“لم يأتِ بعد” قصّة قصيرة بقلم الشاعرة مريم حوامدة من فلسطين

خرجت منذ الصباح الباكر انتظر قدومها ، أخفيت نفسي عند طرف السور الخارجي للمبنى حيث الأشجار العالية و البوابة السوداء الضخمة ، بت أصِّر برغبتى ، وعناد عيناى التى لم تغفُ من الأمس
عندما حضرت هرعت إليها ، وضعت في يدها كل ما بحوزتي من نقود ،
لكنها خذلتني
وابتعدت مقهقة بصوت عالٍ وبرود قائلة : حبيبتي” ليس اليوم “
* في الحي الهادىء البعيد عن المدينة ، تنحرف بك الطريق الرئيسي المُعَّبد ،حيث يَجثم البيت الصغير كشاهد أَصَمّ ، في النصف الغربي للمزرعة الكبيرة التي يفصلها عن القرية درب ترابي طويل ، تحاذيه بساتين المزروعات الشتوية، تتلاصق الغرفتان الصغيرتان تقابلهما في الناحية سقيفة من الصفيح والأخشاب القديمة مسقوفة بألواح حديدية مائلة كي تسمح للمطر بالانزلاق من الأعلى خلال انابيب ، وقنوات مثبتة على سطحها لتملئ الاوعية والدلاء المحيطة بالجدار بالماء المقطر ،
المسافة التي يقطعها الصغار ذهابا وإيابا للمدرسة كانت شاقة جدا لا سيما الجميع في الصفوف الابتدائية الأولى ،
انتصف الخريف وانتهى تشرين وابتدأ التشرين الآخر
الامطار في بدايتها
دَخَلت غرفة الصف ، ” المعلمة الأم ” المربية ، هكذا نناديها حسب التعليمات في المدرسة ، ترافقها طالبة طويلة القامة ممتلئة القوام ، خِلت لى الرؤية في البداية ، أنها إحدى المعلمات ، لولا تنورة المدرسة القصيرة التي ترتديها ، كانتا تحملان سلة وصفيحة كرتونية فيها مجموعة من العلب المعدنية الصغيرة المغلقة والمزركشة ، وضعتها في خزانة ذات أبواب زجاجية بعد أن كتبت عليها أحرف ورموز لا أعرفها ،لم ادرك حينها ما ذكرت لنا وشرحت الأم بالأمس لم انتبه أساسا لحديثها ، كنت في حالة ذهول للتغير الجذري في حياتي وانضمامي للتعليم رغم عدم بلوغي السن القانوني لذلك ولا سيما اختيار والدتي لهذا المبنى الكبير الجميل الأشبه” بالغستابو “حيث الجدية والصرامة في التربية
اصبح الامر روتينيا ً كل صباح تستلم المعلمة الأم النقود من الفتيات الصغيرات وتضعها في العلب المصطفة في الخزانة ولم ادفع لها فلساً واحداً طيلة الاشهر الطويلة التي مضت ، وكم قلت في نفسي:
ولماذا اعطيها القروش ؟
توالت الايام والشهور تباعا ً حتى منتصف آذار ، وجاء اليوم الذي قامت فيه بفتح العلب وتوزيع النقود على التلميذات حسب الاسم المدون ومقدار ما في العلبة من نقود ، وأشارت اليهن كي يجهزن للذهاب لسوق المدينة
عادت والطالبات الفرحات في نهاية الدوام المدرسي يحملن العديد من العلب المغلفة والأكياس الجميلة الملونة والهدايا ،
غادرت المدرسة باكية والحزن يفتت أوصالي ويلفني بلفيف المسافة
حدثت والدتي عن الأمر ، لكنها لم تبدِ لي اهتماما او تأثيرا ، واعتبرت ما كان عاديا جداً في خضم اشغالها في المزرعة وهمومها الأخرى
مما أضاف ذلك من حزني وبكائي وانزوائي في فراشي حتى عودة أبي
علم أبى ما جرى لحالي ، ودون أن يستفسر عن فحوى الموضوع ، هبط إلى فراشي ووضع في أحضاني مجموعة دنانير ورقية ، سرعان ما غضبت و قذفت بها خارج الغطاء ، وصرخت :
لا أريدها لا أريدها ، انها لا تنفع ، أريد قروش حديدية كي تقبلها المعلمة الأم
ضحك والدي عاليا واخذ الدنانير وخرج مدة طويلة
عاد منتصف الليل ناولني صرة تحتوي على القروش الكثيرة وكان قد استبدل الدنانير من صديق له يسكن في القرية المجاورة ،
انتظرت الصباح وذهبت باكرا للمدرسة انتظر قدوم معلمتي عند طرف السور الخارجي بجانب البوابة الضخمة لاختفي من عيون التلميذات وترافقني خلسة إلى السوق
وعندما حضرت هرعت إليها والقيت صرة القروش التي لم تحملها يديّ من الثقل
لكنها!!
ضحكت ببرود مستهترة ، وابتعدت قائلة :
” حبيبتي”
بالأمس كان عيد الأم .

مريم حوامدة ،
#محنتي مع الكائنات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*