قراءة وجيزة لقصيدة ” فصول للحلم” للشّاعرة مفيدة الجلاصي بقلم بقلم الشاعر صالح سعيد من تونس.

فصول للحلم
وذي أنفاسي أراني طوعا
أبعثرها على أوراق ذابلة
تنفث فيها من روح روحي
علني امتص من رحيق الأزهار
عطرها شفاء لسقم الأيام
قبيل الرحيل في فجاج
امتدت على مرمى الزمن
حيث تغزل الليالي بسماتها
من نسيج الأشجان
فيا الأشواق الرابضة
على تخوم نفس مرهقة
لم تعبثين بجنى العمر؟!
لم تخلفين الوعود ؟
فلتحلي في مواسم العقم
ولتأتي مدججة بالحنين
حين تبوح الآهات
إذ تفصح عن وجع الفراق
وتخط له النهايات..
على جدران المعابد
وقد كانت الشاهدة على
حكايا الهوى العذري
تناقلها العاشقون بعبرات
في الماقي تجمدت…
وهم الذين واكبوا فصول الحلم
إذ حلقوا على ربى مواسم الحب
باركوها حين أضاؤوا لها
المشاعل على أبواب المحاريب
خرقوا الحدود المرسومة
على خرائط الكون قهرا
وقد سبحت أفئدتهم
بطقوس النذور الموعودة
تحط الرحال بعد ضلال
(الدكتورة الشاعرة مفيدة الجلاصي)
للعنونة أهمية كبرى في توجيه المتلقّي. والعنوان نصّ مواز يفتحك على المتن النّصّي ويضيء لك مداخله. و” فصول للحلم” عنوان مشبع بالتّدلال تصدّر قصيدة الشاعرة مفيدة الجلاصي فكان مبتدأً خبره النّصّ بتعرّجاته. “فصول للحلم” عنوان مثقلٌ بالمعاني يدفعك للمطارحة والاستفهام غوصًا في متاهات الأحلام والرّؤى. أَوَليسَ الشّعر رؤيا؟ وإذا كان ذلك كذلك، فماهو الفصل الأوّل من حلم الشّاعرة؟
لعلّ الفصل الأوّل من حلم الشّاعرة طرقُها الشّعر طوعا بمعول اللّغة. فإذا بالقصيد أنفاس مبعثرة على أوراق ذابلة تلتقط أنوات الزمان الهارب الممعن في المضيّ كي يتمشهد في نصّ موقّع بخلجات النّفس معوّضا إيقاع اللغة بإيقاع المعنى. وإذا بالشاعرة معتدّة بامتلاكها لناصية اللغة تذوّبُ فيها ما ينتابها من أشجان بهمة الفنّان يصنع الوجود بالبيان.
وأما الفصل الثاني من حلمها فقد جاء حافلا بالخطاب الإنشائي مراوحا بين النداء الممحّض للمناجاة استحضارا “للأشواق الرابضة على تخوم نفس مرهقة” والاستفهام المضني بحثا عن علّة العبث والإخلاف. إنه الغوص في الكيان بسلاسة البيان بين النداء والسؤال عن أشواق تائهة تبحث عن الرّسوّ في مناحي الوجدان الذي بعثرته تقلّبات الزّمان وقسوة الإنسان على الإنسان. ثمّ تصّاعد معاني القصيدة في الهيجان ليكون الأمر نبراسا لفكّ شفرات الحرمان المتأتّي من عشق عذريّ بقي أسيرا لذاكرة الزمان في بلاد العربان. إنّ الشاعرة تقع على القديم من قصائد العشاق فتعتصرها وتنشرها على أديم نصّها. فيتحلّل القديم في الجديد ليرسم صيحة الإنسان المعاصر يشتاق إلى الشّوق كأرباب العذريين. ولكنه شوق إلى فضاء إنساني أرحب تستعيد فيه الذات كنهها بعد أن تاهت في الحداثة الملغومة كمدا وعزاء.
هكذا تكون الشاعرة قد نطقت بما يكوي الوجدان من تقلبات الحرمان وذوّبت الأنين في البيان. فكانت القصيدة حداثيّة كسرت عمود الشعر وأطلقت العنان لما يختلج في النفس من معان حِسان. وهتكت إيقاع اللفظ لتوسّع مجال المعنى. فكانت مبدعةً.
صالح سعيد / تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*