من روائع الفن التونسي ( 24 ) اقاليم الدهشة للكاتب والشاعر التونسي البشير عبيد بقلم الناقد فتحي محفوظ من مصر.

في الهزيع الأخير من الليل
تمر العربات حذو الخيام
ليس في المكان القصي مباهج للروح
و ليس لأحفاد القبيلة
كلام يباغت خصوم الوردة
هنا قرب الشارع القديم
ينام قبل الغروب أولاد القرى
و على الضفة الأخرى من الزمان
تأتي القوافل بلا ينابيع
هنا تلتقي الأجساد كأنها اتية من بعيد
ليس لفتيان الضواحي
دفاتر و موسيقى
لهم ما خبأته الفصول
و ذاكرة الحناجر
هنا صوت الشيخ الضرير
يصعد الى الأعالي
يسافر إلى ضفاف المدى
يربك القابعين في ظلام النفق
يصيح في الجموع :
لا خوف بعد اليوم
الحبر المشاكس لي
و لهم ذهب المدينة و الحريم
النشيد الذهبي لي
و لهم ورقات الغيم و انفتاح الرؤى
على المكان القصي
في الهزيع الأخير من دهشة الرؤيا
ينام فتيان الضواحي
بعيدا عن صمت القرى
للتخوم انكسارات و تيه العابرين
ليس في المدينة الهاربة من الاضواء
صبايا
في الضفة الأخرى من الزمن البعيد
تباغتنا العربات بلا مياه أو موسيقى
تعانقنا ورقات السنديان
نحن هنا كأبهى ما يكون النشيد اليتيم
لنا دعاء الامهات و ذاكرة الحناجر
لهم ورقات الغيم
و ارتباك شيخ القبيلة
و ما خبأته الفصول
ايتها الروح لا تهابي سياط الزمان
الصوت الطالع من حنجرة الفتى القروي
هو الصاعد إلى الأعالي
و الذاهب إلى الأقاصي
في الشارع القديم صيحات و رؤى
و انفلات الصوت من الاسوار
لا خوف بعد اليوم
تأتي القوافل بلا ينابيع
و ترتبك الاصابع حين يلتقي العشاق
قبل الغروب
اجساد فتيان الضواحي جاهزة
للرحيل
هنا قليل من نبيذ الروم
و ما حملته الشاحنات من زهر و لوز
و ما ابقته لنا العواصف من دروب….
في الضفة الأخرى من المكان القصي
أصوات خارج السرب
و سياط قرب التخوم
رعايا على الاسفلت
رعاع في صدارة المشهد
رعاة بلا مياه أو موسيقى
من ينصت لفتيان الفيافي حين يكون
الكلام الفصيح عصيا على الانكسار
للدهشة اقاليم
و للروح مباهج و بهاء
لا يربكه جحيم الزمان….

البشير عبيد علينا ان نتذكر هذا الشاعر جيدا فمثله سوف يجود بالعديد من روائع الفن ، والقصيدة بعنوان اقاليم الدهشة ، وتقسيم المكان الي اقاليم له سوابق ، ولكن ابداعات شاعرنا التونسي جعل من هذا التقسيم مكانا يحتذي . يبدأ شاعرنا بصياغة التمييز المكاني في وقت مبكر منذ ” بداية عرض القصيدة
في الهزيع الأخير من الليل
تمر العربات حذو الخيام
ليس في المكان القصي مباهج للروح
و ليس لأحفاد القبيلة
كلام يباغت خصوم الوردة “
اولا : حدد النص الزمان في الهزيع الأخير من الليل ، وهو الوقت الذي يتم حصره بين اليقظة والنوم ، وهو الوقت الذي يختزل الرؤية الي حدودها الدنيا
ثانيا : ان مشهد مرور العربات بمحاذاة الخيام هو قول مأثور ، فالنص يضع حيثياته حسبما تتفق رؤاه ، فالعربات ذات المواتير الصاخبة تمثل في ذاتها الصفات الحضارية ، وتلتصق تلك الصفات قسرا بالمكان القصي ، وبذا يعمد النص الي اختيار اساليب التمييز بين المكان القصي وبين قاطني الخيام ، والمقابلة تتضح ملامحها باعتبارها توزيعا للصفات حسبما اتفق للنص رؤيته
” هنا قرب الشارع القديم
ينام قبل الغروب أولاد القرى
و على الضفة الأخرى من الزمان
تأتي القوافل بلا ينابيع “
يبدأ النص في تكثيف الحالة الحضورية بين المناطق علي اختلاف رؤيتها ، والنوم قبل غروب الشمس سلوك اعتباري يقابله قوافل الامدادات الأتية من زمن آخر ، وهي تلك القوافل التي يصفها النص البديع بانها قوافل بلا ينابيع ، والينابيع اصطلاح يجب اخذه بعين الاعتبار ، ففي القري ذات الخيام تكون الحاجة ماسة الي صفو المياه ، وورود القافلة بلا معين يؤكد فكرة الحرمان والعطش إذا ما كان النضوب يمثل الناحية المادية للواردات ، فإذا ما تجاوز الأمر كذلك فلنا ان نضيف الي القائمة الواردة المطولة سلعا اكثر اهمية
ان التقسيم السكاني يذهب بالموضوع الي انحاء متفرقة ، ففضلا عن وجود سكان للقري فهناك سكان الضواحي وهو يميزهم بالفئات ” ليس لفتيان الضواحي
دفاتر و موسيقى
لهم ما خبأته الفصول
و ذاكرة الحناجر “
والحرمان من الدفاتر والموسيقي كإشارات يرسل خطابا الي اطراف متعددة . الي سائقي القوافل السيارة لإحجامهم عن التوريد باعتباره احدي مناهج الضبط والسيطرة ، يتضمن ايضا اسلوب التقاعس عن التحصيل والابداع لسكان القري والضواحي
“هنا صوت الشيخ الضرير
يصعد الى الأعالي
يسافر إلى ضفاف المدى
يربك القابعين في ظلام النفق
يصيح في الجموع :
لا خوف بعد اليوم
الحبر المشاكس لي
و لهم ذهب المدينة و الحريم
النشيد الذهبي لي ” ان قوائم توزيع الاسلاب تظل مطروحة علي البساط ، و قوائم الاسلاب في مجموعها الحصري تمثل حصيلة الاستلاب ومن بينها ذهب المدينة والحريم ، وما تبقي من القوائم يضطلع الشيخ الضرير بالحصول عليه بعد ان اسبغ علي الموقف حمايته بإعلانه لا خوف بعد اليوم ، وفيما يتعلق بقدراته علي النطق والخطابة فهو يقوم بتأكيد الصفات المعارضة بامتلاكه للحبر المشاكس
يقع سكان الضواحي في منطقة وسطي بين المكان القصي وسكان الخيام ، وتوسطهم في الموقع ربما منحهم بعض المزايا
” في الهزيع الأخير من دهشة الرؤيا
ينام فتيان الضواحي
بعيدا عن صمت القرى “
والتميز النوعي حسب الفئات والمواقع يمنح الاولوية لسكان الضواحي قليلا من الروم والزهر واللوز لأن القليل يغني الجائع
” اجساد فتيان الضواحي جاهزة
للرحيل
هنا قليل من نبيذ الروم
و ما حملته الشاحنات من زهر و لوز
و ما ابقته لنا العواصف من دروب…. “
ومعادلات اغتراب سكان الضواحي الي تلك البلاد البعيدة هي معادلات اعيد تعريف اجزاءها وسبر مراميها ، لأن سكان البلاد البعيدة هم الأكثر قربا في الأموال وفقا لعوائد ضخمة طالما كانوا في انتظارها
” رعايا على الاسفلت
رعاع في صدارة المشهد
رعاة بلا مياه أو موسيقى
من ينصت لفتيان الفيافي حين يكون
الكلام الفصيح عصيا على الانكسار “
يقوم النص في نهاية الأمر بتكثيف الوضع القائم واعادة تقسيم الفئات الي رعايا ورعاع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*