تماهيات الأنا في الآخر على المسرح التراجيدي في قصيدة ” رسالة للريح ” للشاعرة سونيا عبد اللطيف من تونس بقلم الكاتب د. واثق الحسناوي من العراق.

حينما لامستني قصيدة ” رسالة للريح ” للشاعرة التونسية سونيا عبد اللطيف / 2020، وجدتني مُرغما على متابعتها الى نهاية الطريف من البوح، وانا اقتفي شذرات صوغها المضمّخ بندوب شعلات الماضي، المثقل بالحب السائح على ارصفة الآمال المعلقة على شرف الذكريات الهلامية، والحنين الى الرّاهب المسكون في حنايا القلوب والعقول والاحلام، طالما تعبدت في صومعته ،ما ألهب شوقها الى المنخور العظام في فراش الرمل، ما دفعني لأقول أيا جارتاه، ما أنصف الدهر بيننا ، تعالي اقاسمك الشعر تعالي .
كثيرا ما تضع العبارات المفتوحة اوزارها على موسيقى قصيدة التفعيلة او الحرة او النثرية او كما تعددت التسميات للتمايز ليس الا ربّما ، فجميعُ الطرق تؤدي الى المعنى المقصود ،الذي هو قبلة الشعراء، وكعبة المتلقين ،فَرحتُ استرق النظر والسمع، وهي تنشر مسك عنبرها فوق بساتين الحياء المتعب بهموم الموروث ، بهمس شفيف وذوق رفيع واختيار موفق .
الاسئلةُ الوجودية والعدمية، التي تتصارع في فكر ومخيلة الشاعرة سونيا، جعلت من النّص السردي التراجيدي هذا ، نصّا سرديا تراجيديا دراميا في الوقت نفسه ، يُشرِك المتلقي في متاهات وتشظيات رغما عنه ، فهو اقناع مبطن واسلوب مُمنهج، ضمن استراتيجية بالغة التعقيد، والتأثير .فليس التراكيب اللغوية ولا الجمل البيانية ولا والايقاعات الموسيقية، ولا الاسئلة الوجودية، ولا العودة الى الماضي، ولا تماسك عناصر الصوغ، ولا السياقات الزمكانية، وحدها قادرة على ان تفعل فعلتها في المتلقي مالم يكن هناك فاعل وسارد ومرسل مطبوع مشفوع ملسوع بنيران الحياة، ومعجون في تجاربها .
لقد بدأت الشاعرة سونيا نصّها بفعل ماض ،يفصح عن حالة التعب والاعياء المفرط، ليضع القارئ مباشرة امام حالة انسانية مؤلمة جدا ،في قصيدة رثائية تراجيدية اشبه بالموسيقى التراجيدية اليونانية، اذ تقول :
تعِبتُ يا أبتي…
منذ فقدتُك
للأبد
زاد ثقلُ وزري
قلبي تعب من حملي
يا لخيبة ،الأمل
أتى عليّ أكثرُ من خمسين خريف..
وأنا ، مازلتُ حيث أنا..
أنتظر …
دغدغةَ
الورد الحفيف
ورقّة النّسيم الرّفيف
ولمسة النّدى الشّفيف
فهي تنتظر الحلم الذي تخلّى عنها ،وراح بعيدا يذوب بين حبات الرمل ،وهي تأن وتنوح على ذلك الحُلم علّه يتحقق ولو في المنام لمرة واحدة ليسمعها،ولو حتى بعد عامها الخمسين .فالانتظار حالة شوق وحنين تزفر في صدور المحبين والمفارقين بلا هوادة .
وأنتظرُ…
أنامل الشّيب تدغدغ فروة رأسي…
تجاعيد الشّمس تنحت تقاسيم وجهي …
أعمدة الوقت تُكبّلني…
وفي اللّجج، توقعني
بوح مبحوح في نهايات عمر قارَبَ الخواء، رغم نضجه فهو يأس وشيب ووصف مجازيّ ، ليشعر القارئ بمأساة الحقيقة .
ويح قلبي…
لا ربيعٌ مرّ به
لا توتٌ استمتع بإيقاع نبضه
ولا أزهار اللوز تفتّحت في رواقه
جميع علامات اليأس تأكدت بأسلوب النفي المطلق، الذي جزم بعدم عدالة الكون ، او بعدمية الانا لعدمية الاخر .
سندرلاّ ، كنتُ ،
بمفردي
أجلس في ركن من غرفتي
أحلم بفردة حذاء
وأميرا ترسله السّماء
ينصّبني السّلطانة هيام
بعد الثبات الكهولي وحالات اليأس والاحباط والشعور بالعدم ، تنتقل الى حالة التحول الزمني والشكلي، من حالة التشتت والضياع، والفقد الى حالة التلذذ ببراءة الطفولة، التي هي نوع من الاستشفاء والاسترضاء او العلاج المؤقت، برفقة الحلم الذي يعيد لها والدها بصورة الماضي المغيّب وربّما المُقصى ، فعمليةُ الحنين الى الماضي الذي يشترك في صياغته واحداثه وبطولته ووجوده والدها( رحمه الله) ، قد يشعرها بنوع من الطمأنينة او تحقيق الحلم وهو فعل سيكولوجيي تعويضي .
وحيدة كنتُ
أفْرُكُ وحشة وحدتي
أمشط شعر الليل الطّويل
الدّامس
وأُمشِّطُ
شعر دميتي الأشعثَ
أتغافل عن فلّة قطّتي
فتمضي تّلاحق الفئران في الظْلمات
ما يميز هذا النص انه شعري سردي بامتياز ، كونه حافظ على شعريته وهويته الشعرية وفي الوقت نفسه، وظّف عناصره السردية خير توظيف، لذك جاء نصا طازجا شهيا ممتلئ ممشوقا مهذبا متوازنا ..
فارسة
أركب خيولا من الخشب
أهداني والدي
إيّاها عند بلوغي عامي
الأوّلَ
وبعد أن أدركت معاني اللغة
صرتّ أقاتل قطّاع الطّرق
مللت لعبي ….
ألقيت بها في زاوية من زوايا
قلبي المبعثرِ
هي لا تُسلّيني…
هذا يقيني
نستطع القول ان الشاعرة كانت ذكية، حينما انتقلت من الثبات الى التحول في موضوعها زمكانيا وشعوريا ، لكي تكسر طوق التقليد والعزلة وعدم التماشي مع السرب المحلّي المستهلك .
أمّي… كانت تنأى
عن الأعين
تهشّ الغيوم المنحدرة
من الجبال المجاورة
وحين يفرّ النّهار
تجلس على مقعد جدّتي
المتهالك
تمسك بين يديها قطع السكر
الذْائبة
ترمي بها في حذر
واحدة في شاي
أبي
وواحدة في فم الوقت
الزّائر
واحدة لأيّام العسل
وواحدة لسهرات النّكد
ثمّ تتربّع فوق كليم
مهترئ
تنكبّ على غزل
السّوسنَ
ما اروع ما وصفت به الشاعرة امها بسرد متماهي مابين روعة وبراءة وبساطة الماضي وبشاعة الحاضر الذي حرمها من كل شيء جميل في صراعها مع العدم والتحول المريب،وهي تقتفي اثر لغتها الجسدية والشعرية والشعورية ،اذ جعلت من هذا النص نصا شذريا متماسكا موحيا ، بكثرة استعاراته التي ابدعت الشاعرة في توظيفها .
أنا في عمر العنفوان … كزهرة الرّيحان
كنتُ
أنثى…
تهاب…
أساطير الجدّة والعمْة والجارة
حكايات الذئب والغول والمارد
لدغات السرّ والعلن
ومتحوّرات الزمن
كثيرة… كانت
رسائل الحبّ والغزل
تكتبها أيادي العبث على الرّمل
تُلقى بها سُفُنا للزّبد
كثيرة … كانت ،
نوارس الوجد

تحوم في شاطئ قلبي…
تشقّ صدري…
تلهو…
وتمضي..
تعبت… أبتي
بمفردي.. في وحدتي
أغرّد شجعني
للوسائد الهالكة
في زوايا المنعطفات الحالكة
في غياب الشّمس الضّاحكة
في غياهب السّماء الشّاسعة
لا عين تؤمّني
لا قمر يوصلني
لا نجم يضمّني
لا أذن… أذني
وحدها الحرقة ترتشِفُني
تُسكِرُني مرارة الحنظل
حروف الأبجديّة تهزِمني
تٌرفرف فوق رأسي راية التّنمّر
في مقطوعتها السمفونية البوليفونية المتعددة الاصوات هذه تنتقل الشاعرة زمكانيا جيليا ان صح التعبير، لتصف لنا حالة النضج الجسدي والعاطفي لديها، وهي تعيش صراع الهواجس وقد تفتق رمان انوثتها دون جدوى دون امل، في ظل لهيب الحرقة والفرقة .فهي تشكو من ضنك الحياة وتأجج نيران رسائل الحب والغزل .
تعِبتُ يا أبتي…
منذ خُلقتُ.. والحظّ
يخذلني
أظافره تندبُ وجنتي
المرّ… يلازمني… يلازمني
فكيف أبي.. أسرّرك ؟
والفكرة لا تطاوعني
الأرق من كلّ الجهات يُحاصرني
والدّمع عنك وعنْي يسألني
واخيرا تستسلم الشاعرة البطلة-كحال أي مقاتل يرهق وينهك في الحروب كثيرا- الى الظروف والاناس الذين خذلوها ، بعد ان ضاقت بها الحياة وخذلها المُرّ والحظّ …صور اليأس التي مرَّ ويمرُّ بها الشعراء، بل جميع البشر مهما كانت حيواتهم .
لا تسأل أبتي
عن المحبّة وصلة الرّحم
الرّفاق … الشّقاق
الأحباب … الأحقاد
العشّاق… الفراق
الإخلاص في قلب المجاز
والأنغام تبعثرت عند سلّم
النّشاز
خطابٌ اشهاري يصفُ وحشية البشر من حولها ، بنفي انكاري لمن كانوا سندا او صلة رحم ، لا تسال عنهم فهم ليسوا كما نظن او كما كنت معنا .وهذا الم اخر من قسوة الاقربين عليها .
أبتي.. .
أعلم أنّ عظامك نخرة
روحك تحوم مع الملائكة
تشدّون أعمدة السّماء السّابعة
تنثرون على الشّفاه البسمات
لتصدح عاليا بالمحبّات
أبي.. أظنّك لا تسمعني ؟
إذن…
سأكتب للرْيح رسالتي
قد يمرّ طيفك ذات مناجاة
قلبي مزار للشّوق والأشواق..
تقرأ فيه المشاعر
زخّات… زخّات

فهيّا ..
لا تتأخّر بالجواب
عجّل وأرسل لي بالأمنيات
فأنا راضية حتى بالكلمات
على الرغم من هذا النداء المؤلم الذي، يحمل بعض ملامح العتب واللوم المبطن ، الا ان الشاعرة تجد لأبيها الف عذر وعذر؛ لأنها تحبّه وتعذره على الرغم من شوقها القاتل الخانق، فهي تقول له ان لم تسمع فانت معذور سأسمع الريح لتنقل لك الجواب او ربّما سترسل له رسائلا قد يجيب عليها ان لم يسمعها فهي ترضى بالقليل منه لأنها تريد منه أيَّ شيء ولو لم يكن حقيقة .
لقد ابدعت الشاعرة في اظهار هذا النص الذهني الانفعالي الشعوري الادبي الى الوجود بمفردات (سيميائية، اشهارية، اغوائية) ، بعض الاحيان لتقنع المتلقي بموقفها من الاناس والاموات والحياة والحاضر ( الامس ، الان ، الهنا ، الانا ، الاخر ).فكان اسلوب، كما لعب توظيف (الاشاريات) دورا كبيرا في تماسك القصيدة وخدم معناها الخاص والعام ،لتحقق مبدأ “غرايس” في الاقناع والتخاطب والتواصل المشترك بين الطرفين ،و ليمسك النص بفلذات قلوبنا ويجعلنا نعيش الاحداث التراجيدية الدرامية، التي اختصرتها بحرّفية العارف المطبوع وقدّمتها لنا على طبق شهي طيب ساخن .
د. واثق الحسناوي / جامعة المثنى / كلية الآداب
23-52022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*