فؤاد يتمزق..! قصة قصيرة بقلم الكاتبة منى البريكي من تونس

انتبذ فؤاد مكانا قصيا في آخر المقهى و جلس وحيدا يعاقر الصمت غير عابىء بصخب من حوله ولا مرحهم ولا نكاتهم التى تتناهى الى سمعه كانها آتية من قاع بئر سحيق ولم يخرجه من شروده غير اقتراب النادل مصحوبا بسمرائه الفاتنة فكان لزاما عليه أن يشعل سيجارته كعادته كل ليلة لتكتمل طقوس خلوته المعهودة وليسافر في رحلة سريالية مع دخانها المتصاعد وعند أول رشفة من قهوته تاه في مسارب الذكرى وجال بخاطره أول لقاء بينهما فانبعث طيفها من بين دوائر سحابة الدخان بكل عنفوانه وتراءت له في أبهى حلة وهي ترنو اليه بعينين مسهدتين .تأملها بقلب وجل إنها أميرته،فاقت في حسنها القمر ليلة اكتماله وتسللت النجوم لتختفي أمام جمالها وحين آنس منها دنوا غير متوقع أراد أن يلثم شفتيها المتوردتين فضغط على سيجارته بقوة وعب النيكوتين بملء فمه لتزداد صورتها وضوحا وهي تنساب من بين منخريه و ترحل متسربلة بظلام روحه في غيابها فتهمي الدموع على وجنتيه وصدى صوتها يتردد في أذنيه :
-“سنكون أحلى عروسين يا فؤادي ولا تنسى أن تحملني بين ذراعيك ونحن ندخل عشنا الدافىء .”
فيزداد نشيجه ويتذكر كيف تلقى الخبر المشؤوم وهو يستعد للذهاب إلى قاعة الحفل ليهرع إلى مكان الحادث ملتاعا فيجدها مكفنة في فستانها الأبيض وعيونها شاخصة وهي تبتسم له بسمة الوداع الأخير .
لا يعرف إلى الآن كيف حملها كما أرادت ولكن وهو ينتحب مكلوما لمصابه بينما كانت جثمانا طاهرا آثر القدر أن ينتزعه منه و هما قاب قوسين من فرحهما الموعود .
و يستبد به الشوق وتجتاحه الذكرى فيراها كما أول مرة تدخل عليه الأستوديو وهي بكامل أناقتها وأنوثة طاغية تفر من بين أعطافها فتتسارع دقات نبضه حين تصيبه بسهام لحاظها كقناص تمترس بالظلام وصوب نحو صدره رصاصة تداعى لها سائر جسده فنزف عشقا.
و يسرح بخياله الجامح فيستعيد كل نقاشاته معها وهو يحاول إقناعها بصدق مشاعره فقد كانت ثائرة لا تبالي بالرجال ولا تستهويها العلاقات وكانت تجيبه بالقول :
-“أنا إمرأة ترفض تبعية رجل شرقي يقيد روحها و يجلدها بسياط الغيرة والتملك في مجتمع ذكوري يريدني أسيرة مخدع وثير ؛مجرد تمثال برونزي يزين البيت و يمارس الحجر على أفكاري فيغتال قلمي و يربك أحلامي. و لا يراني غير وعاء للإنجاب فيبخسني حقوقي لأعيش مهمشة بلا عنوان. “
و كان يكتفي أن يكون رفيقها الذي تقاسمه همومها و جولاتها بين البلدان و هي تحقق نجاحات في مجال الموضة و الأزياء إلى أن مرض مرضا ألزمه الفراش فاعتنت به وبذلت قصارى جهدها ليتعافى حين أدركت كم كانت تحبه و كم كانت تخشى فراقه.
هزه النادل برفق وهو يقول :”لم يبق بالمقهى غيرك يا سيدي وقد أوشك الفجر أن يبزغ يجب أن أنظف المكان قبل أن أغلق الأبواب. “
نظر فؤاد الى المنفضة التي امتلأت بأعقاب السجائر و قام متأففا وهو يغمغم في حنق باد للعيان:
-“تبا لك أيها الشاب البغيض كيف قاطعت منادمتي لحبيبتي؟ لقد رحلت قبل ان أرتوي من مدام كأسها كمزن خلب بللت أرضا قاحلة دون رواء فما اهتزت لهطولها ولا نمت .”
ثم أشعل سيجارته الأخيرة ليدخنها بشراهة من يريد استزادة عذاب يعتمل بين جوانحه وخرج مترنحا يسابق طيفها خطوه المتثاقل كثمل ينشد هواء الشارع ليعود الى واقع مرير و بيت يملؤه الصقيع .

2 Replies to “فؤاد يتمزق..! قصة قصيرة بقلم الكاتبة منى البريكي من تونس”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*