ميتروهات …وهدرات ..! “الهدرة الأولى: حقيبة بلا ذاكرة” بقلم الكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس

دف – دف- دف – افْ – افْ – أف فففف…

هذا الصّوت المقلق، هذا الأزيز المقرف، هذا الصرير المزعج، كلّ صباح، كلّ يوم، طيلة أيّام السّنة الدّراسيّة، قبل الدّخول إلى المدرسة، قبل بدء حصص الصّباح، بعد كلّ حصّة دراسة، بين السّاعات، بعد الخروج من المدرسة، في السّاحات… أسمعه، في الطّريق أسمعه، على الرّصيف أسمعه، في بهو المحطّات أسمعه، في قاعات انتظار المطارات أسمعه… في السّماء رعدا أسمعه… عند هزّات الأرض أسمعه، يا إلهي… يا أذني… يا رأسي… آه… آه… وآه…

ألا نستطيع أن نتّمتع بشيء من الهدوء والسّكينة في هذا الصّباح؟ ألا نستطيع أن نكمل نعاسنا ونحن مشاة؟

ألا نستطيع أن نكمل حلمنا الذي أفقنا منه بل أجبرنا أن نتوقّف عنه بسبب منبّه السّاعة الذي رنّ فأزعجنا وأيقظنا غصبا عنّا فأسرعنا مكرهين إلى أعمالنا… شئنا أم أبينا… برغبة أو بدون… بمتعة أو بغصّة…؟

هذا الصّوت، هذا الدّويّ حال دون أن يتركنا نرتّب أفكارنا ونبرمجها باتّساق ونُساق مع التزاماتنا اليوميّة كي ننجزها في طمأنينة وهدوء وسكينة…

     هكذا كانت العجلات تدور وتدور… ترحي وترحي… تنشد وتغنّي… تبكي وتشتكي… تدوس الحصى، تغوص في الوحل، تغوص في الرّمل، تغطس في البرك، تغطس في الحفر، تعلق في الأسلاك، تعلق في الأشواك، فتعطّل الآخرين، تعطّل من يسير خلفها وحذوها ويتعثّر فيها آخرون وقد يسقط أحيانا شيخ أو عجوز، طفل أو طفلة، فيسخط ويسبّ ويلعن، وقد يبكي أحيانا أو يدوّي بالصّياح والصّراخ عاليا صاحبها إذا كان طفلا لم يتعدّ السّابعة أو فتى يافعا في العاشرة لأنّ حقيبته استعصت عليه وصعب جرّها وسحبها…

        هكذا هم التّلاميذ كلّ صباح يجرّون محافظهم يدسّون فيها كتبهم وكرّاساتهم وجميع أدواتهم المدرسية بل يجرّون خلفهم كتيّباتهم في بهاء وعناء في الآن نفسه غير عابئين بمن حولهم، غير مدركين الضّجيج الذي تحدثه حقائبهم والقلق والإزعاج الذي يسبّبونه للغير… عن قصد أو عن غير قصد… متعنّتين أو مستمتعين… هم قد اعتادوا هذا السّلوك وتآلفوا معه وصار هذا الصّوت وهذه الضّوضاء جزءا من حياتهم اليوميّة العاديّة البائسة، فكيف ينزعجون منه وكيف يشعرون بتذمّر الآخرين وما يطلقونه من صيحات فزع ؟؟

     كنت أنظر وأتابع تلك العجلات وهي تدور وترحي الطّريق رحيا… تارة تحدث نشيجا تارة أخرى تحدث نعيقا، نقيقا وأنينا، في رتابة مستمرّة وروتين ثقيل…

       كنت أنظر… أنظر إلى العجلات… أتأمّلها… وهي تدور… تدور… أخذني الدّوران بعيدا، بعيدا وزجّ بي في المطارات: مطارات الطّفولة والذّكريات مرّة ومطارات الأسفار والرّحلات مرّة أخرى…

       المسافرة تجرّ خلفها عشرات الكيلوغرامات… الحقيبة التي تسحبها كانت منتفخة أوداجها، مكتنزة أدراجها، تكاد تنفجر من جنباتها أو تنفجر ضحكا من صاحبتها المسكينة فتطير أسنانها، السنّ تلو السّنّ… ورغم العجلات المتّصلة بالحقيبة والتي كانت تجرّها إلاّ أنّ المعاناة والتّعب باديان على وجه صاحبة الحقيبة بسبب ارتفاع الوزن والثّقل …

 في هذه الحقيبة الكبيرة بل العربة النّاقلة، المجرورة، المحمولة، زاد المسافر فهو يضع فيها كلّ شيء يحتاجه من أكل و ملبس وهدايا و أشياء أخرى عديدة… وأدباش المسافرة كثيرة هي الأخرى فهي تضع فيها حذاء الرّياضة والكعب العالي، حذاء الحمّام، شلاكة البيت، معجون وفرشاة الأسنان، الصّابون والغسول، شامبو واحد وشامبو اثنين، المشط والزّيت المليّن للشّعر، كريم الوجه واليدين والقدمين… كريم النّهار وكريم اللّيل، قميص وسروال النّوم أقصد البيجاما، الجوارب والفولار والقفازات، الثّياب الدّاخليّة والبنطلونات، التّنورات وفستان السّهرة واحد والسهرة اثنين وثلاثة… الأقمصة والصّدارات… يا إلهي إنّها خزانة متنقّلة هذه… ثمّ لا تنس قارورة العطر وطلاء الأظافر ومزيله والأكسسوارات والخواتم وبعض الهدايا والحلويّات… و…

       حين كنت في سنّ السّادسة أو ربّما أقلّ أو أكثر، كانتْ تأتي لزيارتنا في كثير من المناسبات العمّة والخالة، القريبة والبعيدة، الجارة من قريب أو الجارة من بعيد… بالطّبع لم تخرج ضيفتنا أو زائرتنا من بيتها إلاّ بعد أن استأذنتْ وأعلمتْ وأخبرتْ… نظّمتْ، رتّبتْ وهيّأتْ… طبختْ وغسلتْ وتركتْ بيتها للزّوج الكريم السّيد الفاضل والأبناء الأبرار في أحسن هيئة وحال وقد تمرّ بجارتها أو حماتها أو إحدى قريباتها لتوصيها خيرا بأهل بيتها… كانتْ زائرتنا رحمها الله حيّة أو ميّتة تحمل في يدها إن هي شاءتْ قفّة وضعت فيها من الأشياء ما جادتْ به قريحتها من خبز طابون أو ملاوي وهريسة وكاكاويّة وبطاطس وبعض الخضر والحشائش… وإذا لم تحمل في يدها قفّة فكانتْ تمسك بصرّة تضعها إمّا تحت إبطها أو تعلّقها في ساعدها… لم أنس تلك الصرّة هي عبارة عن منديل كبير أو فولار للرّأس هكذا كنّا نطلق عليه “فولار ” العبارة فرنسيّة من مخلّفات المستعمر ورثناها… كما ورثنا عدّة مفردات أخرى ننطقها وندرجها في حديثنا اليوميّ ولا نعرف إن كانتْ عربيّة أو إفرنجيّة، أمازيغيّة أو تركيّة…  فنحن شعب تونس مزيج من عدّة عروق وأصول وقدْ تتالتْ عدّة حضارات عبر التّاريخ على هذا البلد المجيد المبارك الذي منذ الأزلْ تنهب خيراته ولم تزلْ وكما قال القائد المعمر القذّافي رئيس ليبيا رحمه الله إنّ تونس من البلدان الغنيّة لو لم يقعْ نهبها من قبل رجالها وحكّامها ومع ذلك فخيراتها وثرواتها مازالتْ لم تنته إلى اليوم…

عفوا أقصد النّهب لم ينته… لعن اللّه الجشع والفقر… لنعود إلى بعض المفردات التي تستعمل في الوسط الاجتماعي و يستعملها عامّة النّاس وكما ذكرت هي دخيلة ونتيجة تلاقح واحتكاك أهل البلد بالمستعمرين والوافدين مثل الكشينة يقصد بها المطبخ، الموريس هي  سيارة الإسعاف، السبيتار هي المستشفى، اللّواج هي سيارة الأجرة، الكرهبه أي السّيارة، الشوفور هو السّائق، الفيرمه هي الضّيعة، الكرتابه هي المحفظة، السّاك هي الحقيبة، الروج يعني قلم الشّفاه،  مسرمن تعني مرهق، مريقل تعني تمام، موشوار تعني منديل و فارمي الباب أيْ أغلق الباب، وغيرها من العبارات التي نردّدها ونستعملها في قواميسنا اليوميّة والشّفويّة…    

     تلك الضّيفة التي تنزل علينا تبادر بفتح صرّتها حالما تصل إلى بيتنا فترى فيها ما قلّ ودلّ: تبّانا، صدّارة، فستانا، بعض السّواك واللّوبان، مشطا أو فلاّية، حافظة نقود صغيرة أو قطعة من قماش أو منديل أنف صغير تلفّ وتعقد فيه بعض القطع النّقديّة وفي بعض الحالات ترى بعض الحرز الصّغيرة التي لا أدرك محتواها إلى يومنا هذا…

        مسافر الأمس كان يحظى بحسن الضّيافة والقبول والكرم ومحبّة الرّسول فلا يحتاج إلى رغيف أو شراب ولا مطهّر أو منظّف ولا غسول أو عطور ولا حتّى إلى شلاكة للبيت فقد كان يجد غرضه وحاجته وما ينقصه عند أهل البيت الذين يزورهم، فهم يجودون عليه بكل خيراتهم ويغدقون عليه بمحبّتهم وحنانهم.

          مسافر اليوم، عليه أن يحمل زاده وزوّاده، طحينته وخميرته، كلّ لوازمه وحوائجه، خزانة أدباشه وثيابه، طعامه وشرابه، وقد يرحّب به ويحسنون استقباله وقد تنقلب الوجوه لمقدمه ويستاؤون من تواجده وحضوره… الكرم والجود يا صاحبي أصبح حلما منشودا وتاه في الدّروب وانتهى بانتهاء أصحابه منذ أزمنة غبرتْ وعصور انقرضتْ…

     مازالت عجلات الحقيبة المدرسيّة تلفّ و تدور عفوا أقصد محفظة التّلميذ لا بل مكتبة الطّفل هي خزانة كتبه وجميع أدواته وكلّ أقلامه: الجافّة والحبر والألوان والرّصاص واللّبديّة والشّمعيّة وقاموس العربيّة والفرنسيّة وقارورة الماء ” تابيروار ” هذا النّوع من البلاستيك يقال أنّه صحيّ فهو مطّاط من نوع خاصّ تصنع منه بعض الأجهزة الطّبيّة كتلك الفتّاحات ” فالف ” التي توضع في الشّرايين لمرضى القلب… وتصنع منه أواني مختلفة تحفظ فيها الأغذية ويقال أنّها تحافظ على قيمتها الغذائيّة… فسعيد الحظّ من يستعمل هذا النّوع من الأوعية والأواني فهي برغم بساطتها باهضة ومكلفة… ونجد في المحفظة المجرورة كذلك اللّمجة وفطور الصّباح والغداء… فترى فيها الغلال، العصير، البسكويت، الحليب، الياغورت، الخبز، التنّ، الخضر، الملعقة، السّكين، المنديل وإذا طلبت المستحيل تجده في داخلها… باللّه عليكم ماذا تبقّى من الأشياء لم يحمله التّلميذ في محفظته؟

 المائدة والكرسيّ؟

 نحمد اللّه إنّهما متوفّران في المدرسة …

  يا إلهي… كم طنّا تزن محفظته… كم كيلوغراما يحمل ويجرّ؟ هل لهذه الحقيبة ذاكرة…؟

هل تخزّن المحفظة المعلومات وتستفيد منها وتفيد؟

 أقصد ذلك الطّفل هل يحتفظ في رأسه بشيء من تلك المحتويات للدّروس والمواعظ التي تلقّنها، أم تراه قد أتلف ذاكرته كما أتلف كتفه حين أسلمه لحمل تلك الثّقل؟

 هل لديه من الوقت ما يكفيه لمراجعة دروسه وإنجاز تمارينه وحفظ القرآن والأناشيد والمحفوظات والتّاريخ المزيّف والجغرافيا العرجاء أم هو يقضي ليلته في إعداد محفظته وترتيب كتبه وكرّاساته وأكله وشربه للغد وإن نسي شيئا فتذكّره في منتصف اللّيل فإنّه ينهض في الحين ومسرعا من عزّ نومه أو في الصّباح الباكر حالما يفتح عينيْه وقبل أن يستعدّ للفطور ويعدّ نفسه يجري ليدسّه في حقيبته ثمّ يقلع إلى المطار لعلّه يلحق الرّكب والمسار وينال شهادة الشّكر والإحسان بإحرازه البطولة في جرّ عربته و إيصالها إلى المدرسة ذهابا إيّابا دون إلحاق الأضرار بها كأن يفسد عجلاتها أو يطيّرها على سبيل المثال وتلك الفجيعة الكبرى…     

            واصلي سيرك أيّتها العجلات… اطوي الطّريق، اطوي الصّديق، اطوي الكرّاس، اطوي الكتاب، اطوي العلم واطوي حتّى المعلّم، اطوي اللّوم والعتاب والمحفظة والذّاكرة… أجل الذّاكرة اطويها كذلك واحفظيها في دروبك وأدراجك، في خزانتك أوفي محفظتك ومتاهاتك فنحن اليوم ما عدنا نحتاج لذاكرة ولا إلى لافتة أو لائحة ولا حتّى إلى نابغة… فالعلم والبلاغة والنّباهة، ستصلك في طرد بريديّ أو الكترونيّ أو على صفحات الواب والانترنات والعمّ قوقل والتّويتر والتّغريدات …

هنيئا لكما، ابني، ابنتي بهذه التّكنولوجيا الحديثة العظيمة…

       لكن، لا بأس يا ولديّ أن تبحثا عن ذاكرتكما أين يمكن أن تجداها؟

فتّشا عنها في كلّ مكان… قد تشتاقان لها ذات زمان…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*