أحن إلى جدتي … بقلم الكاتبة حذامي بن رجب من تونس.

عليّ أن أعترف حقا بأن الانقطاع الفجئي عن الكتابة أقرب إلى الموت، توارت الحروف عن دفتري منذ شهرين و راحت تلفظ أنفاسها المتبقية في زحام يومي الذي تعتريه الحيرة و الاكتئاب و الرغبة اللامتناهية في النوم .. لكن الأمر لم يكن بيدي…
كانت التاسعة مساءا لسبعة أيام خلت من “أغسطس” ، التاسعة مساءا من زمن الذكريات القابعة في ذاكرتي و التي قررت أن أطلق العنان لقلمي لتدوينها.. و لأنني دائما ما أتكئ على صمتي و أهرب من مجالس الناس إلى خلوة مع أوراقي البيضاء متقبلة لحقيقة أنني ألطخ نقاء عذريتها بالحبر و أحملها ما لا يطاق من الخيبات المتتالية و الأحلام البالية ، لقد أصاب الشرقاوي حين قال أن ” اجتراح الكتابة كارتكاب الجرائم بحاجة إلى دافع و أداة “
و قد كان دافعي الأساسي هو الكتمان
لكنني أكره هذا الكم الهائل من الصفحات لأنها تنبئ بأوجاع قادمة يجب استفراغها ..
لم أكتب عن موت جدتي أبدا، رغم أن فراقها أصاب منتصف قلبي و جعله أرضا وعرة ، لم تعد طاقتي تسعفني للكتابة عن عبورها الرحب في حياتي ربما لأنني بكيتها طويلا و هرعت داعية لها بالرحمة و لي بالصبر في سجود كل صلاة .. لقد جعلت نصوصي الطويلة تخرج مني على شكل دموع هذه المرة ، دموع موازية للأفراح الكثيرة التي عبرتني على مدى وجودها في حياتي و بتوتر عال تقوم ذاكرتي بعملية التنقيب عن أدق تفاصيل فقيدة قلبي لتصدمني تارة بوميض إبتسامتها و هي تسرح شعري و ترفع خصلاتي من على جبيني و تارة أخرى بيديها الناعمتين تحل أزرار زيي المدرسي. لقد كانت جدتي “مذهلة” و هي تتولى إعمار روحي التي حل عليها الخراب بحضن و قبلة و طبق شهي تعده بكل حب .
في وسط قريتنا الريفية التي لا تتماشى قوانين العيش فيها مع تفكيري و شخصيتي ؛قوانين تحكم على الأنثى بالصمت و الخضوع جاعلة أعلى طموحاتها رجل و تسمح للذكر بالغطرسة بلا حدود لمجرد أن رجولته تشفع له ، في ظل مجتمع كهذا كانت جاذبية جدتي الآسرة كفيلة بحل شيفرة شخصيتي المتمردة و إحتواءها، فبسهولة تامة جعلتني أعتبرها مركز ثقل حياتي غير مبالية بالمحيط الاجتماعي مكتفية بها عن عائلتي التي قاصصتني بالصمت . أتشارك و إياها حبي للكتب و الموسيقى رغم أنها غالبا لا تفهم حديثي إلا أن حدس حبها لي و إيمانها بي كان ينمي شعلة شغفي لأجدد حديثي معها في نهاية كل يوم ينتهي بابتسامة تعلو ثغري طالما رسمتها أمومة جدتي المضاعفة

ليس في الفجيعة أقسى من الغياب و ليس في الغياب أوجع من رحيل من تحب * أيمن العتوم
هل يعقل أن يأخذك الموت مني؟ هل يعقل أن يتوارى الشخص الوحيد الذي إحتواني و شجعني و روض مراهقتي ليجعل مني الشابة القوية اليوم تحت التراب؟
لقد هد المرض جدتي “المذهلة ” و أخذها مني قبل عيد ميلادي العشرين، موتها هو أول ذكرى حزينة جمعتني بها ، ذكرى جعلتني كلما خليت إلى نفسي بكيت
رحلت ملاكي قبل أن أودعها وداعي الأخير رغم أنني هرولت متمنية أن تحدث معجزة تنتشلني من الجامعة و العاصمة إلى المنستير قبل موعد الدفن لكن القدر كان أسرع مني و لم يترك لي الا أن أتأمل و أتفحص قبرها مستعدة أن أزهد في كل شيء بإنتظار لحظة رجوعها فيتسع صدرها لجسدي العشريني المنهك لكن في ظل هذا الوقت الذي أعيشه خطت جدتي رحيلها الأبدي و تركت لي زخما من الذكريات

One Reply to “أحن إلى جدتي … بقلم الكاتبة حذامي بن رجب من تونس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*