” سجى ” قصة من “محنتي مع الكائنات” للكاتبة مريم حوامدة من فلسطين.

تعودت بعد زواجها في بلدة أخرى إلى إقامة علاقات حسن الجوار مع عائلات لا تعرفها وكون مكان سكنها في طرف المدينة وموقع البيت على ناحية الطريق العام أدى ذلك لجعل العديد من المارين الوقوف والاستراحة أمام البيت قاصدين شربة ماء أو شراء منتوج من أصواف الخراف أو مصنوعاتها الغذائية من الألبان والأجبان ومربى السفرجل ودبس العنب او بعض من ثمار المزروعات التي كانت تزرعها وتعتني بها وتحديدًا من العائلات اللاجئة الذين هجروا من قراهم ومدنهم في نكبة عام 1948 ،
كانت تفضل دومًا ذهابي معها في زياراتها القصيرة لبعض العائلات تحمل معها الهدايا التي يحبونها مما هو متوفر في البيت ومما زاد من رغبتها في اصطحابي معها هو أنني قليلة الكلام خارج البيت ولا أطلب شراء أي شيء من سوق المدينة باختلاف جميع اخواني أو بخلاف الأطفال ، وفي أحد المرات قصدنا زيارة صديقة لها ،
” سعدية ” التي تعيش في مخيم اللاجئين ومعرفتها بها تمت عن طريق زوج سعدية سالم ذلك الشاب الجميل طويل القامة أبيض البشرة الذي يعمل سائق سيارة شحن ثقيلة لنقل الأسمنت والحديد وكان يمر يومياً بالقرب من البيت يشتري الحليب والألبان لعائلته كما أنه أحياناً كان يصادفنا في طريق المدرسة وينقلنا للبيت ولطالما كان يشاكسني حتى أغضب منه عندما يقول أنتي دوماً مصابة بالرشح والزكام كوني لا أجيد نطق الحروف و الكلمات ويضحك حتى يصيبني الغضب وأبدأ بالبكاء وأقول له أني لست مصابة بزكام، أنفي متوسط الحجم ولذلك لم ولن أصاب بالرشح وبقي على نفس الوتيرة حتى بعد أن تجاوزت العشرين من العمر وهو يسخر مني ضاحكاً ،
دخلنا زقاق المخيم ولا أدري كيف لوالدتي أن تعرفت على بيت سعدية ضمن هذه البيوت الصغيرة المتلاصقة المسقوفة بالواح الزينكو ذات الأبواب والعتبات المتشابهة والجدران المهترئة التي تعج برسومات الاطفال وكتابات الشباب الثورية ونقشات الورود والقلوب وحروف اسماء المحبين وأسماء المدن والقرى المسلوبة .
وصلنا بيت سعدية قرعت والدتي الباب لكن لم يكن أحد في البيت فاقترحت والدتي أن ندخل سوق المخيم لشراء بعض الاحتياجات علنا نجد سعدية ،
عدنا أدراجنا للسوق وكنت حينها في العاشرة من العمر و مرهقة جداً حيث أن المسافة بين بيتنا والمخيم تحتاج لساعة زمنية سيراً على الأقدام ، وفي أثناء تجوالنا عثرنا على سعدية تجلس على ركبتيها امام بسطة البرتقال وتنتقي الحبات الجيدة لفت انتباهي في تلك اللحظات منظر سعدية وهي جالسة على الأرض وحزنت لمشهد هذه المرأة الشابة التي طُردت من موطنها وخيرات والدها وأرزاقهم ،
انتهت سعدية من شراء الحمضيات والفاكهة وعدنا بمعيتها إلى بيتها الصغير .
سعدية هذه الصبية السمراء قصيرة القامة تزوجت وهي في الرابعة عشر من عمرها بعد مغادرة عائلتها بلدة ” لفتا” الجميلة التابعة لمدينة القدس ،
أنجبت سعدية عشرة بنات مات ثلاثة منهن وبعد ذلك أنجبت ذكراً وبنتاً أخرى وأكملت طريقها وأنجبت أيضاً ولدين ذكور ،
في بيت سعدية الصغير أصابني الذهول من نظافة البيت ورتابته المنقطعة النظير رغم احتوائه على الاثاث البسيط ، سألتها والدتي عن بناتها فذكرت لنا أنها زوجت ثلاث منهن أصغرهم “سجى” وكانت في الخامسة عشر من العمر؛
صمتت والدتي لحظة وتبدلت ملامحها عند سماعها الخبر ، سجى تلك الفتاة فائقة الجمال شقراء عيناها لوزيتان خضرواتان وشعرها أشقر طويل منسدل فهمت بعد ذلك أن والدتي كانت تود خطبتها لشقيقي ، قدمت سعدية لنا واجب الضيافة وتحدثنا وقدمنا لسعدية الهدايا وعدنا للبيت .
تزوجت سجى شاب من مدينة بعيدة جداً ومكثت مع زوجها اربعة اعوام ومن ثم عادت لوالدتها مطلقة والسبب أن سجى لم تنجب طيلة هذه السنوات ،
مكثت سجى في بيت والدها خمس أشهر خلالها تقدم لخطبتها طبيب مطلق وله ابنة واحدة من بلدة أخرى وكان يعلم أن سجى لا تنجب فلم يكترث من ذلك بوجود سجى ساحرة الجمال هادئة الطباع .
تزوجت سجى للمرة الثانية وهي في سن العشرين وسافرت مع زوجها لدولة مجاورة ومما ذكر لنا أن سجى تعيش حياة هادئة مرفهة مع زوجها وكنا نلاحظ ذلك من خلال ملابسها واناقتها الفائقة الجمال وكانت دوماً تقوم بزياراتها السنوية لفلسطين ،
زوج سجى الطبيب عرضها على كبار الأطباء للعلاج وذلك من اجل ان تنجب له ولداً بل وأرسل تحليلاتها الطبية لدولٍ عديدة من خلال علاقاته والأصدقاء الأطباء وذلك خلال خمس سنوات من حياتهم ولكن للأسف كان الأمر مستحيلاً كما ذكر لها أحد كبار الأطباء أخيراً بأنها “عاقر “ولن تنجب طيلة حياتها ،
مرت الأيام والشهور وحصل خلاف بين سجى وزوجها وساءت الأحوال بينهما وعادت سجى لبيت أمها مطلقة للمرة الثانية لأنها لم تنجب ، مكثت سجى في بيت والدها معززة مكرمة حيث أن الاحوال تبدلت بعد هذه السنوات بسبب شقيق سجى الأكبر الذي أكمل دراسته في الهندسة وكان متفوقاً وحصل على عقد عمل في دول الخليج وكان يتقاضى مخصصاً عالياً جداً من المال وخلال عشرة أعوام غادر أهله المخيم و كان قد اشترى قطعة أرض كبيرة لوالديه وأقام عليها فيلا واسعة جداً وحديقة جميلة ساحرة .
قبل ان تنهي سجى عدتها من شهور الطلاق الثاني تقدم ” عامر ” لخطبة سجى وهو شاب يكبرها بعشرة أعوام وكانت سجى حينها في العقد الثالث وهو متزوج ولديه ثمانية أولاد ذكور ، أذهله جمال سجى وحيث انه ميسور الحال عرض على والدها مبالغ كبيرة مهراً لها علها توافق على الارتباط به وخاصة انه علِم بقصتها مع ازواجها وانها لا تنجب بتاتاً وهو راضٍ عن ذلك .
تم الضغط على سجى من أجل الزواج حفاظاً عليها من كلام العامة ولكونها في عز الصبا وجميلة جداً فوافقت بعد جهد جهيد ،
تزوجت سجى للمرة الثالثة وبعد انقضاء الشهر الاول أصيبت سجى بوعكةِ صحية لم تحدث لها سابقاً مما أقلق الأهل والجيران لحالها وهرعنا جميعاً لزيارتها في المشفى ليحضر الطبيب ويخبر الجميع أن سجى بخير ولكنها تحمل في أحشائها جنين ، أسرعتُ واحتضنت سجى وبكيت وبكت هي أيضاً من الفرح حيث ان العلاقة التي كانت بيننا قوية جداً لتصل لمرحلة الأخوة ،
وأذكر أن عندما توفي والدي كانت سجى اول الواصلين إلينا وأكثر من بكاه حرقة وكانت تعتبره بمقام والدها ،
فرح الجميع فرحاً شديداً وأقام أهل سجى الاحتفال وتوزيع الحلويات كون ما حصل هو معجزة لم يسبق ان حدثت ، هذه الفرحة استقبلها عامر زوج سجى بالعبوس والقهر وتبدلت أحواله وكانت الصاعقة عندما طرد عامر سجى من البيت وأكملت شهور الحمل وأنجبت أنثى فطلقها عامر وأصبحت سجى مطلقة للمرة الثالثة والسبب أنها أنجبت .
تدخلت عائلة عامر والأصدقاء من أجل الإصلاح وإعادة سجى لبيت زوجها كي تعيش الطفلة في كنف والدها وبعد مشقة والحاح من الجميع وأذكر أن والدتي بكت امام الرجال وهي تتوسل من أجل عدم التفريط بسجى واعادتها لعصمة زوجها من أجل طفلتهما و كونها شابة خلوقة وهادئة وتحملت عذاب وصبرت كثيراً ،
رق قلب عامر ووافق واعاد سجى إلى البيت ولكن ليس بيته بل اشترط على أهلها منحها جزء من بيتهم الواسع بحيث تكون لهما خصوصية ،
مرت عدة شهور وحظيت سجى بحملها الثاني وما كان من زوجها الا ان طلقها للمرة الثانية وغادر بيت عائلتها ،
انجبت سجى طفلتها الثانية وبقيت في بيت والدها الواسع وعامر لا ينفق عليها بل تكفل بذلك شقيق سجى المهندس لتعاد الكرة والإصلاح مرة ثانية ويعود عامر لزوجته وبعد عام حملت سجى في طفلها الثالث ” سعد الله “
مما زاد من غضب عامر وقام بالطلاق البائن بينونة كبرى
وغادرها إلى الأبد وبقيت سجى مطلقة لأنها أنجبت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*