ذكية. فقد كتبت بخط جميل وبارز بطاقة صغيرة. علقتها  في يد إحدى الدّمى. جعلتها تبدو ظريفة وهي تمدّ في وجه الناس تلك البطاقة :

” خذني يا أبيض الوجه فأنا أحترق “

لذلك لم يصدق  السيد توماس الهراء الذي يصبّه تاو في أذنيه. فتاو يزعم أن دمية ملعونة كانت في الأصل لفتاة جميلة عاشت في جوهانسبرغ. ولأنها رفضت الزواج من كلّ الرجال السّود في إحدى القبائل، وصرّحت  في تحدّ واضح وضدّ المعتقدات أنها تريد زوجا من البيض، فقد إتّهمتها القبيلة بالخيانة، وحكمت بإحراقها حية.  ونُفّذت المحرقة في غابة بعيدة ولم يتبقى في المكان سوى بعض الرماد ودميتها السوداء. وبطاقة صغيرة وسط الأدغال.

 صنعت النساء  بعد الواقعة الكثير من الدّمى المماثلة. ومنذ ذلك الحين، لا أحد عرف الدّمية الملعونة. لكن كل من وقعت بين يديه بالصدفة. سيكون على موعد مع كاماريا، فتاة الأدغال. تأتي  ليلا عبر الجدران ـ هكذا يزعم تاو ـ . إذا كان أبيض البشرة تفرح  فرحا كبيرا. فهو فرصة لتخمد نارها الجنسية التي قمعتها القبيلة. أما إذا كان زنجيا فتغضب غضبا شديدا، فتقتلع خصيتيه معا.

 ((أبيض وسكير قلت؟ إذن أنا زوجها لا محالة.  يا صديقي تاو)).

قال توماس لمرافقه ساخرا.

((الأمر خطير سيدي توماس)).

 أجاب تاو.

الإحساس بالغرابة يكون قويّا في غالب الأحيان. فلا الماضي، ولا أضواء المدن الكبيرة، ولا الإحساس بالأمان في الشوارع المحروسة يمكن إضعاف هكذا إحساس. كاد توماس أن يرتعد. حين لاحظ وجه الزنجي.  لقد تبدّلت سحنات وجهه. وأصبحت مخيفة. كان عليه أن يشتري الدمية. حتى لو كانت لملاك الموت نفسه. البطاقة تقول ذلك. ربما تكون أحسن تذكار أفريقي على الإطلاق.

((أحمل الأمتعة إلى الغرفة رقم خمسة. هذه الدّمية اتركها معي. لا تتأخر، فأنت مدعو للجعة على حسابي)) . أمر توماس.

كان  بين زجاجة وأخرى يسرق النظر لوجه الدّمية. كانت جميلة، حتى لو أنه انتزع البطاقة من يدها ومزّقها حين خرج من باب السوق منذ ساعات. ابتسامتها واسعة مليئة بالإغراء. وعيناها بنيتان جميلتان. أسنان شديدة البياض وسط ملامح يكسوها سواد فاتن . كان يشعر كلما ضاعف زجاجات البيرة كما لو أن الدمية تتحرك أمامه على الكرسي. وأن هذه النظرات، وهذه البسمة غير عادية بالمطلق.

قال السيد توماس:

((هل..هل..اللعنة ربما أفكر في مضاجعة هذه الدمية اللعينة عندما أثمل كثيرا)).

(( تقع الحانة أسفل الأوتيل. مثل علبة الليل هذه. الفرق الوحيد عدا الديكور، هو لون الوجوه والسيقان والصدور. لا وجود  لمثل المغنيات الأطلسيات هناك.. أو مثل تلك العاهرة البيضاء هناك الّتي ترفض مجالسة الشبان في ركن الصالة . آه..المثليون؟ إنهم موجودون كما في علبة باب منصور. إنهم سود طبعا. بعضهم نصف بشعر أبيض. أغلبهم حليقي الرؤوس. وهذه وصفة خاصة للمثلية والنازية دفعة واحدة..)).

كانت فاتي وكاترين قد ثملتا. تحاولان التركيز بصعوبة بالغة. أغاني الراقصة الأطلسية وصخب السكارى في علبة باب منصور يتشابكان. مثل تشابك كلب وكلبة. دوائر الضوء الملونة تذهب وتعود فوق ظهور الزّبناء. كانت الفتاتان مشدوهتين. تتابعان بصعوبة حركات صديقهما توماس.

((تيان. اشرب  هذا)).

 قالت كاترين.

(( أنا من ستعظ الليلة عضوك الميت)).

 أضافت.

((أنا سأشفط خصيتيه)). قالت فاتي وقد اكتسبت بعض الجرأة

قال توماس لكاترين.

ـ ((هل قلت ستعظين عضـ..))

أجابت:

ـ (( وي)).

حرّك رأسه إلى فوق:

ـ (( ستقتلك كاماريا..وأنت ستأكل ثدييك الصغيرين)

شرع السيد توماس في الترنّح على الكرسي. وكانت العلبة تعج بالدخان والموسيقى والصيّاح المنفلت من حين لآخر. وحين رفع الكأس تذكّر الأغنية . فاقترب من أذن كاترين وبدأ يغني:

أنا نيكرو. أنا نيكرو.

مسحت حذاء واشنطن

كنت عاملا:

من تحت يدي ارتفعت الأهرامات

صنعت ملاط مبنى” وولورث”

كنت مغنيا: من أفريقيا إلى جورجيا

حملت أغاني حزني

وضع توماس الكأس على الطاولة فارغا. أخذ نفسا عميقا. أشعل سيجارة ثم ورمى بالولاعة جانبا.

ـ ((طيب.. دخلت كاماريا.. فتاة الأدغال. للحانة في جوهانسبرغ، في لحظة كنت قد فقدت آخر نافذة  للوعي في رأسي. تقدمتْ. أخذتِ الدمية من على  الكرسي. عانقتْها عناقا شديدا.

 ـ ((حبيبتي)).

 قالت كاماريا للدّمية.

ثم مدّت يدها لتصافحني.

– كاماريا.

أجبت:

– توماس ماركوس.

ولأنني سكرت بالفعل. ناديت النادلة:

– زجاجتين من فظلكِ لكاماريا.

– قل حبيبتي كاماريا.

– لكن ..

– لكن ماذا؟ انتظرتك خمس سنوات لتقول لي “لكن ؟ ورفضت من أجلك آلاف زنوج النّيكرو.  أحرقت من أجلك بأعصاب باردة . وتقول..

– اللعنة.. أنا في ورطة حقيقية.

قلت في نفسي

– ماذا أيها اللعين؟ لكن لا. اقترب. خذ هذه القبلة سوف تنسيك شكوكك البيضاء.))

((كاماريا فاتنة حقا.. تخيلي يا كاترين: ابتسامة بيضاء وسط  وجه شديد السواد. حقا لا شيء يعادل جمال الزنجيات.. أحدهم قال أن أم البشر ـ على خلاف أم يسوع ـ كانت سوداء. وكل أشيائها التي تخفيها كانت سوداء أيضا. ربما هذا أقرب للحقيقة. غير أن المرأة الأولى لم تخرج من ظهر الرجل كما تقول فاتي. الصّحيح جدا أن الرجل هو من خرج من المرأة. وهو لا زال يخرج منها حتى الساعة. من فرجها طبعا..)).

في جوهانسبرغ رقص السيد توماس مثل فراشة. بين يدي كاماريا. ربّما هي من رقصت بين يديه. على صوت مغني “نيكرو.نيكرو.” دون تعب. ثم حملته بصعوبة للغرفة رقم خمسة. كان الثلاثة (كاماريا والدمية و توماس) يسقطون. ويعودون ليحاولوا الصعود.

 قالت كاماريا في الدرج :

((أنها تعشق الشعر الأبيض والوجه الأبيض. القلب الأبيض، وأنها ستشبع جوعها الليلة. فهي تحمل من هذا الجوع قدر لهيب النار التي احترقت فيها ذات عام.)).

 الشراب جعل توماس لا ينتبه بجدية لما تقول كاماريا. لكن ربما جوعه الجنسي كان لحظتها أكبر من جوعها. أو ربما لا يصدق أن يغادر الأموات عالمهم إطلاقا. ارتمى الاثنان على السرير المقابل . وغرقا في العمل لوقت طويل. يتعبان فيأخذان استراحة قُبل ساخنة. كما يحصل عند حصّة دش بعد رياضة شاقّة. ثم  يتعبان مرّة أخرى.

كان توماس قد انتبه بعد مدة لمرافقه “تاو”. كان هناك تحت الإزار الأسود. فوق السرير المقابل.

قال توماس في نفسه :

ـ ((ربما تعب الزنجي ونام)).

فكّرفي تقديمه لكاماريا. حتى وهو يغط في النّعاس.

قال:

ـ هذا صديقي تاو. إنّه نائم.

أجابت كاماريا:

– لا. إنّه ميت يا حبيبي.

انتفض توماس. ووقف عاريا في غرفة الأوتيل.

– كيف ميت؟

سألها وهو يرتعد.

–  لقد أكلت خصيتي الزّنجي اللّعين.

كان تاو ميتا بالفعل عندما رفع  توماس عنه الإزار. وكان السائل الأحمر يملأ السرير. ويتسرّب تحت الجثة. في هذه الأثناء بالذات سقط توماس على وجهه في الغرفة. مثل شجرة  يابسة. ودخل في غيبوبة طويلة.

عندما استرجع بعض الوعي، كانت الشمس قد شرعت في الإطلالة على المدينة. هناك شيء من الأشعة يتسرب من نافذة الفندق.كان وحيدا. وجها لوجه جثّة بلا خصيتين.

((فكرت يا فاتي. ويا كاترين.. هل ما حدث حقيقة أم خيال؟)).

قال توماس لكاترين وفاتي.

لكن، الدمية اللعينة لا زالت هناك على طاولة الفندق. تبتسم مثل بلهاء. كاماريا اختفت في الظلام. لا وقت للتفكير. عليه فقط أن يهرب بجلده. فمن يصدّق ما سوف يحكي.

قال توماس للفتاتين:

(( وفعلا، جمعت أغراضي بسرعة. أخذ ت أوّل طائرة إلى مدينة مكناس. بعدها بشهر تقربا اكتريت غرفة هنا، في فندق باب منصور. حيث التقيت بالصدفة كاترين. بعدها أنت يا فاتي)).

كان السيد توماس يرتعد وهو يكاد ينهي قصّته مع كاماريا. أما السيدتان فقد تجمدتا من الخوف والتردّد بين اليقين والشك.   

فكّر السيد توماس في تهدئة صديقتيه. فشرع يغني

أنا نيكرو. أنا نيكرو

حملت أغاني حزني

كنت ضحية: قطع البلجيكيون يدي في الكونغو

وأعدموني بلا محاكمة في ميسيسبي

أنا نيكرو: أسود كما الليل

أسود كأدغال أفريقيا.

لم يعرف هل نجح في مهمة تخفيف الرعب تلك. كل ضجيج العلبة. لكن كل الكؤوس.. الثلج.. الدخان.. أغاني الراقصة الأمازيغية.. رائحة الشيشة. كلّ هذا قد ذهبت مع الريح. فكاترين وفاتي خائفتان. ترتعدان وسط  جموع السكارى، ولا أحد ينتبه لهما غيرتوماس. في هذه اللحظة بالذات وقف البارمان قرب الطاولة:

 ـ (( السيد توماس لديك مكالمة))

رفع العكاز وسار مسرعا نحو المصطبة.

ـ (( آلو ))

فنفجر صوت في سمّاعة التليفون:

ـ ((إنها هنا في باريس يا سيد توماس))

ـ ((من؟))

((كاماريا ..كاماريا. رأيتها بعينيّ وهي تدخل لمقر المجلة. لقد أكلت خصيتي رئيس التحرير)).

ـ ((…))

ـ ((ألو.. انتبه لنفسك.. إنّها قادمة إلى مكناس))

ـ ((..))

ـ ((أهرب أرجوك سيدي. هذه ليست مزحة)).

رمى توماس السماعة. ثمّ أسرع بين أكتاف الواقفين في العلبة، ليخبر صديقتيه بالخبر المخيف. لكن ساعة اقترب من الطّاولة، رأى كاماريا تبتسم وتبتسم في وجهه.

ـ أهلا حبيبي الهارب.

قالت وهي تمسح ما تبقى من الدّم على شفتيها.

رمى ماركوس بنظرة على الطّاولة، فرأى كاترين ميّتة، وفاتي جامدة على الكرسيّ. كان ضباب السجائر والشيشة يملأ علبة باب منصور، وكانت الموسيقى قد تكاد تهزّ الجدران.

تحرّك توماس بسرعة نحو الباب. في حين صاحت كاماريا:

ـ لن تهرب منّي هذه المرّة.

                                                        الحبيب اعزيزي. المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*