١٧- أشخَاصٌ فِي ذَاكِرَتِي (أطِبَّاء في القامشلي) بقلم الكاتبة ميَّادة مهنَّا سليمان من سورية.

١. أنترانيك سركيس
هو طبيبُ أطفالٍ أرمنيٌّ، وكانَ طبيبَ أولادي، ولطالما اتّصلنا بهِ في أوقاتٍ متأخِّرةٍ بسببِ ارتفاعِ حرارةِ أحدِ الأولادِ، أو مرضٍ مفاجئٍ، وغالبًا كانَ التهابَ لوزتينِ.
كانت عيادَتُهُ شقَّةً كبيرةً مقسومةً إلى قسمينِ:
أحدُهما لهُ، والآخرُ لشقيقتهِ الطَّبيبةِ سيرفارت.
كان الدُّكتور أنترانيك قصيرَ القامةِ، بدينًا قليلًا، بشعرٍ أكثرُهُ أبيضُ، وقد كانَ لطيفًا، يمازحُ الأولادَ، وهذا سرُّ عدمِ نفورِهم منهُ.

٢. سيرفارت سركيس:
كما ذكرتُ هي شقيقةُ طبيبِ الأطفالِ أنترانيك، وكانتْ تشبههُ في الملامحِ والشَّكلِ؛ فهيَ قصيرةٌ، بدينةٌ، مرِحةٌ جدًّا، وكانتْ طبيبتي النِّسائيَّةُ المشرفةُ عليَّ عندما حملتُ بابني دانيال، وكنتُ، وما زلتُ أخافُ من فحوصات الأطبَّاءِ، لذلكَ كانتْ تنزعجُ من خوفي، وتقول لزوجي ممازحةً:
أبو يوسف، إش رايك أخطبلك وحدة دِيريّة،
الدِّيريّات قَوَايا، مرتك كتير نعنوعة ياو!
وياو معناها: (يي بلهجتِنا) أي (أتعجّب بالفصحى).
ومع أنِّي كنتُ أحبُّها كثيرًا، لكنِّي لم أستطعِ الاستمرارَ في الذَّهابِ إلى عيادتِها، بسبب الازدحامِ الشَّديدِ، وسرعةِ اتِّساخِ العيادةِ، فكنتُ أشعرُ بالقرفِ، والغثيانِ وهما عرَضانَ مقِيتانِ كانا يُصاحبانني حتَّى لحظةِ ولادتي. وكنتُ معجبةً بشخصيِّةِ سيرفارت، فهيَ قويَّةٌ، جريئةٌ، مبتسمةٌ دومًا، وأذكرُ لها موقفًا ظريفًا، رأيناها أنا وزوجي تخرجُ من غرفةِ العمليَّاتِ في إحدى المشافي الخاصَّةِ في القامشلي، وهيَ تمسكُ منقوشةَ زعترٍ، وتأكلها، فقلنا لها:
كيف إلِكْ نفس تاكلي بغرفة العمليَّات؟
فردَّت بلهجتِها القامشلاويَّةِ:
ياو.. إش فيها.. تنموت من الجوع إذا قرِفنا!

٣. نعيم زيتون:
هو الطَّبيبُ البديلُ لسيرفارت، وكانَ منَ الإخوةِ السِّريان، وصفاتهُ: كانَ طويلًا، نحيلًا، بشعرٍ أبيضَ، وبشرةٍ مائلةٍ إلى الحُمرةِ، وعينينِ صغيرَتينِ جدًّا، وكانَ مثلَ سيرفارت صيتهُ شائعٌ بالخبرةِ.
وكانت عيادتُهُ نظيفةً جدًّا، حتَّى أنَّكَ تشعرُ وكأنَّكَ في منزلكَ، وكانت المسؤولةُ عن نظافتِها تضعُ قماشةً كبيرةً مبلولةً أمامَ بابِ العيادةِ من أجلِ المرضى القادمينَ من القُرى، فحسبَ قولِها: يأتي أحدُهم وعلى حذائهِ رطلُ طينٍ!
ظلَّ نعيم زيتون مشرفًا عليَّ، وهو من أجرى لي عمليَّةَ الولادةِ القيصريَّةِ، بل أقنعني بضرورةِ التَّخديرِ القطَنيِّ الَّذي كنتُ أخشاهُ، وقالَ لي:
لإيش خايفة، النَّاس تتِمشي لقدَّام، ولّا لورا
التَّخدير القطَني أسلوب حديث في العمليّات.
فوافقتُ، وكنتُ مطمئنَّةً، لأنَّني رأيتُ خبرتَهُ الكبيرةَ، في حينِ أنَّ السُّمعةَ السَّيّئةَ كانتْ تطالُ الكثيرينَ من الأطبَّاءِ في القامشلي، لدرجةِ أنِّي شعرتُ بالرُّعبِ لهولِ ما سمعناهُ في بدايةِ إقامتِنا، من قصصِ غباءٍ، ولا مبالاةٍ أودت بحياةِ كثيرين، حتَّى أنَّني وقتَها كنتُ أقولُ:
إذا متُّ من الوجعِ، فلن أفكِّرَ في الذَّهابِ إلى طبيبٍ من أطبَّاءِ القامشلي، ولنْ أسمحَ لأحدِ أفرادِ أسرتي بالذَّهابِ أيضًا.
أخيرًا.. سلامٌ وتحيَّةٌ للأطبَّاءِ السَّابقينَ، ولكلِّ طبيبٍ ظلَّ وفيًّا للقسَمِ، ولضميرِهِ، وإنسانيَّتِهِ.

ميَّادة مهنَّا سليمان/ سورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*