المقامة الشيطانية…بقلم الشاعر صالح سعيد من تونس.

……. قلتُ: سَأزفّكما خبرًا آخرَ أخْبرنيه الحكيم وقد راودني الآنَ. قالاَ: هاتِ لقدْ شوّقتنا.قلتُ: قال الحكيمُ ذاتَ مرّة ونحْنُ نخوضُ حديثَ الرّفاق ومَا يحوكونَ منْ مؤامراتٍ متقيّحة الآفاق: كنتُ و”الشّيطان” في أوّل عهدي بـــ”الدّخلة” من بلاد إفريقيّة اثنين كهذين، وأشار بإصبعيه السّبّابة والوسطى، وقعت عليه على حين غِرّة وتوسّمت فيه الخير كلّه. وكان كثير الكلام والعتاب قليل الرّأي والصّواب. فسألته: من أيّ البلاد أنت؟ فقال: من بني يغلب بلد الذّئب والثّعلب طفت في الآفاق أستنصر الأصدقاء والرّفاق حتّى وقعت على “الدّخلة” فوجدت فيها الأمان والغفلة. فقلت: حللت أهلا ببلاد الطّاعة بين إخوانك أهل السّنّة والجماعة. أنا من الآن ابن أبيك فمن تريده في ناديك. فقال: يا حكيمُ لا تعقد الألفة إلاّ بزوال الكلفة ولن تكون خلاّ إلاّ إذا صنعت برّا. قلت ما خطبك يا “شيْطانُ” أتوسّم أنّك في حاجة إلى بعضِ الأمْوال قال: لا فُضّ فوك لقد أصبتَ كبد الحقيقة ووقعتَ على الأمر في دقيقة. إنّي يا “حكيمُ” أهفو إلى دابّة عوجاء أجوب بها الفيافي والبيداء وأستنصر بها الرّفاق والأعداء وليس لي من أمرها بدٌّ وإن كانت أحوالي بين جزر ومدّ. وقد توسّمت فيك كلّ الأمل فهل لك أن تمدّني بالثّمن وأنا شاكر لك هذا المعروف ما حييت ومدين لك بحياتي ما بقيت. فقلت: “حاجتك مقضيّة بين يوم وعشيّة”. ثمّ انطلقت إلى كِنّي وجنّدت أهلي وخلّي وانتفضت انتفاضة الميّت يبعث من القبر حيّا وجمّعت له من الأموال خمسة آلاف درهم بين يوم وعشيّة. وصيّرتها بيْنَ يديْه يعبث بها في لهوه وجدِّهِ وقد كان شقيّاً عييَّا فصار غنيًّا أبيَّا واشترى الدّابّة يصول بها في البراري ويتآمر عليّ مع قطّاع الطّرق والأشرار. فعزّ ما كان بيننا من الوفاق وكان من أمرنا أن آل إلى الطّلاق. وطالت الفرقة وتعمّق الشّقاق حتّى حدث أمر الوفاق وكاد “أحيحة” كيده. فــ”طمع ولم يعلم أنّه في شرك “الشّيطان” قد وقع”.ثمّ إنّه كان من أمر “الشّيْطان” طيّب اللّه ثراه وألحقه بأهل الجنان لمروءته وحفظه للعهد – أن لعب دور دمنة مع الثّور والأسد يطرب للنّميمة والمكائد ويكيد أبشع المؤامرات والمصائد. فكم من عِرض هتك وكم من رفيق بسببه هلك وكم من صديق عليه تآمر وكم من حبيب عليه تحامل حتّى اسودّت الدّفاتر بحبر سَوْءاته وضجّت الأمكنة بقبح صيحاته شديد الملق سيّء الخلق إن تحدّث غالط وإن وعد خالف. ومن أغرب ما روى عنه “حنظلة بن مرّة”، وكان قزما من قبيلة الأقزام وافق هواه هواه، وخالط طبعه سجاياه والأرواح أكر والمِثْلُ إلى مثله ساكن، أنّه سأله عن خبره واستفسره عن سوء طبعه وغرابة أمره فقال له: يا “ابن مرّة” أبثّك أمري وسوء طبعي وسجيّتي وأنت ممّن سيكون لهم شأن في أمر البلاد والقول الفصل بين أشباه العباد ولي في ذلك شرط ولك عليّ عهد هو أن نكون في مجالس “أحيْحة ” كالدّرر وفي سماء عُصْبَتِهِ كالقمر وهو زائلٌ والأمر إلينا آيلٌ. قال حنظلة فقلت له: هات خبرك لقد هيّجت فضولي وحرّكت كموني. قال: “كنتُ يا “ابن مرّة” في أوّل عهدي بالدّنيا أرعى دوابّ بني يغلب في البراري وأعيش مع الشّاة والبعير والحمار. وكانت لي عصا كعصا موسى أتوكّأ عليها فأحمّلها ثقلي وأهشّ بها على غنمي وكنت أرميها فتتصوّر لي أمكنة بكر وبدائع من شطحات الفكر. فقلت: لهذه العـــصا أمر عجيب، أدّخرها لزمان الضّيق والشّدّة والأمر الغريب. ثمّ طال بالرّعي عهدي وقلّ لنفسي تعهّدي فتطبّعت بطباع السّباع الضّارية وظلّ الأمر كامنا في سجيّتي كمون النّار في الحجر. ودارت الأيّام دورتها فصَنَعْتُ وصُنِعْتُ حتّى لوّحت بي الأقدار إلى “الدّخلة” ووقعت على أهلها فوجدتهم فِي هفهفة الهواء. فقلت أتّخذ لي فيهم أمرا صُعَدَا وإن بدّدت شملهم بددا وجرّبت سبل النّفاق والخداع فوجدتها تريحني من كثرة الصّداع فبدأت بالخطابة وكنت أجيدها علّمنيها “أحيْحة” وهو وحيدها، فأستميل أعناقهم طربا وأحرّك بواطنهم عجبا وطال العهد وكبُر المقت وقيّض اللّه لي جماعة تألّبت عليَّ وتبيّنت مواطن الخلل فيّ، فشاع أمري في البلاد وأجبروني على مفارقة مجالس الأسياد حتّى حان حيْنُ الزّعامات وأنا مُتَّهَمٌ بكثرة السّوْءات فإن تقدّمت وقعت وإن تأخّرت شقيت. فتذكّرت عصاي وإن غيّرها الزّمان فقلت لا خلاص لي إلاّ بـــ”أحيْحة ” برّ الأمان إنّه عصاي في زمن قلّت فيه العصيّ وأملي في عهد عزّ فيه الوفيّ. فشدّ أزري على علمه بوزري وكان عصاي التي حمّلتها ثقلي. وإنّي واللّه يا “ابن مرّة” وأنت صفيّي ونديمي أحمّلك همومي لأنويَ أن أقتلعه من الجذور بقوّة الرّجل الجسور. وها قد عرفت أمري فما رأيك في عزمي وحزمي؟ “قال ابن مُرّة فقلت له: سر في دربك كان اللّه في عونك وأنا لك ومعك فإذا احتجتني في أمر فقل ولا تتردّد إنّي بأمر الوشاية عالم وبحوك المؤامرات عارف. فقد وقعت لك على أسرار الجماعة وهاك خبرها منذ السّاعة. قال الحكيمُ: ” ثمّ إنّ ابن مرّة ــ لعنه اللّه ــ كان يحدّث عنه في هيئة الحائر بين العُجْبِ والتَّعَجُّبِ ويقول لحا اللّه “الشّيطان” لقد أثار من القلاقل أبشعها وحاك من المؤامرات أسوأها وإنّي واللّه على تبرّمي منه لأجد له هوًى في نفسي وصدًى في سجيّتي لقد وافق طبعه طبعي وزادني من تبحّره في علم الرّذيلة فوق علمي ما برّزني في مجال اللّئام ووضع حدّا بيني وبين الكرام. وإنّي منذ أوّل لقاء توسّمت فيه الدّناءة والدّهاء فعرضت أن أكون له مريدا أتعلّم منه علم أصول النّفاق والرّياء وتدارسنا بعث مذهب يلوي أعناق العلماء والأصفياء ويؤسّس للجديد في مجال المكر ومغالطة الدّهماء.قال الحكيمُ: فقلت له: لا بارك اللّه لك فيه. لقد وافق شنٌّ طبقة والطّيور على أشكالها تقع. وبقيت سائر يومي أتعجّب من بني غبراء وما يحوكونه من دسائس وبلاء وعلمت أنّني في زمن عزّ فيه الصّدق والوفاء. ومنذ تلك اللّحظة وأنا أحدّث أخبارَهُم بلا انقطاع وما يبثّون من أباطيل يشيب لها الولدان وأقاويل تُطيِّر عقول الصّبيان. ثمّ إنّ الحكيمَ أرعد وأزبد وبزق ثلاثا وكاد يُخْرجُ شيْأهُ منْ تكّة سرْواله لوْلا بعضُ حياء. وانطلق فكأنّي به قد ضمّه الأبد.ApprouverRefuser

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*