“محنتي مع الكائنات” الفرح المسموم… قصة قصيرة بقلم الكاتبة مريم حوامدة من فلسطين

قد شاهدته لم يتوانى عن نقل الماء من البئر في ذلك اليوم قبل أن يسرق ،
يلقبونه بالبالوني أو الروسي لشدة بياض بشرته واخضرار عينيه
رغم هدوءه الشديد وثبات مواقفه ورتابته ، دوما يتحمل الغضب والمشاكسات لم أتركه لحظة طيلة اليوم إلا في ساعات النوم
يكبرني بأكثر من عشرة اعوام كان يشفق لحالي كوني سمراء البشرة باختلاف شقيقتي والاخوة الثلاثة أصحاب العيون الزرقاء والخضراء والبشرة الناعمة البيضاء ، يحملني دوما على ظهره وباقي الأكياس او دلاء الماء في يديه أينما ذهب أبكي كثيرا عندما يبتعد
كان ذلك في صيف 1970 حيث قررت والدتي اصطحابي وشقيقي الروسي معها للسوق لتشتري لي حذاء صيفياً ، عبرنا ثلاثتنا سوق المدينة المركزي وهو يحملني تارة ويمسك يدي تارة أخرى ، بدأنا المسير وأنا أتعثر بخطواتي وعيناي معلقة في الأعلى من شدة انبهاري في واجهات المحلات التجارية والدكاكين المتلاصقة والبضائع المزركشة والملابس والألعاب وكانت المرة الأولى التي أغادر فيها المزرعة للمدينة ضجيج وصخب ومناداة على البضائع شعرت أنه يوم القيامة والحساب ولكنه يوم جميل جداً
راق لي حذاء صيفي بلاستيكي ( صندل لونه احمر قاني معلق في في واجهة أحدى المحال ) ،
وحيث انني لا زلت أعاني من النطق السليم في لفظ الحروف جيدا بدأت أصرخ
( صندل أمح ) أمح بدل كلمة أحمر كنت اسمع والدي يقول : السمراء يليق بها الأحمر ويبدأ اخواني بالضحك ،
اقتنعت والدتي من شدة صراخي واشترت الصندل الأحمر وبدأت انا بالرقص في الشارع والفرحة تغمرني وقمت بخلع حذائي القديم وانتعلت الأحمر والمارة وأخي يضحكون ،عدنا للبيت وفي المساء وضعته محاذيا لوساتي وكلما صحوت انظر له واتفقده
في صبيحة اليوم الثاني ارتديت الصندل وتبعت والدتي إلى الحقل لتقطف الخضار وخوفا من ان يتسخ من التراب خلعت الصندل ووضعته جانباً وبدأت باللعب والذهاب والإياب في البستان الكبير ،
انتهت والدتي من القطاف ونادتني للعودة للبيت ولكن بحثت عن الحذاء الأحمر الصغير فلم أجده
بكيت كثيراً وصرخت حتى أن عيوني لم تظهر من كثرة الدموع وعفرت رأسي بالتراب حزنا على ضياع الصندل ، وفي لحظة تذكرت قلت لوالدتي
إنه هو الجار ( العبد فريج ) لم يتوانى عن نقل الماء من البئر في ذلك اليوم وانه سرق الصندل لأجل ابنته .
يا ترى هل كان له طفلة في عمري ؟ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*