قطار الأفق البعيد (قصة قصيرة) بقلم الكاتب أحمد السقالي من المغرب.

كل قطارات الأرض تدرك وجهاتها إلا قطاري ما زال يطوي المسافات بدون توقف ! تنطلق القطارات السريعة فيتقلص حجمها وتتمدد أخرى على السكك في المحطات عند وصولها والمسافرون بين الركوب والنزول يهرولون ويتخبطون بالأيدي والأرجل في الأرصفة والدُّرُجات حاملين أمتعتهم جارّين الصبيان والحقائب المتدحرجة، وكل يجري بحساب إشارات ومواعيد مبرمجة تبثها تباعا شاشات التشوير الالكترونية ومكبرات صوت مذيعة رخيمة معلقة بعناية في كل الاتجاهات … إلا قطاري أنا لم يتوقف بعدُ ! حتى دخلني الشك؛ أأكون قد أخطأت القطار !؟ أم يكون قطاري هذا بطيئا قديما من زمن هتلر … بينما يختار غيري القطارات فائقة السرعة !؟ خرجت من المقطورة آملاً قطع الشك باليقين فصادفت المسؤول المراقب وسألته:
_ هل قطاري يتجه إلى محطة الأفق السعيد؟
_ بالضبط هذه وجهته
_ لكن سيدي يبدو أنه قد طوّل
_ ههه وهل تظن بأن الأفق قريب !
رحت أجول بناظري من نوافذ المقطورة وأشاهد سهولا وجبالا، وديانا وأنهارًا، غاباتٍ ومُرُوجا، جسورا وقناطر، أنفاقا وقطارات سريعة… وكلٌّ ينساب في الاتجاه المعاكس لقطاري ! ولما سئمت من فرط جلوسي نهضت أستكشف ما ورائي فأنتقلت من مقطورة إلى أخرى حتى انتهيت إلى ذيل القطار ! كان يجرّ معه سلسلة من الحاويات آلممتلئة بالأسلاك المهترئة وعربات محملة بالفحم الحجري وصخور سيزيفية… كل ما أشاهده عبر النوافذ يسير في الاتجاه المعاكس إلا هذه الحاويات والعربات المثقلة تتبعني وتتشبث بقطاري ! عدت إلى مكاني أطرح نفس الأسئلة: ألا يكون القطار خاصا بنقل البضائع لا المسافرين ؟! ألا يكون وزن الصخور والأسلاك سببا في بطء السرعة وتمدد الزمن وطول المسافة ! ولكن مراقب القطار قد أكد لي أن الوجهة هي محطة الأفق السعيد ! فهل تشابهت عليه البضاعة !!! … لعنت الشيطان وقمت أذرع المقطورات الأمامية حتى بلغت المقصورة الأولى، وهناك اكتشفت السر ! وعلي الآن أن أخرج من الورطة وأنهي القصة بفك العقدة وإكمال السفر ؛ اكتشفت أني لم أخطىء القطار وإنما أخطأت المكان في القطار إذ شتان ما بين مكاني في المقطورة المجرورة وهذه المقصورة العجيبة شبه المنفصلة في مقدمة القطار ! المقصورة شفافة واسعة مجهزة بكل وسائل الراحة ومنفتحة على الأفق، والمسافرون فيها فرحون بما عندهم غير مبالين بالعربات الخلفية فاقدين الوعي الشقي يعيشون ليومهم فقط وكأنهم أتموا السفر وحط كل واحد منهم في بيته وراح يرقص بلا قيود يغني لليلاه ويشرب نخب الحياة… أما أنا الذي بينه وبين المقصورة العجيبة قاب قوسين أو أدنى، فقد أحجمت عن إنهاء السفر وعادني الراحل محمود درويش:
“لا شيء يعجبني
يقول مسافر في الباص
تعبت من السفر فأنزلني هنا
لا شيءٍ يعجبني …”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*