امراة من نار.. قصة قصيرة بقلم الكاتبة منى البريكي من تونس

كان سعيد شابا يافعا قد تخرج حديثا من الجامعة حين راها ذات لقاء بمكتب المحامي صديق والده الذي قبله متدربا معه .
كانت فتاة شقراء .يخالط بياض بشرتها نمش محبب . سرقت عيناها زرقة السماء الصافية و تهدل شعرها الكستنائي على كتفيها. قوامها الممشوق زادها جمالا و شفتاها المكتنزتان في تناغم اضافا على وجهها مسحة إغراء .
كانت تتمايل في مشيتها بغنج و دلال حين تمر امامه لتجلس الى مكتبها المقابل لمكتبه دون اكتراث بوجوده في بادىء الامر .و شيئا فشيئا اصبحا يتبادلان اطراف الحديث عن اجواء العمل و الزملاء و حالة الطقس كما حدثها عن نفسه باطناب و أصبحت تعرف عنه كل تفاصيل حياته .
لكنها كانت كتومة متحفظة و لم يجرؤ يوما على معرفة غير ما تجود به عليه من حين لاخر باقتضاب شديد و كان يعزو صمتها الى انشغالها الدائم بالعمل و جديتها و انضباطها .
كان كلما استرق النظر اليها وجدها منغمسة في قراءة كتاب او منشغلة بنسخ نص مرافعة كلفها بها الأستاذ و اصابعها تتحرك دون ملل و بسرعة فائقة.كان يلتهم بعينيه كل تفاصيلها و يستمتع بقربها و بمضاحكتها احيانا الى ان اصبح لا يطيق مغادرة عمله كل مساء حتى لا يفترقا .
الليلة و بعد عشرين عام سيقابلها بعد غياب و ستكون ضيفة حفل توقيع روايته التي تحكي قصة حياته .
جلس الى مكتبه ليقرا فصلا منها تحدث فيه عن حبه لها و عن خذلانها عند اول نكسة أصابته لكن نعاسا خالط جفونه جعله يستسلم لغفوة صغيرة فرآها كما تخيلها دوما تنبعث بين الصفحات كعروس انيقة ترفل في فستان من الضباب الابيض المتناثر حولها و قد استمدت جمالها من زمن الاساطير ….
استفاق سعيد من نومه و هو لا يعرف كيف يفسر كنه شعور انتابه حين رآها في حلم البارحة و ما هي الا سويعات حتى رآها تدخل قاعة الاحتفال و هي في كامل اناقتها و تبرجها كالعادة لكنه لاحظ هالات سوداء تحيط بعينيها و هي تمد يدها اليه مرحبة :” مبارك عليك النجاح لطالما فكرت بتفرد قلمك كلما قرات رسائلك التي كتبتها لي و كلي أمل بان أراك اديبا و ها قد تحقق رجائي اخيرا .”
رد عليها باقتضاب مستغربا جراتها :” ارجو ان تعجبك روايتي كما رسائلي اليك فانا لم اعد ذلك الشاب الذي عرفته “
ثم تنحى جانيا ليرحب بضيوف اخرين متعمدا ان لا تلتقي اعينهما طوال الحفل البهيج و عندما كان يهم بالخروج بعد توديع كل الحاضرين وجدها واقفة بانتظاره قائلة :”لن آخذ من وقتك الثمين اكثر من نصف ساعة نشرب فيها قهوة اذا سمحت ففي جرابي كلام يجب ان تسمعه و ان كان متاخرا،”
فرد عليها بصلف و قسوة :” آسف لا استطيع مشاركتك قهوتك فانا ذاهب للاحتفال بنجاحي مع زوجتي التي كانت نبراس طريقي و رفيقة دربي . التي احبتني رغم معرفتها بعشقي لك و انتبهت الى حزني و خواء روحي حين افلتت يدي و تركتني و مضيت غير آبهة بدموعي و حيرتي.
و رغم انها كانت تدرك مدى تغلغلك كسرطان خبيث في قلبي الا انها احتوتني بعطاء و حب لا مثيل لهما .
لقد اصبحت بعدك نديم ليل و مدمن سجائر و كنت أصل ليلي بنهاري ثملا مترنحا ضائعا بلا هدف فانتشلتني من ضياعي و احتوتني و صبرت و كابدت معي الامرين لانجح و استرد عافيتي .”
فقاطعته بالقول :”انا اليوم أريد ان أرد قلبي إليك و أفرغ كل الحقائق التي لم تعرفها عني و لا اطلب منك شيئا فانا على يقين بانني اصبحت مجرد ذكرى امرأة خائنة بنظرك
اذكر جيدا انني أرسلت اليك الكثير من الرسائل التي كانت تعود إلي دون ان تقرأها و كنت اعاني في صمت و عشت على ايقاع ذكرياتنا ،اغنياتنا ،ورودنا ، بطاقاتنا البريدية التي يملؤها الوجد و كتاباتي الساذجة التي كانت تضحكك اخطاء الرسم فيها .
لقد عانيت ضياعا مثلك و أكثر و آثرت ان تعيش بنقمتك علي على ان تحتقرني حين تكتشف فظاعة ماض مخجل كنت
أهرب منه لقد كان موغلا في الوجع و حادا كحشرجة الموت
كنت أشعر دوما بأن الاعتراف بتفاصيله سيجعلني عارية عرجاء النبض في عيونك التي أعشقها. كم كنت احب ان اكون ملاذك ،كتفك الثالثة و عشقك الذي لا يافل.
نظر اليها بعينين ملؤهما الجفاء و الاحتقار و قال لها بانه لم يعد يهتم و يفضل الا يسمع تفسيراتها بعد فوات الاوان فهو لم يدعها الا ليتأكد من خلو قلبه منها ليبدأ قصة حب حقيقي مع زوجة امنت به و احبته بلا شروط و حين تركها كانت تزم شفتيها بقوة لكي لا تقول له بانها في اخر أيامها بعد ان اجتاحها سرطان مميت و كم يضنيها و يكسرها ان لا يكون اخر من تودعه و كم كان المكان عاريا و موحشا و هو يغادرها .
بقلمي :منى البريكي /تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*