ابن اللّيل..! بقلم سفيان رجب من تونس

ناديت النّورَ: يا أبي
فلم يلتفت إليّ
ناديت اللّيلَ: يا أبي
ففتح لي ذراعيه.

من يومها عرفت أنني الابن الضَّال لليل
أذهب إليه عاريا،
فيُغطِّيني ببُرْنُسِه الكُحْلي.
أذهب إليه حزينا،
فيُجَفِّف شَجني بريح النَّايات.
أذهب إليه جائعا،
فيطعمني من توت الجيرانِ
يأتيني عند سفح الجبل،
وهو يَجُّر قطيع ذئابٍ
يضع مَخْلبا لحدسي،
ويملأ فمي بالعواء
ويقول لي:
– اصعد الآن إلى القمّة.

يأتيني عند حافة النّهر،
بخطى متثاقلةٍ كتمساح عجوز
يضع رمحا مسمومًا في رؤاي،
ويقول لي:
– اذهب الآن إلى الأعماق.

علَّمني أبي الليل
أنّ الأعالي والأعماق
ليسا سريرين للبراءة.

كنا نلتقي دائما
نغتاب النّورَ،
ونُطفِئ النّجماتِ نجمةً .. نجمةً ..
في بحيرة الأرقِ.

أبي اللّيل: عجوزٌ أحدب
يضع بومةً على كتفه،
ويرجم القمرَ بالشّجنِ
كان يوصيني دائما قبل أن يذهب:
– لا ترافق أبناءَ النّور.
سيقتلون الذّئبَ فيك ببراءتهم
وسيحوّلون مخلبك وردةً بيضاءَ
وستنتهي عند عتباتِ خشوعك هشَّا وفقيرا كالبكاءِ.

كنت أحفظ وصايا أبي اللّيل
أمْتَصُّ دمَ الأشجارِ
أفتَضُّ بكارات الأفْكارِ
أضحك من سِيَرِ النُّورانيين،
وأرجمهم بالموْزِ حين يشقّون غابتي فجرا.
غير أنني لم أقدر أن أطفئ من أعماقي
ذلك الحنينَ الغامضَ إلى النّورِ.

* من كتاب: ساعي بريد الهواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*