“شبه أب… في ظل الغربة” قصة قصيرة بقلم عبد الحميد بن هني من الجزائر

محمد شاب وسيم وعلى خلق، عاكسته الحياة في بلده، و بعد تعثرات متوالية إبتسم له الحظ وتحصل على تأشيرة سياحية لفرنسا… هنا بدأت الحكاية.

محمد، مع أول تماس له بالغربة، صُدم بقسوتها الجافية كوردة بلاستيكية بهيّة الشكل عديمة الروح والرائحة، لكن فرص العمل مُتاحة، فعمل في محل زهور قرب قوس النصر في جادة الشانزلزيه الباريسيّة.

كان من رواد المحل حنان، عربية الأصل غربية الميلاد، التي أعجبت بطيبة قلب محمد، خصوصاً وهو يمازح ابنتها الكبرى فريدة التي تبلغ من العمر أربع سنوات، والتي لطالما غادرت المحل بوردة مجّانية تزيّن خصلات شعرها، وكان محمد أول من دلّع اسمها بمناداته لها دوما “صغيرتي ديدا”، في حين أن الأخت الصغرى منيرة في ربيعها الأول والتي كانت بهجته فيها لشَبهها الكبير بإبنة أخته. كانت حنان وابنتاها بمثابة مُسكّن لألم الغربة عند محمد الذي لطالما تبادل النظرات والابتسامات مع حنان التي أعجبت بنبل أخلاق محمد وأصله الطيب، بحكم رفضه الدائم للإكراميات التي قدمتها حنان علاوة على الحساب معلّلا لها: ابتسامات البنات تكفيني، فلمحت فيه شبه أب لفريدة ومنيرة عوض الأب الحقيقي العصبي القاسي الذي انفصلت عنه عقب سجنه، وقد كلّل هذا التوافق والانسجام الكبير بعلاقة انتهت بزواج ناجح.

مرت الأيام على الأسرة في كنف الدفء والاحتواء. محمد أحب الطفلتين ومارس أبوّته كما لو كانت حقيقية، ولم يُشعر حبيبتيه أنه زوج أم إطلاقا. و بعد عامه الأول من الزواج و بإلحاح من حنان التي كانت ترغب في أخ لطفلتيها، إقتنع محمد بزيارة عيادة الطبيب فرنسوا المتخصصة. وبموجب أن حنان سبق لها الإنجاب مرتين، كانت خارج شبهة العقم. قام محمد بجل التحاليل الطبية والتي كانت مخيبة على لسان فرنسوا الذي صرح لمحمد: “صعب جداً أن تكون أباً.. تعاني من ضعف جنسي كبير”. تقبل محمد الأمر وتعايش مع الواقع، كيف لا وهو يعتبر الطفلتين بمثابة ابنتيه، ومعاملة حنان الممتازة التي كانت حقا إسمًا على مسمّى، وفضلها الكبير في تسوية أمور الإقامة في فرنسا بمثابة دين على عاتق محمد.

تسارعت السنين والأسرة في أسعد حال إلى أن حل يوم الكارثة الأليم. فتحت منيرة الباب لتشاهد شخصا غريبا بعلامة مخيفة بارزة على وجهه، ارتعبت وصرخت: “أبي…”. أسرع محمد وتشبثت منيرة بارتجاف بساقه، ليتضح أنه عمر، أب البنتين وطليق حنان التي لم تكن موجودة في البيت، والعلامة كانت أثر آخر عراك في السجن قبل إطلاق سراحه بعد سبع سنوات. رحب به محمد وأدخله البيت لكن البنتين لم تتقبلا الوضع وصدتا كل محاولات عمر للتقرب منهما والذي ذهل بشدة حب البنتين لمحمد وبهر بطريقة تعامله معهما، و الذي قال مواسياً خيبة عمر: “إنه أول لقاء، امنحهم  مزيدا من الوقت”. غادر عمر وهو غير راض، عابس الوجه و يتوعد… لكن محمد تعامل مع الوضع بحكمة، والغريب في الأمر رُعب حنان التي أغمي عليها من الهلع بعدما عرفت بخروج طليقها من السجن، وانتابتها نوبات هستيريا غير مبررة، تكررت بعد كل زيارة لعمر والتي تناقصت حدتها مع كل مرة، بحيث نجح محمد بتشكيل شبه صداقة بين عمر وأسرته، والذي ما كان منه إلا الاعتراف بدوره البارز الذي قام به على أكمل وجه في تربية البنتين خلال غيابه الطويل.

وفي احدى زياراته تساءل عمر: محمد ألم تحاول الإنجاب من امرأة أخرى؟ تنهّد محمد: أنا عقيم… استغرب عمر وأردف سائلاً: كيف تم إثبات ذلك؟ أجاب محمد لقد زرت عيادة الطبيب فرانسوا وأكد عقمي… هاج عمر وقال: لقد خدعتك حنان.. أنت سليم. في آخر ولادة لها اقترف الطبيب فرانسوا خطأ طبياً أدى إلى استئصال جزء من رحمها، مما أفقدها القدرة على الإنجاب من جديد، وقام بإغرائنا بالمال لنتكتم على فعلته ولا نفضحه حرصاً على سمعة عيادته العالمية،  فأرغمت حنان على القبول… كان هذا الحوار في حضور حنان التي صُعقت لاكتشاف محمد السر، واعترفت في خضم ذلك بعد عجزها في تغيير الموضوع من بدايته أنها هددت الطبيب بفضحه إن لم يجاريها في خداع محمد.

انهار محمد من هول الواقعة ولم يحرك ساكناً، لينتفض مرة واحدة ويقرر الرحيل، وترك المكان الذي تعالت فيه صيحات البنتين  بأصوات مختنقة بالبكاء “إلى أين يا أبي؟ نحن لا نعرف أبا غيرك.. لمن تتركنا؟ وإذا كان لابد من رحيلك اصحبنا معك فنحن لا نقوى على العيش من دونك”.  نطق محمد و كله حسرة مخاطباً حنان: “كل هذه المدة تخادعين!”. أجابت بغصة تعتصر الفؤاد واضعة يدها على قلبها ووجهها يحتضر “أحببتك.. أحببتك.. ولم أتخيل عالمي وبناتي من دونك”.. ثم لفظت أنفاسها الأخيرة، لم يتحمل قلبها الموقف. واستمرت الحياة بدونها كما لو أن القدر لم يشأ تفريق فريدة ومنيرة عن “شبه أب”.

One Reply to ““شبه أب… في ظل الغربة” قصة قصيرة بقلم عبد الحميد بن هني من الجزائر”

  1. حقا انها قصة رائعة وواقعية جدا وما احوج مجتمعاتنا عامة واسرنا خاصة الى اشخاص مثل محمد بطيبته ونبل اخلاقه وبذور الاسلام المزروعة داخله التي مكنته من شمل عائلة واحتواء ابنائها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*