موت أبى الجميل بقلم الكاتب خالد محمد جوشن من فلسطين.

اخبرونى ان أبى يحتضر وأن على العودة بسرعة ، كنت فى سفر خارج القاهرة
عدت مسرعا ، خلال ساعتين تقريبا كنت اطرق باب الشقة ، دخلت على والدى الممدد على فراشه يتهدج تنفسه عاليا صعودا وهبوطا ، حاولت التحدث اليه دون جدوى فقد كان فى سكرات الموت .

ربت أخى الاوسط على كتفى قائلا ابوك بيموت ، هيرد عليك أزاى ؟
لم التفت الى كلمات اخى وطبطبت على جسد أبى وقبلته والبكاء يخنقنى ، قائلا له ازيك يابابا ؟
لم يرد عليا أبى بالطبع ، نظرت بأسى الى شقيقى وانا أقول له هو مبيردش عليا ليه ؟

قال لى تعال بس وسحبنى خارج الغرفة الى الصالة كان على المائدة طعام الغذاء جلست أكل فى صمت معهم ، وأنا أرقب باب غرفة ابى التى يتسلل منها صوت تهدجه خفيفا.

وأنظر الى وجوه الجالسين شقيقاى وزوجتى وأبن خالتى الجالسين معنا ، يأكلون فى صمت وكأن على رؤسهم الطير .

قامت زوجتى لتحضر طعاما اخر ربما طلبه أحد الجالسين لا أدرى ، وعادت واضعة الطعام على المائدة ، حانت منى التفاته اليها فوجدت عيناها مغروقتين بالدموع ، لم انتبه كثيرا فقد كانت عيناى معلقة على باب الغرفة المفتوح ، ولكنى سألتها هو فيه حاجة ؟ قالت لا .
أزدرت لقمة أخيرة كانت بيدى وقمت الى غرفة ابى وتبعنى شقيقاى فوجدت أبى بلا حراك ، لقد توقف النفس الاخير .

قلت يائسا هو فيه أيه ؟
رد اخى الأصغر ابوك مات .

مات ابى الطود الشامخ وأصبح جثة هامدة بلا حول ، وجلسوا يتناقشون فى ترتيبات دفن الرجل الذى تحول من أنسان الى جثة بلا حراك ولا أرادة ، خارجا من مسرح الحياة ، ولم يك أيا منا ، منذ اقل من ساعة ، قادر أن يوجهه قبلا أو يصدر له أمر مهما كان .
ياه هكذا موت هادى وجميل وبلا معاناة وبعد تسعون عاما قضيته رائحا غاديا قى الحياة

انتبهت الى صياح اخى وهو يوجه لى كلاما حول ترتيبات الجنازة فقلت له اه طبعا موافق ، وانا لا أعى حقيقة السؤال ولا كنه الاجابة .

باغتنى مرة أخرى اخى الاوسط قائلا فيه ايه ياعم ؟ اثبت كده كلنا هنموت .
ياه حقيقة صادمة نتوقعها للجميع إلا لنا . سيموت الجميع ونحن لا ، حقيقة لا تُدرك ، ولعل ذلك حكمة للاُستمرار فى الحياة .

حضر المُغسل وطلب منى أن أحضر فانا أبنه الكبير ، حضرت ووجدت المُغسل يقلب فى الرجل ( أبى ) يمينا وشمالا مسدلا عشرات الليترات من الماء والصابون ، ويقوم بكل ذلك وهناك ملاءة بيضاء تستر أبى تماما عدا وجهه
.
انتهى مشهد الغُسل الشرعى كما نعته المُغسل وكفن والدى وطيبه بالعطور واستلقى
أبى فى نعشه وصلوا عليه فى الجامع ، صلاة لم استطع ، أمامتها وتولاها اخى الاوسط الذى كان رابط الجأش تماما بيننا .

انتقلت سيارة الاسعاف بجثة والدى المكفنه الى المقابر ونزل بها ، ووراها الثرى التربى ومعه اخى الاوسط والاصغر ولم استطع على الاطلاق نزول القبر للمشاركة وبكيت الى ابعد مدى فى صمت ونادرا ما ابكى .

تحاشيت بعده لفترة طويلة ان أدخل الغرفة التى توفى بها والدى وكنت اتجنبها تماما وهذا لفت نظر شقيقى الاوسط وكان فى حالة عجب دائم .

انتهى الى الابد والدى ومات، وانقضت سيرته ودفن ، ولكنى دائما أتخيله وأتخيل مدى ثراء تفكيره ومخيلته ، وعمق تقديره للامور ، كنت أتمنى لو كان أبى يمتلك موهبة الكتابة ، ليكتب على الاقل صفحة حياته ، فكلا منا هو صفحة فى الحياة ليته يكتبها ولا يحياها فقط ، رحم الله أبى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*